ليس من المبالغة القول إن الكاريبي، على مدى أكثر من خمسة قرون، كان مسرحًا متواصلًا للتدخلات الإمبريالية. ففي الشهرين الماضيين، زادت الولايات المتحدة من وجودها العسكري في بحر الكاريبي، بما في ذلك تنفيذ حملة من الضربات الجوية، مدعية أن هذه العمليات ضرورية لحماية المواطنين الأميركيين من الاتجار غير المشروع بالمخدرات، والذي يُزعم أنه يحدث قبالة السواحل الفنزويلية. وحتى منتصف شهر تشرين الثاني، أطلق الجيش الأميركي إحدى عشرة غارة جوية مميتة على قوارب صغيرة في مياه الكاريبي، وأخرى مماثلة على ساحل أميركا الجنوبية المطل على المحيط الهادئ، ما أدى إلى مقتل أكثر من ثمانين شخصًا. وخلال هذه العمليات، داهمت البحرية الأميركية أيضًا سفينة صيد تونة، واحتجزت الصيادين على متنها لساعات عدة قبل أن تطلق سراحهم. وحتى اليوم، لم تقدم الحكومة الأميركية أي دليل يثبت ادعاءاتها بأن الأشخاص الذين أُعدموا علنًا كانوا متورطين في تهريب المخدرات. وقد بثت هذه الاغتيالات خارج نطاق القضاء الرعب في قلوب ملايين الناس العاديين في أنحاء المنطقة، ولا سيما الصيادين الذين يعتمدون على عبور البحر لكسب أرزاقهم. وفي الوقت نفسه، خرجت دول كاريبية إما مؤيدة صراحةً لهذا العنف الإمبريالي الذي يجري على عتباتها، أو مترددة في الرد عليه. فعندما بدأت هذه الهجمات، عبّرت كل من ترينيداد وتوباغو وغويانا عن دعم حماسي للتوغلات العسكرية الأميركية وعمليات القتل خارج القانون. ومع تصاعد التوترات، حاولت الحكومة الغويانية التراجع عن موقفها الأولي. إلا أن رئيسة وزراء ترينيداد وتوباغو، كاملا بيرساد بيسيسار، حافظت على موقف موالٍ للولايات المتحدة، وهي مسجلة في تصريحاتها بأنها قالت إنها لا تشعر بأي تعاطف مع المهربين، وأن على الجيش الأميركي قتلهم جميعًا بعنف. وقد كررت حكومة ترينيداد وتوباغو هذا الموقف حتى بعد أن قتلت الولايات المتحدة اثنين من مواطنيها، تشاد جوزيف وريشي سامارو، في حملات القصف الجوي هذه. كما سمحت ترينيداد وتوباغو لسفينة حربية أميركية، وهي مدمرة صواريخ موجهة، بالرسو في عاصمتها أواخر شهر تشرين الأول، ولعملاء عسكريين أميركيين بتنفيذ أنشطة على أراضيها بزعم معالجة تهديدات مشتركة مثل الجريمة العابرة للحدود، وبناء القدرة على الصمود من خلال التدريب والمهام الإنسانية والجهود الأمنية. أما الجماعة الكاريبية، وهي المنظمة الإقليمية الحكومية، فقد ماطلت بشكل مريب في اتخاذ موقف واضح، وانتظرت شهرًا كاملًا قبل أن تصدر بيانًا أعادت فيه التأكيد على أن المنطقة تُعد منطقة سلام، مع استثناء ترينيداد وتوباغو نفسها من هذا الموقف. ويبدو هذا التباطؤ خطيرًا عندما نعلم يقينًا أن الدعاية الأميركية حول تنفيذ عمليات لمكافحة المخدرات ليست سوى ذريعة. فالاعتداءات العسكرية الأميركية العدائية في بحر الكاريبي وعلى ساحل أميركا الجنوبية المطل على المحيط الهادئ تشكل جزءًا من استراتيجية جيوسياسية إمبريالية أوسع تهدف إلى إسقاط حكومة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. والهدف، كما لمح الرئيس الأميركي السابق علنًا، هو إجبار الحكومة الفنزويلية على منح الولايات المتحدة وصولًا أكثر فائدة إلى موارد فنزويلا. وقد يتساءل المرء: لماذا تمكّن حكومات، مثل حكومة ترينيداد وتوباغو، الإرهاب الإمبريالي الأميركي في المنطقة؟ ولماذا لم تتخذ حكومات الجماعة الكاريبية موقفًا مناهضًا للإمبريالية بشكل لا لبس فيه؟ يكمن الجواب في الموقع التابع لاقتصادات هذه الدول داخل الاقتصاد العالمي. فدول الكاريبي شُكّلت تاريخيًا على أسس نيوليبرالية، موالية للإمبريالية، ومعادية للديمقراطية، في حين أن النخب السياسية فيها مرتهنة لتنفيذ مصالح خارجية. وإضافة إلى ذلك، تلعب الديناميات السياسية الداخلية، من حيث الصراعات العرقية والطبقية، دورًا مؤثرًا في توقيت وحدّة ردود فعل هذه الحكومات الكاريبية تجاه الإرهاب الإمبريالي الأميركي الراهن. تفنيد أسطورة الدولة المخدِّرة الفنزويلية تتمثل الخطوة الأولى في دحض الأسطورة القائلة إن فنزويلا «دولة مخدِّرات». فقد صوّر المسؤولون الأميركيون العمليات الجارية، من استهداف القوارب إلى نشر المدمرات والطائرات، على أنها جهود لمكافحة المخدرات تهدف إلى وقف تدفق المواد غير المشروعة من فنزويلا إلى الولايات المتحدة. غير أن مسار الكاريبي ليس من بين القنوات الرئيسية التي تمر عبرها الكميات الكبرى من الكوكايين والميثامفيتامين إلى الولايات المتحدة، إذ إن معظم شبكات تهريب المخدرات تعتمد على المسارات البرية عبر أميركا الوسطى وعلى الطرق البحرية في المحيط الهادئ. ولذلك، ليس من المستغرب أن الحكومة الأميركية لم تقدّم أي دليل يثبت ادعاءاتها بأن الأشخاص الذين قتلتهم خارج نطاق القضاء في بحر الكاريبي أو على سواحل أميركا الجنوبية كانوا متورطين في تهريب المخدرات. وإضافة إلى ذلك، فإن حجم ونوعية القوة المستخدمة يتجاوزان بكثير ما تتطلبه عمليات الاعتراض التقليدية، حيث تزعم إدارة ترامب أن هذه العمليات لم تنجح، وأن الغارات الجوية القاتلة أصبحت ضرورية. وبجانب غياب الأدلة التي تثبت أن المسار الفنزويلي يشكل محورًا أساسيًا لتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، لا توجد كذلك أي براهين موثوقة تربط حكومة مادورو بالاتجار المنظم بالمخدرات، على الرغم من ادعاءات نظام ترامب التي يرددها دون تمحيص كثير من الإعلاميين والسياسيين في الكاريبي. وداخل مؤسسة الاستخبارات الأميركية نفسها، يذكر أحد التقارير صراحة أن نظام مادورو على الأرجح لا يتبنى سياسة للتعاون مع عصابة ترين دي أغوا، ولا يوجه تحركاتها أو عملياتها داخل الولايات المتحدة. ويضيف التقرير أن أجهزة الاستخبارات والجيش والشرطة الفنزويلية تنظر إلى هذه العصابة بوصفها تهديدًا أمنيًا، وتعمل ضدها بطرق تجعل من غير المرجح إلى حد كبير أن يتعاون الطرفان بصورة استراتيجية أو منتظمة. وتبرز هذه الحقائق بشكل خاص في ضوء التاريخ الطويل والمظلم لدور الولايات المتحدة القيادي في تهريب المخدرات في الأميركتين، فضلًا عن كونها المزوّد الأول عالميًا بالأسلحة للجهات المتورطة في تجارة المخدرات في المنطقة. إن الدافع الحقيقي للحكومة الأميركية هو زعزعة استقرار حكومة مادورو في فنزويلا والعمل على إسقاطها لصالح نظام يقوّض سيادة البلاد. ويذكّرنا فرانز فانون ووالتر رودني وغيرهما بأن الإمبريالية الرأسمالية تعتمد على حكومات دمية نيوليبرالية تحتلها نخب مفترسة تسهّل تراكم الثروة عبر الاستخراج ونهب