الإنكار والمفاوضات المعقدة
لطالما نفت إيران نيتها تطوير أسلحة نووية، وكان آخر ذلك هذا الأسبوع على لسان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. ويعتقد المجتمع الدولي عمومًا أن إيران تمتلك المعرفة التقنية لصنع سلاح نووي، وأنها قد تفعل ذلك إذا استطاعت؛ غير أنها لن تقدم على ذلك لأنها لن تستطيع إخفاء العملية، ولأن التدخل الخارجي المحتمل ردًا على ذلك قد تكون عواقبه وخيمة. ولذلك تُبدي إيران استعدادًا للتفاوض بشأن الملف النووي. وقد فعلت ذلك سابقًا ضمن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، والتي أفضت إلى توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2015 خلال رئاسة باراك أوباما.
ويكمن الفارق بين أوباما وترامب في أن أوباما أدرك تعقيدات التفاوض مع إيران، أي بناء الثقة عبر الاتفاق النووي أولًا قبل الانتقال إلى قضايا الصواريخ والمسائل الإقليمية المرتبطة بالأعمال العدائية. أما إدارة ترامب الأولى فقد انسحبت من الاتفاق النووي عام 2018، واصفةً إياه بأنه «أسوأ اتفاق في التاريخ»، رغم أن إيران واصلت الالتزام بشروطه لمدة اثني عشر شهرًا إضافيًا. ولم ينجح الرئيس جو بايدن في إعادة إحياء الاتفاق، بينما واصل ترامب في ولايته الثانية نهجه السابق بعد عودته إلى السلطة.
ولا تُعدّ إيران طرفًا سهلًا في المفاوضات. فهناك «تعقيدات» ذات صلة، منها أن الإيرانيين شعب فخور، شديد الاستقلالية، متعلم جيدًا، ويسعى إلى امتلاك موارده والتحكم فيها (مثل النفط) وتحقيق أكبر قدر ممكن من الاكتفاء الذاتي. وهم لا يتقبلون الضغوط أو الإملاءات بسهولة، وتُعد الثقة عنصرًا محوريًا في علاقاتهم.
ويؤكد الإيرانيون أن ترامب مارس عليهم ضغوطًا وتهديدات مستمرة، وأن الثقة تلاشت منذ ولايته الأولى. وقد جادل مسؤولون إيرانيون في أحاديث خاصة بأن سياسات كلٍّ من إدارة ترامب الأولى وإدارة بايدن، بما في ذلك العقوبات الاقتصادية الثقيلة، دفعت إيران إلى ما يُسمى «محور الشر» لأسباب تتعلق بالبقاء. وهم يؤكدون أنهم يسعون إلى الاستقلال، ولا تجمعهم بالضرورة علاقات تقارب خاصة مع روسيا أو الصين أو كوريا الشمالية.
ومن ثمّ، فإن أي مفاوضات مع الولايات المتحدة ستجري في أجواء من التوتر وانعدام الثقة. والسؤال المطروح هو: من تثق به إيران؟
العنف في شوارع طهران: تغيير النظام والاضطرابات المدنية
في ما يتعلق بمسألة تغيير النظام، شكّل استغلال الولايات المتحدة (وإسرائيل) للمظاهرات الواسعة التي شهدتها إيران الشهر الماضي فرصةً وتحديًا في آنٍ واحد. غير أن النظام تمكن من البقاء.
هناك أربعة معايير أساسية لنجاح تغيير أي نظام: القيادة، ووجود سبب واضح للتغيير، وإرادة غالبية الشعب، ودعم عنصر مؤثر من القوات المسلحة وأجهزة الأمن لتسهيل التغيير والحفاظ عليه.
وقد كان الاستياء من الحكومة الإيرانية واضحًا بين فئات مختلفة داخل البلاد منذ فترة. وكان الطابع السياسي هو الغالب في السابق، إلا أن الدافع هذه المرة كان اقتصاديًا بالدرجة الأولى، نتيجة الضغوط الشديدة للعقوبات الخارجية، مقترنةً بسوء الإدارة والفساد. وقد اتسع نطاق المعاناة والاحتجاج ليشمل شرائح أوسع من المجتمع مقارنة بالماضي. ومع ذلك، ورغم وجود دعم موجّه من خارج إيران، لم يسقط النظام. فقد قمعت الحكومة المتظاهرين بقوة، ولم تتحقق تهديدات ترامب بمساعدة المحتجين. فهل كان التدخل العسكري الأمريكي سيشكّل نقطة التحول؟ لا يمكن إلا التخمين. لكن لم يظهر أي انقسام واضح داخل القوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية — نظرًا لتورطها العميق في الاقتصاد، كانت لديها دوافع مصلحية قوية لعدم الانقسام — كما لم تبرز أي شخصية قيادية، مدنية أو عسكرية، لتقود الحراك.
كما فشلت محاولات الترويج لرضا بهلوي، نجل الشاه الذي أُطيح به عام 1979، كشخصية جامعة ولو مؤقتًا. ويُعتقد أن جاذبيته داخل البلاد محدودة بسبب إرث القمع والفساد في عهد والده.
غير أن الرسالة كانت واضحة: هناك حالة من السخط، سياسيًا واقتصاديًا على وجه الخصوص، قد تشتعل إذا توافرت الشرارة المناسبة.
ما المتوقع؟
هل سيُغرى ترامب باستخدام القوة العسكرية لمحاولة تسهيل تغيير النظام إذا لم يحصل على ما يريد في الجولة المقبلة من المفاوضات النووية، والمقرر عقدها في عُمان أواخر هذا الأسبوع؟ إن لديه الأسطول في موقعه، ومن المؤكد أن التخطيط الشامل جارٍ، مستفيدًا من الدروس المستخلصة من الحرب الإسرائيلية–الأمريكية التي استمرت 12 يومًا في يونيو الماضي، وكذلك من التجربة الأخيرة في فنزويلا. ويركز التخطيط على أهداف حركية وغير حركية رئيسية، ولا سيما تلك التي تتطلب ضربة استباقية. ومن المتوقع أن تكون إسرائيل جزءًا من هذه العمليات، مع أهدافها الخاصة، التي قد تشمل قيادات رئيسية وشخصيات عسكرية وغيرهم.
وفي المقابل، من المؤكد أن إيران أعدّت خططها الخاصة استنادًا إلى دروسها المستفادة. وسيكون الإنذار المبكر الإيراني بأي هجوم — حتى لو كان في حدود دقائق — عاملًا حاسمًا في تحديد سرعة تطور الأحداث داخل إيران وخارجها، ومدى حجم الدمار الناتج عنها.
لكن إذا أدى ذلك فعلًا إلى تغيير النظام، فمن سيتولى السلطة؟ ففي غياب رجال الدين، ومع عدم وجود بنية معارضة مدنية منظمة، قد تصبح المؤسسة العسكرية (باستثناء الحرس الثوري؟) العمود الفقري لأي حكومة جديدة. أما القيادة المدنية فتبقى مجهولة، رغم وجود سياسيين وتقنيين أكفاء. وقد تواجه إيران مرحلة من التفكك وعدم الاستقرار بينما تعيد ترتيب أوضاعها الداخلية.