مع ازدياد اضطراب الممرات البحرية الضيقة، تتسابق الدول لإعادة رسم خريطة التجارة العالمية. وتعمل المنافسة الجيوسياسية على تعزيز دور الممرات البرية في أوراسيا، وإحياء طرق الحرير القديمة، ورفع أهمية الدول الواقعة على مسارات العبور.
كان من أبرز تداعيات صراع عام 2026 في إيران تعطل حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز. فقد أدى إغلاقه في مارس/آذار 2026 إلى اضطرابات واسعة في سلاسل الإمداد العالمية. وباعتباره أحد أهم الممرات البحرية الضيقة في العالم، يمر عبر المضيق عادة نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً على مستوى العالم، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال والأسمدة.
وفي حين يسلط الصراع الحالي الضوء على أهمية الطرق البحرية، فإنه يكشف بصورة أكثر مباشرة كيف يمكن لصراع واحد أن يزعزع تدفقات التجارة العالمية بصورة جوهرية. واستجابة لاستمرار تعرض التجارة العالمية للمخاطر الجيوسياسية، تعمل الدول على تسريع جهود تنويع طرق التجارة أو تأمينها. والمنطق نفسه يظهر خارج الشرق الأوسط. ففي نصف الكرة الغربي، على سبيل المثال، أبدت الولايات المتحدة اهتماماً متجدداً بقناة بنما في سياق المنافسة الاستراتيجية مع الصين.
وفي هذا السياق، استعادت آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، وهما منطقتان شكلتا تاريخياً القلب الجغرافي لطريق الحرير القديم، أهميتهما في القرن الحادي والعشرين. وكما كان الحال في العصور القديمة والوسطى، حين أدى طريق الحرير دور جسر حيوي بين الشرق والغرب، أصبحت المنطقة اليوم تحتل بصورة متزايدة موقعاً محورياً في التجارة العالمية.
عودة الطرق البرية الأوراسية
تتجلى هذه الأهمية الاستراتيجية المتجددة بأوضح صورها في صعود الطرق البرية عبر أوراسيا. فقد اكتسبت مبادرات مثل «الممر الأوسط»، المعروف أيضاً باسم طريق النقل الدولي العابر لبحر قزوين، أهمية متزايدة. وهو شبكة نقل متعددة الوسائط تمتد لنحو 4,000 كيلومتر، وتربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى وبحر قزوين وجنوب القوقاز وتركيا.
وقد ارتفعت أحجام الشحن عبر هذا المسار بصورة كبيرة، لتصل إلى نحو 4.5 ملايين طن في عام 2024، أي أكثر من خمسة أضعاف مستواها قبل سبع سنوات. وعلى الرغم من استمرار بعض التحديات، شهد الممر تطوير أطر تنسيق مهمة والتزامات تمويلية كبيرة من أطراف مثل الاتحاد الأوروبي والصين.
ويعكس ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC)، الممتد بمحاذاة شرق بحر قزوين، البحث نفسه عن تنويع المسارات، ولكن من اتجاه جغرافي مختلف. فهذا الطريق متعدد الوسائط الذي يربط الهند وإيران وروسيا ودول آسيا الوسطى يعزز الترابط بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، ويحسن الوصول إلى الأسواق بالنسبة إلى الدول غير الساحلية، من خلال دمج شبكات السكك الحديدية والطرق والنقل البحري.
ومن الناحية النظرية، يخفض الممر زمن العبور بصورة كبيرة مقارنة بمسار قناة السويس. وإلى جانب وظيفته الاقتصادية، يوضح INSTC كيف تسعى الدول بصورة متزايدة إلى تنويع طرق تجارتها، والتكيف مع المناخ الجيوسياسي، والإقرار بأن الاعتماد على ممر واحد لم يعد خياراً آمناً في بيئة تتسم باضطرابات جيوسياسية مستمرة.
وتوضح هذه التطورات مجتمعة كيف تتحول الخدمات اللوجستية إلى أداة للحد من التبعية والتكيف مع التحولات الجيوسياسية. ونتيجة لذلك، تكتسب الدول التي كانت تقليدياً على هامش شبكات التجارة العالمية أهمية استراتيجية متزايدة. وينطبق ذلك بصورة خاصة على دول العبور مثل كازاخستان وأذربيجان، إذ تصبح مواقعهما الجغرافية أكثر قيمة باستمرار.