الموارد ونزع الملكية والاستغلال. ويبرز على الساحة، بوصفه مرشحًا لاغتصاب السلطة من مادورو عبر الفرض لا عبر الانتخابات، الحاصلة على جائزة نوبل للسلام، ماريا كورينا ماتشادو. فماتشادو حليفة رئيسية للولايات المتحدة، ومعجبة بترامب، ومؤيدة لإسرائيل وقصفها لغزة، كما أنها تُبدي إعجابًا عامًا بالأنظمة القمعية في أميركا اللاتينية، بما في ذلك نظام نجيب بوكيلي في السلفادور والرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو. وقد دأبت ماتشادو على المطالبة بتدخل عسكري أجنبي في فنزويلا لإزالة حكومة مادورو، مع إعلانها في الوقت نفسه أن إدارتها، إذا مُنحت السلطة بوسائل غير انتخابية، تعتزم فتح أبواب فنزويلا أمام المستغلين الأجانب. وإذا ما أدت الجولة الراهنة من العداء الإمبريالي الأميركي في المنطقة إلى تغيير النظام في فنزويلا، فإن الولايات المتحدة ستكون في موقع يمكّنها من السيطرة على الموارد في جنوب الكاريبي، ولا سيما في غويانا وترينيداد وتوباغو، وكذلك على الساحل الشمالي لأميركا الجنوبية، أي غويانا ثم فنزويلا. وسيمنح ذلك الولايات المتحدة سيطرة مباشرة على طرق الشحن في المنطقة، في إطار استعدادها لمواجهة اقتصادية أوسع مع الصين. وعليه، فإن ما يُسمّى بعمليات «مكافحة المخدرات» التي أودت بحياة أكثر من ثمانين شخصًا من الكاريبي وأميركا الجنوبية ليست سوى ستار دخاني يخفي مصالح جيوسياسية أميركية أعمق. التبعية وطبيعة الدولة تتجاهل دول الكاريبي أرواح الفنزويليين وسكان أميركا اللاتينية، وكذلك شعوبها هي نفسها، من خلال توظيف سرديات أمنية خارجية، وذلك إلى حدٍّ كبير لأن المنطقة تخضع فعليًا لديكتاتورية رأس المال الأجنبي. وكما أفلت من نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، فإن أماكن مثل دول الكاريبي لم يكن المقصود لها يومًا أن تكون دولًا مستقلة وفاعلة، بل مجرد محطات عمل استخراجية، لا أكثر. فعلى سبيل المثال، اعتمدت ترينيداد وتوباغو طويلًا على استخراج النفط والغاز كمصدر أساسي لدخلها القومي. غير أن البلاد شهدت خلال العقد الماضي تراجعًا في إنتاج الغاز الطبيعي والنفط الخام، كما تضررت منشآت تسييل الغاز والمصانع البتروكيميائية التي تنتج الأمونيا والميثانول وغيرها من الصادرات الرئيسية، والتي تعتمد على الغاز كمدخل أساسي للإنتاج. ومع انهيار أسعار الطاقة في عام ألفين وأربعة عشر، أدى هذا الوضع إلى تراجع تدفقات النقد الأجنبي وإيرادات الدولة. وبما أن الطلب على الدولار الأميركي يفوق العرض بكثير، تواجه ترينيداد وتوباغو واحدة من أشد أزمات النقد الأجنبي في الكاريبي، ما أثار سخطًا واسعًا في صفوف الطبقات العاملة والوسطى والعليا على حد سواء. لذلك، تبدو حكومة ترينيداد وتوباغو يائسة من أجل إنعاش قطاع النفط والغاز المتعثر. وقد أمضت حكومة ترينيداد وتوباغو عقودًا في تطوير صفقة غاز تُعرف باسم صفقة «دراغون»، تتولى فيها شركة شل قيادة عمليات نقل الغاز الموجود في المياه الفنزويلية إلى ترينيداد وتوباغو، حيث يُصدَّر على شكل غاز طبيعي مسال. هذه الصفقة، التي اعتبرتها الدولة طوق نجاة ينقذ الاقتصاد المحلي من الانهيار، تحولت إلى أداة في ترسانة واشنطن ضد فنزويلا. ففي خضم عمليات القتل خارج نطاق القضاء