No Corruption, Stop Corruption . Photo by Zeñandia via Pixabay.

الفساد البنيوي وهشاشة الديمقراطيات: الحلقة المفرغة في أمريكا اللاتينية

في أمريكا اللاتينية، لا يُعدّ الفساد ظاهرة شاذة داخل النظام الديمقراطي، بل يُمثل ترسًا بنيويًا يضعفه، ويغذي الشعبوية، ويُكرّس عدم المساواة.

يُعدّ الفساد ظاهرة مستمرة في معظم بلدان أمريكا اللاتينية. وبغضّ النظر عن الأيديولوجيا وتناوب الأحزاب على السلطة، ظلّ الفساد حاضرًا في أنحاء واسعة من المنطقة، بل ازداد في كثير من الحالات. بين عامي 2014 و2024، لم تسجّل سوى خمس دول في المنطقة—أوروغواي، وكوستاريكا، وكولومبيا، والأرجنتين، وجمهورية الدومينيكان—تحسّنًا في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية. وفي باراغواي لم يُظهر المؤشر أي تغيّر، بينما ارتفعت مستويات إدراك الفساد في الدول الأربع عشرة المتبقية. ويساهم إساءة استخدام السلطة على نطاق واسع من قِبل كبار المسؤولين الحكوميين، والجهاز البيروقراطي العام، وكبرى الشركات الخاصة، في تقويض ثقة المواطنين بممثليهم وبالمؤسسات الديمقراطية ككل.

كيف يتجلّى الفساد

يتخذ الفساد في أمريكا اللاتينية أشكالًا متعددة ويتجلى على مستويات مختلفة من الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفي أكثر صوره وضوحًا وتأثيرًا، يظهر في مخططات فساد كبرى تشمل أعلى سلطات الدولة وكبرى الشركات الخاصة. فقد كشفت قضايا مثل قضية شركة البناء «أوديبريشت»، التي امتدت ممارساتها غير المشروعة إلى عدة دول في المنطقة وانكشفت بين عامي 2014 و2016، عن وجود شبكات عابرة للحدود من الرشوة والتمويل السياسي غير القانوني. وبالمثل، فضحت فضائح مثل «مينسالاو» وعملية «لافا جاتو» في البرازيل عمق هذه المخططات وقدرتها على اختراق حكومات وأحزاب سياسية مختلفة، مما أضرّ بشكل خطير بمصداقية المؤسسات الديمقراطية.

أحد أكثر المجالات حساسية التي تتجلى فيها هذه الديناميكية هو تمويل الحملات الانتخابية. فغياب القواعد الواضحة والشفافية والرقابة الفعالة حوّل التمويل السياسي إلى بوابة مميّزة للفساد. ونتيجة لذلك، غالبًا ما تفرز العمليات الانتخابية حكومات مقيّدة بمصالح خاصة تسعى، بعد وصولها إلى السلطة، إلى استرداد استثماراتها عبر منح امتيازات تشريعية، أو تخصيصات في الموازنة، أو قرارات تنظيمية، مما يضعف التمثيل الديمقراطي.

غير أن الفساد لا يقتصر على هذه الفضائح الكبرى، بل يتجلى أيضًا في ممارسات يومية تؤثر مباشرة في العلاقة بين المواطنين والدولة. فدفع الرشاوى للحصول على خدمات عامة، أو لتسريع المعاملات، أو لممارسة حقوق ينبغي أن تكون مكفولة للجميع، يسهم في تطبيع اللاشرعية ويؤدي تدريجيًا إلى تآكل الثقة في المؤسسات العامة.

وفي الوقت نفسه، يتجاوز الفساد في أمريكا اللاتينية الإطار الحكومي ليمتد إلى القطاع الخاص. فالتهرب الضريبي، والاحتيال على المستهلكين، وغيرها من الممارسات غير القانونية، شائعة وتترتب عليها تكاليف اجتماعية جسيمة. كما أن تنامي الاتجار بالمخدرات عمّق هذه الديناميكيات، إذ عزّز الفساد على مستويات مختلفة من الدولة والمجتمع، وأعاد إنتاج حلقة مفرغة تقوّض سيادة القانون وشرعية المؤسسات.

First published in: Latinoamérica21 (L21) Original Source
Hugo Borsani

Hugo Borsani

عالم سياسي. أستاذ في جامعة ولاية شمال فلومينينسي (البرازيل). حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من معهد البحوث بجامعة ريو دي جانيرو (حالياً IESP/UERJ). حاصل على درجة ما بعد الدكتوراه من المعهد الأيبيري الأمريكي بجامعة سالامانكا.

Leave a Reply