أعلنت الولايات المتحدة مؤخرًا وبشكل مفاجئ عن خطة سلام من عدة نقاط تهدف إلى إنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا، ويبدو أنها كُتبت بالتنسيق مع ممثلين روس، ثم قُدّمت إلى أوكرانيا. وقد أثار تسريب محتوى الخطة قلقًا واسعًا لدى الممثلين الأوكرانيين، والقادة الأوروبيين، وبعض السياسيين الأمريكيين. ورغم ذلك، قالت الإدارة الأمريكية إن الخطة أدت إلى «تقدم ملموس» في مقترح سلام مُعدَّل جرى صياغته في جنيف من قبل وفود أوكرانية وأمريكية. وتشير التقارير إلى أن أوكرانيا وافقت على الاتفاق مع بعض التعديلات البسيطة، في حين اعتبرت روسيا أن الحديث عن قرب التوصل إلى تسوية ما زال مبكرًا، رغم عقد لقاءات بين ممثليها ومسؤولين أمريكيين في أبوظبي لمناقشة الخطة المعدلة.
ماذا تضمنت الخطة الأولى؟
تعرضت الخطة الأولية لانتقادات واسعة لأنها تضمنت العديد من المطالب الروسية التي تعود إلى مفاوضات السلام الأولى في ربيع العام الذي تلى فيه اندلاع الحرب، ومن بينها:
فرض حد أقصى على حجم القوات المسلحة الأوكرانية
منع أوكرانيا من امتلاك صواريخ بعيدة المدى
فرض حظر دائم على انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي
توفير ضمانات خاصة للغة الروسية والكنيسة الأرثوذكسية الروسية داخل أوكرانيا
كما منحت الخطة روسيا السيطرة الكاملة على إقليم دونباس في شرق أوكرانيا، ودعت المجتمع الدولي إلى الاعتراف بالسيطرة الروسية على دونباس وشبه جزيرة القرم، إضافة إلى السيطرة على مناطق خيرسون وزابوريجيا وفق خطوط المواجهة. وفي المقابل، نصّت الخطة على تقديم «ضمانات أمنية موثوقة» لأوكرانيا، شبيهة بمبدأ الدفاع الجماعي، بحيث تتعهد الولايات المتحدة وأطراف أخرى بالدفاع عن أوكرانيا في حال تعرضها لهجوم مستقبلي، عبر العقوبات والضغوط الدبلوماسية والدعم العسكري عند الضرورة. كما منحت الخطة الأصلية روسيا والولايات المتحدة دورًا مشتركًا في إدارة الترتيبات الاقتصادية والأمنية الناتجة عن الاتفاق. وتضمنت الخطة أيضًا عفوًا عامًا عن جميع الأطراف عن الجرائم والانتهاكات المرتكبة خلال الحرب، ما يعني عدم محاسبة روسيا على جرائم حرب، إضافة إلى إعادة دمج روسيا في الشؤون الأوروبية والدولية وإنهاء عزلتها السياسية عبر إعادة تفعيل مجموعة الدول الصناعية الكبرى. وباختصار، تعاملت الخطة مع الحرب وكأنها لم تحدث أصلًا.
هل كانت هذه خطة أمريكية روسية مشتركة؟
أثار مصدر الخطة جدلًا واسعًا. فقد لاحظ البعض أن اللغة المستخدمة في النسخة المسربة بدت غير طبيعية، ما دفع إلى الاعتقاد بأنها مترجمة عن الروسية. وذكر أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي أن وزير الخارجية الأمريكي وصف الخطة أثناء إحاطة رسمية بأنها «قائمة أمنيات روسية». وتشير التقارير إلى أن المسودة نتجت عن لقاءات عُقدت في ولاية فلوريدا بين صهر الرئيس الأمريكي، والمبعوث الخاص، وممثل روسي معروف بقربه من الرئيس الروسي. ورغم ذلك، أصر وزير الخارجية على أن الوثيقة صيغت أمريكيًا، في حين أعلن الرئيس الروسي أن بلاده يمكن أن تقبل بالخطة. إن تشابه الخطة مع المطالب الروسية وضع أوكرانيا وأوروبا مباشرة في موقف دفاعي. وقد أعلن الرئيس الأمريكي أن أوكرانيا أمامها مهلة حتى عطلة عيد الشكر للموافقة على الخطة، ثم خفف لاحقًا من حدة موقفه، لكنه في المقابل انتقد القيادة الأوكرانية لعدم إظهارها «الامتنان الكافي» للجهود الأمريكية. وردًا على ذلك، قدم القادة الأوروبيون مقترح سلام بديل، أزال معظم المطالب الروسية الأكثر تطرفًا، مع الإبقاء على بعض النقاط، وترك القضايا الحساسة مثل عضوية حلف شمال الأطلسي لتقريرها من قبل الحلف وأوكرانيا نفسها.