في المنطقة، قامت الولايات المتحدة بإلغاء التراخيص التي كانت توافق على الصفقة، ثم أعادت إصدارها بشروط جديدة تهدف إلى ضمان مشاركة الشركات الأميركية وتحقيق أرباحها. إن استمرار التبعية البنيوية لترينيداد وتوباغو لرأس المال الأجنبي والأسواق الإمبريالية يجعل قادتها السيئين عرضة لمثل هذه الإجراءات القسرية، لضمان اصطفاف دول الكاريبي مع السياسات الإمبريالية الرأسمالية الأميركية. ويمثل الإكراه الاقتصادي جزءًا مهمًا من السياق الذي يفسر دعم كاملا بيرساد بيسيسار للإمبريالية، إلا أن موقفها لا يمكن إرجاعه إلى هذا العامل وحده. فبيرساد بيسيسار والنخبة المتعلمة والطبقة الكومبرادورية التي تمثلها تخرّجوا من بعض «أفضل» المؤسسات التعليمية الابتدائية والثانوية والجامعية محليًا ودوليًا. فهل يُفترض بهذه النخب أن تنتج مفكرين مستقلين ونقديين يعملون على تفكيك إرث الاستعمار في المجتمعات «ما بعد» الاستعمارية؟ أم أنهم مجرد أدوات غير واعية للإمبريالية، أم شركاء راغبون فيها؟ فمنذ لحظة الاستقلال الشكلي للعديد من الدول، ضمنت التدخلات الأجنبية للنخب المحلية في الكاريبي، أو للطبقات الكومبرادورية، ديمومة الأحزاب في الحكم أو هيمنتها السياسية، أو الحصول على تأشيرات وجنسيات مزدوجة، أو القدرة على مراكمة الثروة عبر استغلال شعوبهم وأراضيهم. وكما أوضح فرانز فانون في «معذبو الأرض» ووالتر رودني في «كيف طوّرت أوروبا تخلف أفريقيا»، تفتقر هذه النخب إلى الإبداع والحيوية اللازمين للتطور المستقل إلى برجوازية صناعية، ولذلك تلجأ إلى دعم الكيانات الأجنبية وإدامة العلاقات الاقتصادية التابعة. ونتيجة لذلك، أعادت عملية بناء الدولة في الكاريبي، وترسيخ الأوضاع الإقليمية في سياق الرأسمالية الإمبريالية الأميركية والأوروبية، إنتاج مؤسسات لا تستجيب لمطالب شعوب الكاريبي. وسواء بدافع الأمل في تأمين أو جذب استثمارات أجنبية، أو نتيجة ابتزاز اقتصادي صريح يهدد استثمارات النخب عبر العقوبات والقيود المختلفة، تختار العديد من دول الكاريبي خدمة الإمبريالية الأميركية والغربية بوصفها استراتيجية «عملية» لتحقيق «الاستقرار» الاقتصادي. غير أن هذه الخدمة لا تضمن سوى استمرار التخلف والتسول الاقتصادي. ففي هذا الإطار، تضع القيادة السيئة في ترينيداد وتوباغو البلاد في موقع المتسول لدى الولايات المتحدة، وتعزز العقوبات الأميركية على فنزويلا، ما يصعّب على فنزويلا بيع نفطها وغازها للدول المحتاجة إليه، بما في ذلك ترينيداد وتوباغو نفسها. والأسوأ من ذلك أن الولايات المتحدة لا تريد للصين أن تعالج هذا الوضع بين فنزويلا وترينيداد. وهكذا، لا يكتفي بعض قادة الكاريبي وأنصار أحزابهم بتشجيع الإمبريالية الأميركية السافرة المتخفية بلغة مضللة عن «مكافحة تهريب المخدرات» و«حماية المنطقة»، بل يرسخون أيضًا حالة تبعية المنطقة للولايات المتحدة، ويدعمون محاولاتها لتقويض النفوذ الصيني، وفي الوقت نفسه يساندون اعتداءات مباشرة على حق دول المنطقة في تقرير مصيرها وسيادتها. وفوق ذلك، تسهم الديناميات العرقية والطبقية الداخلية المحلية في تشكيل توقيت وحدّة ردود فعل حكومات الكاريبي على العدوان الأميركي في المنطقة. ففي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حملت