في ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٥، عقد الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأمريكي دونالد ترامب أول لقاء مباشر بينهما منذ عام ٢٠١٩، وذلك على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ في مدينة بوسان. وقد شكّل هذا اللقاء ما يمكن وصفه بـ«إعادة انخراط حذِرة ومؤقتة» بعد ست سنوات من الاحتكاك المستمر، من دون أن يرقى إلى مستوى انفراج دبلوماسي أو تحقيق اختراق جوهري، بل عكس عملية إعادة ضبط قسرية للعلاقة.
أدرك الطرفان أن استمرار المواجهة لفترة طويلة بات مكلفًا على نحو متزايد، غير أن أيًا منهما لم يكن مستعدًا لإظهار ضعف استراتيجي أو تقديم تنازلات تمس المصالح الجوهرية. وكان التحدي المركزي لهذا «اللقاء بعد ست سنوات» يتمثل في كيفية تحقيق توازن بين منافسة لا مفر منها وتعاون محدود ومضبوط.
لم يسفر اجتماع بوسان عن حل الخلافات المتراكمة منذ زمن طويل، لكنه سلّط الضوء على البنية المتغيرة للتفاعل الثنائي، حيث تتعايش تهدئة اقتصادية محدودة مع استمرار التوترات في مجالي الأمن والتكنولوجيا. وظلت الثقة ضئيلة، فيما هيمنت إدارة المخاطر على نبرة اللقاء. وضمن هذا الإطار من التفاعل الحذر والتنافس المستمر، استأنف الجانبان الحوار مع بقاء التناقضات البنيوية الأساسية دون معالجة.
التهدئة التكتيكية: «وقف إطلاق نار متبادل» حول العناصر الأرضية النادرة والرسوم الجمركية
استنادًا إلى تفاهمات أولية جرى التوصل إليها خلال مناقشات سابقة في كوالالمبور، أسفر اجتماع بوسان عن نتائج محدودة لكنها ملموسة. فقد وافقت واشنطن على تعليق جزء من زيادات الرسوم الجمركية المخطط لها وتأجيل توسيع قيود التصدير. وفي المقابل، أجّلت بكين تنفيذ ضوابط أُعلن عنها حديثًا على العناصر الأرضية النادرة والتقنيات المرتبطة بها. وقد جرى التأكيد صراحة على أن هذه الإجراءات المتبادلة مؤقتة ومحددة بزمن، بأفق يمتد لعام واحد.
ورغم تقديم هذه الخطوات على أنها تنازلات متبادلة، فإنها عكست حسابات سياسية براغماتية داخل السياقين الداخليين لكل من البلدين. إذ سعى الرئيس ترامب إلى تحقيق هدوء اقتصادي قصير الأمد لدعم الأسواق المالية وطمأنة قواعد انتخابية رئيسية في ولايات الغرب الأوسط قبيل دورة الانتخابات. أما بكين، فهدفت إلى الحفاظ على بيئة خارجية مستقرة عبر انفتاح مُدار، بما يتيح لها هامشًا لمواصلة إعادة الهيكلة الاقتصادية والتكيّف التكنولوجي.
غير أن هذه الهدنة ظلت هشة. فقرار الصين تأجيل ضوابط التصدير لم يكن تنازلًا بقدر ما كان حجبًا استراتيجيًا لأداة نفوذ. وبوصفها مورّدًا لنحو ٦٠٪ من العناصر الأرضية النادرة المستخرجة عالميًا — وهي مكونات حيوية لأشباه الموصلات والمركبات الكهربائية وتوربينات الرياح ومنصات الدفاع الأمريكية مثل الطائرة إف-٣٥ — تحتفظ بكين بتأثير كبير على سلاسل الإمداد العالمية. وعليه، فإن تهدئة بوسان لم تكن اختراقًا بنيويًا بقدر ما كانت توقفًا تكتيكيًا: تأجيلًا للتصعيد لا حلًا للتوترات الكامنة.
الصمت الدبلوماسي حيال تايوان: حذر استراتيجي ومخاطر كامنة
لم يتطرق اجتماع بوسان إلى قضية تايوان، وهو إغفال نادر في تاريخ القمم الصينية–الأمريكية. وعقب المحادثات، أشار الرئيس ترامب إلى أن الرئيس شي «يدرك العواقب» المترتبة على محاولة السيطرة على تايوان، لكنه امتنع عن توضيح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتدخل عسكريًا. وبالمثل، شدد وزير الخارجية ماركو روبيو على أن واشنطن لن تساوم على مصالح تايوان مقابل تنازلات اقتصادية.
وبذلك أصبحت تايوان القضية الحاضرة الغائبة: مسألة شديدة الأهمية لا يمكن تجاهلها، لكنها بالغة الحساسية سياسيًا إلى حد يجعل مواجهتها مباشرة محفوفة بالمخاطر. فبالنسبة لبكين، تمثل تايوان خطًا أحمر سياديًا لا يمكن المساس به. أما بالنسبة لترامب، فإن إثارة القضية كانت تنطوي على خطر تعطيل الحوار الذي يركز على التجارة وتقويض صورته كقائد يمسك بزمام المبادرة الدبلوماسية. لذلك اختار الزعيمان الصمت الاستراتيجي كوسيلة لتجنب التصعيد.
