الملخص
تتناول هذه الورقة هوية روسيا الجيوسياسية وتوجهاتها الاستراتيجية في إطار الجغرافيا السياسية الأوراسية، مع التركيز على الرؤى المتباينة لكل من ألكسندر دوغين وسيرغي كاراغانوف. وتبدأ الورقة بوضع روسيا في سياق هويتها المزدوجة الأوروبية والآسيوية، مع إبراز روابطها الديموغرافية والثقافية والتاريخية مع أوروبا، إلى جانب امتدادها الجغرافي الواسع في آسيا وتراثها الأوراسي.
ثم يستعرض التحليل فكر دوغين الأوراسي الجديد الراديكالي، الذي يدعو إلى اعتبار روسيا إمبراطورية أوراسية مقدر لها قيادة عالم متعدد الأقطاب في مواجهة الليبرالية الغربية، مع التركيز على نهج تصادمي تجاه أوروبا وحلف شمال الأطلسي. وعلى النقيض، يتبنى كاراغانوف مقاربة واقعية براغماتية، تروج لسيادة روسيا الحضارية والتحول الاستراتيجي نحو آسيا، والدعوة إلى تقليل الاعتماد على الغرب وتعزيز التعددية القطبية، مع إعطاء أولوية للردع النووي.
وتضع الورقة هذه التيارات الفكرية في سياق التطورات الجيوسياسية المعاصرة، بما في ذلك المخاوف الأمنية الغربية من العدوان الروسي في أوروبا، وتبرز تأثيرها على صنع القرار في الكرملين. وفي النهاية، تسلط الدراسة الضوء على المسارات المختلفة التي قد تسلكها روسيا بين الاستمرار في الانخراط الأوروبي وإعادة التوجه نحو آسيا.
الكلمات المفتاحية: روسيا، الأوراسية، الجغرافيا السياسية، أوروبا، الاستراتيجية الأمنية
المقدمة
منذ بداية الحرب المستمرة في أوكرانيا، امتلأت وسائل الإعلام الغربية التقليدية بمختلف الخبراء، بل وحتى القادة السياسيين، الذين يؤكدون أن روسيا لن تتوقف عند أوكرانيا فيما يتعلق بـ«أفعالها الهجومية والإمبريالية». وأحدث تحذير صريح من هذا النوع، حتى تاريخ 20 فبراير 2026، صدر في 19 فبراير عن اللواء فولف-يورغن شتال، رئيس الأكاديمية الفيدرالية الألمانية لسياسة الأمن. وخلال حديثه في فعالية نظمتها الجمعية الألمانية-البريطانية، صرّح شتال بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «في مهمة ضد الغرب»، محذراً من أنه «بالنظر إلى كيفية تصرف بوتين حتى الآن، وبحسب تقييمي أنه في مهمة ضد الغرب، فلا شك في أنه سيستخدم الوسائل العسكرية إذا أتيحت له الفرصة». وأضاف أنه إذا سنحت له هذه الفرصة، فإن أوروبا ستواجه «أموراً لا يمكننا حتى تخيلها الآن»، في سياق الحرب الهجينة التي تشنها روسيا، والتي تشمل هجمات إلكترونية تستهدف بالفعل ألمانيا وأوروبا، وقد تتصاعد إلى عمل عسكري مباشر، مثل احتلال أراضٍ تابعة لحلف الناتو. كما أعرب عن قلقه بشأن كيفية استجابة القادة الأوروبيين لأي توغل روسي، مشدداً على ضرورة تعزيز الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو والقدرة الداخلية على الصمود لردع مثل هذا السيناريو.
ويُعد هذا التصريح من أحدث وأبرز المواقف العلنية الصادرة عن مسؤول أمني أوروبي غربي، والذي يؤكد بشكل مباشر نية بوتين واستعداده لاستخدام القوة العسكرية إذا سنحت الفرصة. ويتماشى ذلك مع نمط أوسع من التحذيرات الألمانية، مثل تصريحات وزير الدفاع السابق بوريس بيستوريوس في أواخر عام 2025، لكنه يتميز بتوقيته ولغته الصريحة بشأن «العواقب التي لا يمكن تصورها».
كما أصدر القادة والمسؤولون الأوروبيون تحذيرات مماثلة بشكل متكرر منذ أواخر عام 2025، وغالباً ما أشاروا إلى أن التهديد قد يتحقق خلال فترة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات، وليس بشكل فوري، مع ربط ذلك بإعادة بناء روسيا لقدراتها العسكرية بعد الحرب في أوكرانيا. وفي منتصف فبراير 2026، حذر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من أن روسيا «قد تكون» أو «ستكون» في موقع يمكنها من شن هجوم.