الأحزاب السياسية ذات القاعدة الوسطى في ترينيداد وتوباغو الانقسامات الاستعمارية بين السكان ذوي الأصول الأفريقية والهنود، وهي الانقسامات التي ناضلت الحركات العمالية متعددة الأعراق جاهدًا لتجاوزها. وبوصفها زعيمة الحزب المعروف شعبيًا بأنه يمثل «المصالح الهندية»، تعمل كاملا بيرساد بيسيسار على تعميق هذا الشرخ العرقي واستغلاله لحشد الدعم لسياساتها الموالية للإمبريالية. وقد شارك هذا الحزب بنشاط في تجريم المجتمعات الأفريقية الفقيرة وكذلك المهاجرين الفنزويليين، مع التقليل من حقيقة أن العديد من الفقراء والمهمشين من الهنود عالقون بدورهم في شباك الإمبريالية الأميركية. وتمتزج لدى بيرساد بيسيسار وحلفائها أفكارهم الخاصة عن «النقاء» مع تصورات طبقية عن الاستحقاق، لتلتقي مع الأسس التفوقية التي تقوم عليها السياسة الأميركية الداخلية والخارجية. وإذا كان من السيئ بما فيه الكفاية أن يدعم رئيس وزراء، وهو محامٍ، عمليات قتل خارج نطاق القضاء في انتهاك للقانون الدولي، فكيف يمكن التماهي مع أيديولوجيا سياسية أنجبت شخصيات مثل السيناتور جيمس ريد، الذي صرّح علنًا في نحو عام ألف وتسعمئة وتسعة عشر بازدرائه للتعامل مع «زنجي من ليبيريا، وزنجي من هندوراس، وزنجي من الهند»، لكل منهم أصوات انتخابية مساوية لأصوات «الولايات المتحدة العظيمة»؟ وقبل أن يُقال إن ذلك كان في زمن بعيد، يكفي التذكير بما قالته المعلقة السياسية اليمينية آن كولتر لفيڤيك راماسوامي، مبررةً أنها لن تصوّت له أبدًا مهما تطابقت آراؤه مع آرائها. نحن ندرك أن القادة السياسيين، الساعين لإعادة انتخابهم، يختارون غالبًا طريق أقل مقاومة، وهو في هذه الحالة عدم إغضاب الولايات المتحدة القوية. غير أن هذا لا يمكن تفسيره بالسذاجة وحدها. وفي هذا السياق، كسرت كاملا بيرساد بيسيسار حتى الفهم الأساسي لطبيعة الجماعة الكاريبية، وروّجت على نحو مدهش لفكرة أن سعي كل جزيرة إلى مصلحتها الخاصة هو أمر أكثر تقدمية من التكتل معًا في كتلة واحدة. وبعبارة أخرى، فإنها ومن يدعمون موقفها قد تبنوا تكتيكات استعمارية إقليمية قائمة على التفريق والسيطرة. لقد عارضت الولايات المتحدة دائمًا قيام كيان موحد في المنطقة، وكما قال دبلوماسي أميركي سابق، فإن اتحادًا قويًا لجزر الهند الغربية قد يكون مضرًا بالمصالح الأميركية. ومن هذا المنطلق، جرى تقويض اتحاد جزر الهند الغربية في خمسينيات القرن الماضي، وتخريب النظام الاقتصادي الدولي الجديد طوال سبعينيات القرن العشرين. إن القادة السيئين في الكاريبي الذين يعلنون أن التشرذم مصدر قوة يعتنقون أيديولوجيات سياسية تتشابك مع نمط معين من السياسات الغربية ذات الطابع القومي الأوروبي والإمبريالي الصريح. ولهذا، ففي وقت تتجه فيه دول غنية بالموارد إلى بناء شراكات وتكتلات بديلة في مجالي التجارة والأمن، فإن دعوات القادة السياسيين في الكاريبي إلى مزيد من التفكك تستوجب تمحيصًا أعمق. الإعلام، وسوء القيادة السياسية، وكيف تسلّح الدولة مفهوم «الأمن» من المهم توضيح أن الجريمة موجودة في منطقة الكاريبي، كما هي موجودة في سائر أنحاء العالم. كما يجب الانتباه إلى صِغَر حجم دول الكاريبي، إذ إنه رغم صحة القول إن كميات المخدرات التي تمر عبر الكاريبي