تفاصيل المقترح الأوروبي
رغم ذلك، وافق المقترح الأوروبي على بعض المطالب الروسية، مثل وضع قيود على حجم الجيش الأوكراني، والسماح بعودة روسيا إلى مجموعة الدول الصناعية الكبرى. كما تضمن بندًا لتبادل الأراضي على أساس خطوط المواجهة الحالية بدل الاعتراف بعمليات الضم الروسية. وشملت المقترحات الأوروبية استخدام الأصول الروسية المجمدة كتعويضات عن العدوان، وإلغاء أي بنود عفو، وجعل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي الجهات الرئيسية في أي ترتيبات سياسية أو اقتصادية أو أمنية مستقبلية. كما أزال المقترح الأوروبي بعض الصياغات الغامضة التي كان يمكن استغلالها في التضليل الإعلامي الروسي، ومنها الإيحاء بأن أوكرانيا ستُترك وحدها في حال استهدفت مدنًا روسية أو فشلت في ما تسميه روسيا «إزالة النازية»، وهو اتهام لا أساس له.

الصورة: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يشارك في مؤتمر عبر الفيديو حول أوكرانيا من قصر الإليزيه في باريس، فرنسا، في الخامس والعشرين من نوفمبر عام ألفين وخمسة وعشرين.
تيريزا سواريز – وكالة أسوشيتد برس
أين وصلت المفاوضات الآن؟
عقد مسؤولون أوكرانيون وأمريكيون اجتماعًا في جنيف لمناقشة الخطة. وبعد الاجتماع، أبدى القادة الأوروبيون تفاؤلًا حذرًا، مع التأكيد على أن الطريق ما زال طويلًا. وصرّح الرئيس الأمريكي بأن «شيئًا جيدًا قد يكون بصدد الحدوث. ووفقًا لمصادر مطلعة، جرى تقليص الخطة من عدد كبير من النقاط إلى عدد أقل، كما أُرجئت القضايا الجوهرية مثل تبادل الأراضي والانضمام إلى حلف شمال الأطلسي إلى لقاء مستقبلي بين الرئيس الأمريكي والرئيس الأوكراني. وأكد مسؤولون أوكرانيون أن الخطة المعدلة تعكس مخاوف أوكرانيا بشكل أفضل. أما الموقف الروسي فبقي غامضًا، إذ لم تُقدَّم نسخة رسمية نهائية، فيما أعادت مصادر روسية التأكيد على تفضيلها للخطة الأصلية.
الرؤية النهائية: متى يصبح السلام حقيقة؟
رغم أن هذه التطورات تمثل أكبر تقدم في مسار السلام منذ فترة، فإن التوقعات يجب أن تبقى حذرة إلى أن يُعقد لقاء رئاسي مباشر بين الرئيسين الأوكراني والروسي، وتُوقَّع اتفاقية رسمية. لقد شهدت هذه الحرب سابقًا لحظات مشابهة من التفاؤل، لكنها غالبًا ما انهارت بسبب الخلافات الجوهرية. فأوكرانيا لا تزال تطالب بضمانات أمنية قوية، ومحاسبة روسيا على جرائم الحرب، وترفض التنازل عن الأراضي. بينما تسعى روسيا إلى أوكرانيا ضعيفة وقابلة للتأثير السياسي والاقتصادي. حتى الآن، يبدو أن أوكرانيا نجحت في كسب دعم الولايات المتحدة في الجولة الأخيرة من المحادثات، وهو ما يعكس أهمية الدعم الأمريكي بالنسبة لها. أما روسيا فاختارت التزام الصمت، لكن موافقتها على الخطة المعدلة — إن حدثت — ستشكل تحولًا تاريخيًا كبيرًا. ولهذه الأسباب، لا تصدق نجاح عملية السلام إلا عندما تراه واقعًا على الأرض.