من الهامش إلى العبور: فاعلون جدد في الخدمات اللوجستية العالمية
تستفيد كل من كازاخستان وأذربيجان من الممر الأوسط. وباعتبار كازاخستان أكبر دولة نامية غير ساحلية من حيث المساحة، فإنها تحتل موقعاً استراتيجياً خاصاً بفضل اتساع أراضيها وموقعها المركزي في آسيا الوسطى.
وتستضيف البلاد عدة ممرات دولية للسكك الحديدية تربط بين مراكز اقتصادية رئيسية، فيما تزداد أحجام العبور بصورة مطردة منذ عام 2020، ما يعكس تنامي دورها كمركز لوجستي.
وفي الواقع، تُظهر البيانات أن المسار الممتد من الصين إلى أوروبا عبر كازاخستان وبحر قزوين سجل زيادة بنسبة 125 في المئة في أحجام النقل، من أقل من 1.5 مليون طن إلى أكثر من 3.3 ملايين طن من البضائع بين عامي 2022 و2024.
ويمنح الموقع الجغرافي لكازاخستان البلاد أهمية استراتيجية في اتجاهات متعددة في الوقت نفسه. ويشير هذا الاندماج إلى انتقال كازاخستان تدريجياً من موقع هامشي إلى مركز لوجستي متعدد الاتجاهات، يسهم في الربط بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب على مستوى المنطقة الأوسع. كما يتعزز دورها اللوجستي المتنامي من الخارج من خلال تمويل متعدد الأطراف واسع النطاق للممرات.
أما بالنسبة إلى أذربيجان، فإن رفع مستوى العلاقات مع الصين إلى شراكة استراتيجية شاملة في أبريل/نيسان 2025، بهدف تعزيز مواءمة مبادرة الحزام والطريق مع استراتيجية التنمية الأذربيجانية وتحسين كفاءة الخدمات اللوجستية، ينسجم مع طموح البلاد لأن تصبح مركز عبور رئيسياً يربط الصين وآسيا الوسطى وأوروبا.
وبلغت أحجام البضائع العابرة لأذربيجان 9.1 ملايين طن خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، وهو أعلى مستوى خلال خمس سنوات، ويمثل زيادة سنوية بنسبة 11.6%.
ويعزز هذا النمو الدور الناشئ للبلاد داخل ممرات النقل الإقليمية. وكما هو الحال في كازاخستان، يعكس انخراط أذربيجان النشط في مسارات تجارية متعددة طموحها لأن تصبح جسراً حيوياً بين آسيا وأوروبا، مع تعميق اندماجها الاقتصادي مع مركزي القوة على الجانبين.
وقد يؤدي ممر زنغزور، في أعقاب الاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أغسطس/آب 2025، إلى تعزيز هذا الاتجاه بدرجة أكبر.
وينص الاتفاق على فتح ممر عبور عبر جنوب أرمينيا، يعيد ربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان المنفصل عنها جغرافياً، بعد ثلاثة عقود من العزلة. وعلى الرغم من أن الممر لم يدخل حيز التشغيل بعد، فإن إنشاؤه يعكس هدف أذربيجان في أن تصبح مركز عبور إقليمياً رئيسياً.
وفي الوقت نفسه، يوضح الممر تنامي انخراط القوى الكبرى في البنية التحتية اللوجستية بوصفها مجالاً للمنافسة الجيوسياسية.
وقد أُعيد تصور ممر زنغزور بموجب اتفاق واشنطن لعام 2025 تحت اسم «طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي» (TRIPP). ويمكن النظر إليه باعتباره تطوراً في مجال الترابط الإقليمي يحمل تداعيات جيوسياسية محتملة، إذ ينشئ الاتفاق رابطاً تديره الولايات المتحدة بين تركيا وأذربيجان يتجاوز الأراضي الإيرانية، ما يقلص دور إيران بوصفها مسار عبور ضمن هذا الممر.
وفي الختام، على الرغم من أن نجاح هذه الممرات الجديدة ليس مضموناً، فإن ظهورها يشير إلى تحول في الطريقة التي تنظر بها الدول إلى مسألة الترابط. فقد أصبحت طرق التجارة أدوات جيوسياسية، وأصبح تنويعها أولوية استراتيجية لعدد متزايد من الدول.
وسيتوقف ما إذا كانت هذه الممرات ستعمل في نهاية المطاف كبدائل متكاملة أم ستتحول إلى ساحات للمنافسة على مدى فعالية تنسيق السياسات، وعلى قدرة دول العبور على تحقيق توازن بين مصالح القوى الكبرى.
وتؤكد هذه التطورات الأهمية المتزايدة للترابط التجاري داخل الاستراتيجيات الجيوسياسية.