محدودة مقارنة بالتجارة العالمية للمخدرات، فإن القليل الذي يمر فعلًا يتسبب في دمار حقيقي، نظرًا للخصائص الجغرافية والحجم السكاني لهذه الدول. فقد أصبح انتشار الأسلحة النارية وارتفاع معدلات الجرائم العنيفة المرتبطة بالتجارة العالمية للمخدرات في أماكن مثل ترينيداد وتوباغو عاملًا حاسمًا يؤثر في الحياة اليومية للناس العاديين. وقد أتاح هذا السياق لحكومة ترينيداد وتوباغو تبرير وإضفاء الشرعية على العدوان العسكري الأميركي باسم «محاربة» تجارة المخدرات في المنطقة. ولذلك، فإن كثيرًا من الأشخاص الذين يهللون للجيش الأميركي إنما يفعلون ذلك بدافع اليأس والرغبة في الشعور بالأمان. غير أن هذه الحاجة إلى الأمان هي بالضبط ما يجري تسليحه، إذ تُستخدم لتكريس أوضاع أكثر انعدامًا للأمن، مع ازدياد انتشار الأسلحة والتقنيات العسكرية الأميركية الصنع في المنطقة. ثمة علاقة مباشرة وغير مباشرة بين القرارات السياسية والاقتصادية، الجيوسياسية منها والاقتصادية، التي اتخذتها أجيال متعاقبة من النخب الحاكمة في الكاريبي، وبين السرديات الأميركية الشمالية حول الجريمة، وهي سرديات سمحت، منذ القرن التاسع عشر في بعض البلدان، بالعدوان الإمبريالي في المنطقة وفتحت له المجال. وعلى مدى عقود، استغلت الولايات المتحدة الأزمات الناجمة عن تصاعد الجرائم العنيفة لمتابعة مصالحها الأمنية الخاصة، رغم أن ارتفاع معدلات العنف في المنطقة مرتبط بشكل مباشر بالأسلحة التي تُستورد من الولايات المتحدة أو تُصنّع فيها، وبالطلب الاستهلاكي الأميركي على سلع تعتبرها الدولة الأميركية «غير قانونية». ومن أجل ترسيخ الهيمنة الأميركية والحفاظ عليها، وما يصاحبها من الحصول على عمالة رخيصة من فائض السكان في منطقة تشتهر بارتفاع معدلات البطالة والعمالة الهشة، اعتمدت الولايات المتحدة على الاستخدام المستمر للعنف، مغلفًا بخطاب «فرض القانون والنظام» في سياق السعي إلى «التقدم» و«اللحاق» بالغرب. وليس من قبيل المصادفة أن نشأت الشرطة الحديثة في الكاريبي بوصفها دوريات عبيد مسلّحة في سانت لوسيا. وكما في الماضي، يبقى الهدف اليوم هو ذاته: حماية الثروة من العمال الذين صنعوها. غير أن الفعالية الحقيقية تكمن في تكييف وعي المستغَلّين كي يتبنوا قيم النخب. وحتى اليوم، تهيمن تعريفات النخب الغربية لمفاهيم التقدم والتنمية على وعي الطبقات العاملة الواسعة في الكاريبي، رغم أن الوضع التابع لاقتصادات المنطقة يجعل تحقيق هذه الوعود مستحيلًا لغالبية السكان. وهكذا، يُبرَّر اعتماد الولايات المتحدة على توسيع جهازها العسكري لتحقيق النمو الاقتصادي عبر اختلاق تهديدات دائمة يُفترض أن تدافع الولايات المتحدة نفسها ضدها. وتندرج سردية أخرى، مثل الحاجة إلى «تعزيز الديمقراطية» في فنزويلا، ضمن هذا النمط نفسه من الدعاية الإمبريالية الغربية. فالولايات المتحدة والإمبرياليون الغربيون يصرّون على أن فنزويلا ليست دولة ديمقراطية، رغم وجود جمعيات ومجالس شعبية نشطة وقوية، وانتخابات تجري بحضور مراقبين دوليين، بمن فيهم مراقبون من الولايات المتحدة نفسها. ومع ذلك، تستمر السردية الإمبريالية الغربية في الادعاء بأن فنزويلا غير ديمقراطية، وبالتالي يمكن قصف شعبها باسم «خير أعظم» مزعوم. وفي