ولم يكن هذا الصمت مؤشرًا على تقارب في المواقف، بل تعبيرًا عن ضبط متبادل للنفس تحت ضغط مرتفع. فقد أصبحت تايوان متغيرًا كامنًا في كل جولة من جولات التفاعل الصيني–الأمريكي: غائبة عن النقاشات الرسمية، لكنها متجذرة بنيويًا في المعادلة الاستراتيجية الأوسع. وكلما طال تجنب طرحها، تراكمت كلفتها السياسية والاستراتيجية.
وفي المستقبل، قد تعيد توترات جديدة — سواء ناجمة عن نزاعات تجارية أو حوادث بحرية في بحار جنوب الصين — تايوان سريعًا إلى صدارة المواجهة الثنائية. إن «غياب» تايوان في بوسان لا يقلل من أهميتها، بل يشير إلى أن الأزمة جرى إزاحتها مؤقتًا من ساحة الدبلوماسية العلنية، لا احتواؤها أو حلّها.
الانفصال المؤسسي: من خيار سياسي إلى واقع بنيوي
عكس الصمت الدبلوماسي حيال تايوان حذرًا تكتيكيًا، غير أن اجتماع بوسان، على مستوى أعمق، سلّط الضوء على التباعد التكنولوجي والمؤسسي المتجذّر بين الصين والولايات المتحدة. فقد أشار ترامب إلى أن شركات أمريكية مثل إنفيديا قد تنخرط في معاملات انتقائية تتعلق بشرائح ذكاء اصطناعي متوسطة المستوى، لكنه أكد في الوقت ذاته أن منتجات أشباه الموصلات الأكثر تقدمًا ستظل خاضعة لقيود صارمة. وجاء ذلك تأكيدًا لمنطق «الدفاع التكنولوجي» في واشنطن، حيث تحكم اعتبارات الأمن القومي التنافس في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، لا منطق النفاذ إلى الأسواق.
ومن منظور بكين، لا تقلّ الاكتفاءات التكنولوجية الذاتية أهمية، إذ تُعد ركيزة أساسية للصمود الوطني وأمن النظام. ويؤطر الطرفان اليوم تنافسهما الاستراتيجي باعتباره «صراعًا على المسار الوطني»، حيث يُنظر إلى أي تنازل على أنه هشاشة بنيوية. ونتيجة لذلك، يُكثّف كل طرف جهوده لتعزيز التحصين المؤسسي الداخلي بدل السعي إلى ضوابط تفاوضية مشتركة.
وقد أفضى هذا الانقسام إلى مسارين متوازيين: استقرار متواضع في تدفقات التجارة، يقابله تسارع في التفكك داخل مجالات التكنولوجيا عالية المستوى. ويستغل الطرفان فترة «التهدئة التكنولوجية» القصيرة هذه لدفع إجراءات بنيوية أعمق. ففي واشنطن، يجري تعميق التنسيق مع الحلفاء وتوسيع أطر ضوابط التصدير وآليات فحص الاستثمارات. أما بكين، فتعمل على بلورة أدوات قانونية جديدة — من بينها مسودات أطر شبيهة بقانون أمن العلوم والتكنولوجيا، ولوائح محتملة بشأن التقنيات الحيوية — بهدف ترسيخ الرقابة على القطاعات الاستراتيجية. ورغم أن هذه المبادرات لم تُقنّن بالكامل بعد، فإنها تعكس نية واضحة لإدماج حوكمة التكنولوجيا ضمن بنية الأمن القومي.
وفي هذا السياق، فقدت التكنولوجيا قيمتها كورقة مساومة دبلوماسية. إذ يعترف الطرفان ضمنيًا بأن التقنيات الاستراتيجية لم تعد قابلة للتبادل دون المساس بالسيادة. وهكذا، تحوّل الفصل التكنولوجي من استجابة مؤقتة إلى حالة نظامية راسخة. ولم تعكس «تهدئة» بوسان تقدمًا نحو التقارب، بقدر ما مثّلت توقفًا مُدارًا في صراع آخذ في الترسّخ المؤسسي.
من المواجهة عالية الحدة إلى التنافس المُدار
شكّل اجتماع بوسان انتقالًا في العلاقات الصينية–الأمريكية من مواجهة عالية الحدة إلى إدارة محدودة للتنافس. فقد عمل الطرفان على تحقيق استقرار مؤقت في التجارة، ومارسا قدرًا من ضبط النفس على الصعيدين السياسي والأمني، في حين ظل التنافس في المجالات التكنولوجية والمؤسسية متجذرًا. ولم يكن ذلك مصالحة ولا نقطة تحوّل حاسمة، بل تشكّل حالة توازن مؤقتة.
بالنسبة للصين، أتاح بوسان هامشًا لإعادة الضبط الاقتصادي وتسريع الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقلالية التكنولوجية. أما الولايات المتحدة، فقد حافظت على الضغط الاستراتيجي مع تجنب التصعيد على المدى القصير. وتحت مظاهر الدبلوماسية، لا تزال التباينات البنيوية وانعدام الثقة الاستراتيجية قائمة.
وعلى امتداد منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بات هذا «التعايش القلق» يتحول بشكل متزايد إلى الوضع الإقليمي الافتراضي. وتكمن أهمية بوسان لا في نتائجه الملموسة، بل في الإدراك المشترك بأن المواجهة الاستراتيجية باتت تتطلب إدارة مستمرة، حتى وإن تعذر حلّها في الوقت الراهن.