المقابل، تصف السرديات الإمبريالية نفسها إسرائيل الإبادية بأنها ديمقراطية تستحق «الحماية» و«الدفاع»، بينما تواصل إبادة الفلسطينيين وتدمير أرضهم. هذه الدعاية، لا التحليل القائم على الوقائع، تصوّر الإمبريالية الغربية على أنها «دفاعية» و«حامية للأمن» و«ضامنة للسلامة»، في حين تُصوَّر الدول التي لا تنسجم معها على أنها «عدوانية» و«غير ديمقراطية». وبالتوازي مع الإمبرياليين، دأبت شخصيات سياسية محلية منذ زمن طويل على استخدام، أو تشجيع استخدام، لغة نزع الإنسانية عند الحديث عن الأشخاص والمجتمعات التي جرى تجريمها. فعندما يشير رئيس وزراء ترينيداد وتوباغو، أو مفوض الشرطة، أو غيرهم من أصحاب النفوذ، إلى بشر بوصفهم «جثثًا» أو «آفات» أو «براغيث» أو «صراصير»، فإن الرسالة الضمنية هي أن هؤلاء ليسوا مواطنين أو أعضاء في المجتمع، وبالتالي لا يستحقون أبسط الحقوق والالتزامات القانونية، بما في ذلك الحق في الحياة. وعندما تنتشر مثل هذه الأفكار، تُهمَّش قضايا العدالة الاجتماعية، ويُبرَّر بدلًا منها شن هجمات قاسية، وغالبًا قاتلة، على أشخاص حقيقيين أو مفترضين متورطين في تهريب المخدرات، وغالبًا ما ينحدرون من مجتمعات فقيرة وهشة، في حين لا يُمسّ الوسطاء الأقوياء والمصرفيون ومؤسساتهم التي تقوم بتبييض الأموال بأي أذى يُذكر. وبالمثل، يلعب الإعلام المحلي والدولي دورًا بالغ الأهمية في الأزمة المتفاقمة. فباستثناء عدد قليل من الكتّاب، كان أداء الإعلام المحلي مخزيًا، إذ لم يكن في كثير من الأحيان سوى جهاز تسجيل متملق للسرديات الفجة الصادرة من واشنطن. في البداية، لم يجرِ الإعلام المحلي أي بحث نقدي يُذكر في المصادر العديدة التي تفند الاتهامات الزائفة التي تربط إدارة مادورو بعصابات المخدرات. وكرر لغة تُجرّم ضحايا الهجمات دون تقديم أي دليل يثبت أنهم انتهكوا أي قوانين. كما التزم الصمت إزاء الكم الهائل من الأدبيات التي تربط وكالة الاستخبارات الأميركية والجيش الأميركي بعمليات نهب الأراضي والموارد الاستعمارية التي تنتهك القوانين الدولية والمحلية. وروّج أيضًا لخرافة أن نيكولاس مادورو «خسر» أو «زوّر» الانتخابات، خلافًا لما أكدته تقارير مراقبي الانتخابات. إن غياب الصحافة النقدية والمستقلة يمثل تقصيرًا واضحًا في الواجب، ويخدم السرديات الإمبريالية ويوفر غطاءً لعمليات القتل خارج نطاق القضاء. الخاتمة لقد أطال العصر النيوليبرالي، الذي أعقب استقلال العديد من الدول، عمر الفكر البرجوازي الاستعماري في الكاريبي، إذ جرى النظر إلى الإنسان «أولًا بوصفه كائنًا اقتصاديًا، وثانيًا بوصفه كائنًا لا يمكنه العمل إلا ضمن مجال التفوق الأبيض والرأسمالية». وفي هذا المناخ، ضعفت المقاومة الكاريبية، واضطرت إلى التشكل جنبًا إلى جنب مع تعمق العمليات النيوليبرالية، وعلى رأسها القمع الذي تمارسه الدولة والعدوان العسكري المدعوم من الهيمنة الأميركية، وذلك من أجل دمج شعوب الكاريبي بصورة نهائية في النظام الرأسمالي الغربي باعتبارها «اقتصادات دنيا مصدِّرة لليد العاملة»، حيث جرى إخفاء تسليع العمل خلف خطابات «النمو» و«التنمية». ومن خلال تحليل خصائص دول الكاريبي وأنماط الحكم فيها، بما في ذلك كيفية فهمها لمفهوم «التنمية»، يمكننا فهم سبب اختيار العديد من هذه الدول أداء دور الخادم للإمبريالية: فالدول الكاريبية النيوليبرالية الجديدة، أو الدمية، هي في جوهرها دول معادية للديمقراطية، ولا تولي أي اعتبار حقيقي لحياة شعوب الكاريبي. إن التسهيل المتعمد الذي تقوم به حكومة ترينيداد وتوباغو للعدوان الإمبريالي الأميركي في المنطقة يعكس مواقف عدد من الدول الأفريقية. فالنظام الذي تهيمن عليه نخبة التوتسي في رواندا بعد الإبادة الجماعية، بقيادة بول كاغامي، يوظف صورته كضحية للاستعمار والإبادة لتبرير القمع الداخلي ضد الهوتو، والتوسع العسكري في الدول المجاورة، ولا سيما جمهورية الكونغو الديمقراطية، في تحالف وثيق مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل. وفي مقابل الدعم العسكري والمالي والسياسي الأميركي والغربي، تتيح رواندا للإمبريالية الوصول إلى ثروات الكونغو المعدنية، مثل الكولتان والذهب والقصدير، بما يضمن تدفق الأرباح إلى رأس المال الغربي وإلى النخب الرواندية على حد سواء. وهكذا، تعمل رواندا كوكيل إمبريالي موالٍ للولايات المتحدة، يدفع بعجلة النظام العالمي لاستخراج الموارد وتراكمها لصالح القوى الغربية. وإلى جانب ذلك، قبلت رواندا، ومعها قائمة متزايدة من الدول الأفريقية مثل غانا وإسواتيني وجنوب السودان، بشروط اتفاقيات ثنائية مع الحكومة الأميركية لاستقبال أشخاص جرى تجريمهم وترحيلهم في إطار هجوم نظام ترامب على المجتمعات التي جرى توصيفها عِرقيًا بوصفها غير بيضاء داخل الولايات المتحدة. ومن خلال قبولها بأن تكون مواقع لتعهيد سياسات السجن الأميركية العنصرية، تساهم هذه الدول في التوسع الجغرافي للمجمع الصناعي العسكري والسجني الأميركي إلى مزيد من بقاع العالم. إن هؤلاء القادة السيئين في الكاريبي وأفريقيا سيُسجلون في التاريخ بوصفهم ميسّرين نشطين للطمع الإمبريالي والقمع والاستغلال الذي تقاومه الجماهير منذ أيام الاستعمار المباشر. وحدها مقاومة جماهيرية متجددة، تنتزع السلطة من النخب النيوليبرالية الجديدة في الكاريبي المنخرطة في خدمة الإمبريالية، قادرة على تصحيح هذه الأوضاع. وعلى الأفارقة في الكاريبي وفي العالم بأسره أن يستعيدوا القوة ويسترجعوا تاريخ حركات النضال التي واجهت الإمبريالية الرأسمالية.
شارك هذا الموضوع:
- المشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني
Related
المراجع
Zophia Edwards
زوفيا إدواردز أستاذة مساعدة في علم الاجتماع بجامعة جونز هوبكنز. وهي مؤلفة كتاب "تغذية التنمية: كيف غيّرت الحركة النقابية الراديكالية السوداء ترينيداد وتوباغو" (منشورات جامعة ديوك). كما أنها عضوة في الحركة الأفريقية العالمية في أمريكا الشمالية.
Corey Gilkes
كوري جيلكس باحث مستقل يكتب من منظور مناهض للاستعمار، مستخدماً تحليلات تاريخية تنقيحية قائمة على الحقائق لتفسير الأحداث الجارية. نشر جيلكس مقالات في مواقع trinicenter.com وwired868com وglobalcommment.com، بالإضافة إلى مدونته الشخصية coreygilkes.wordpress.com. ويعمل حالياً على أربعة مشاريع كتب.
Tamanisha John
تامانيشا جون أستاذة مساعدة في جامعة يورك. وهي عضوة في التحالف الأسود من أجل السلام، وشبكة التضامن الكاريبي، وتجمع الباحثين المناهضين للإمبريالية.
