Terminal High Altitude Area Defense (THAAD). The U.S. Army Ralph Scott/Missile Defense Agency/U.S. Department of Defense, CC BY 2.0 , via Wikimedia Commons

إعادة نشر نظام ثاد والمفاضلات الاستراتيجية: معادلة توازن في بيئة أمنية متقلبة

تعكس التقارير التي تتحدث عن احتمال إعادة نشر نظام الدفاع الصاروخي للارتفاعات العالية الطرفية (THAAD) من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط البيئة الأمنية المتزايدة التعقيد التي تدفع الولايات المتحدة في اتجاهات استراتيجية متعددة في آن واحد. وفي صلب هذا القرار يبرز الضغط المتزايد على قدرات الدفاع الصاروخي الأميركية في ظل تصاعد الصراعات في المنطقة، ولا سيما في إيران والدول الحليفة للولايات المتحدة. وبينما يُعد هذا القرار استراتيجياً بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإنه يثير القلق بالنسبة إلى شبه الجزيرة الكورية.

فهم نظام ثاد وأهميته الاستراتيجية

يُعد نظام ثاد نظاماً دفاعياً صاروخياً متطوراً للغاية، إذ يمتلك القدرة على التصدي للصواريخ الباليستية القصيرة والمتوسطة المدى في مرحلتها النهائية. وقد صُمم هذا النظام وصُنّع من قبل شركة لوكهيد مارتن. ويعتمد النظام على مبدأ «الاصطدام للتدمير» في القضاء على التهديدات الباليستية الواردة. كما يمتلك القدرة على تدمير هذه التهديدات حتى على ارتفاعات شاهقة، بل وحتى خارج الغلاف الجوي للأرض. وتكتسب هذه الخاصية أهمية خاصة في التعامل مع التهديدات الباليستية التي تحمل رؤوساً نووية.

ويجدر التنبيه إلى أن هناك نوعين من التهديدات: باليستية وغير باليستية. وقد صُمم نظام ثاد للتصدي للصواريخ الباليستية التي تسلك مساراً عالياً وتدخل الغلاف الجوي بسرعات كبيرة. وبعبارة أخرى، فإن هذا النظام غير مخصص للتعامل مع الأجسام بطيئة التحليق مثل صواريخ كروز والطائرات المسيّرة. ويمكن التعامل مع هذا النوع من التهديدات بواسطة أنظمة دفاعية أخرى.

ويتكون النظام القياسي لثاد من عدد من منصات الإطلاق المتحركة، وصواريخ الاعتراض، ونظام رادار متطور، من بينها رادار AN/TPY-2 الذي يُستخدم في الكشف المبكر عن التهديدات الباليستية. ويتطلب النظام بنية تشغيلية واسعة تشمل نحو 100 فرد، كما تبلغ كلفته نحو مليار دولار. ونظراً إلى العدد المحدود من بطاريات ثاد لدى الولايات المتحدة، فإن قرار نشرها يكتسب أهمية حاسمة.

التصعيد في الشرق الأوسط

فرضت الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط مطالب غير مسبوقة على قدرات الدفاع الصاروخي الأميركية. فقد شهدت الأعمال العدائية المستمرة بين إيران وإسرائيل والقوات الأميركية وابلاً متواصلاً من الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة المتبادلة بين الأطراف. وتشير تقارير إلى أن إيران تطلق مئات الصواريخ الباليستية، وقد جرى اعتراض معظمها بنجاح. ويختبر حجم هذه التهديدات الواردة قدرات الأنظمة الدفاعية القائمة.

وقد طُرح أن القوات الإيرانية تستعد لحرب طويلة الأمد، يكون التركيز فيها على الاستنزاف أكثر من التصعيد السريع. وقد يؤدي ذلك إلى استنزاف تدريجي لقدرات الدفاع الصاروخي. ونظراً إلى حجم التهديدات الإقليمية، فإن إعادة نشر أنظمة دفاع إضافية من طراز ثاد تبدو خطوة منطقية لضمان كفاية القدرات الدفاعية.

وتشير تقارير أيضاً إلى أن بعض معدات الرادار المرتبطة بأنظمة ثاد قد تعرضت للتضرر أو التدمير. غير أن هذه التقارير، كما أُشير، لا تزال صعبة التحقق. ومع ذلك، فإنها توضح مدى هشاشة الأنظمة الدفاعية داخل المناطق المتنازع عليها. وإذا ثبتت صحة هذه التقارير، فإنها ستعزز بدرجة أكبر الحاجة إلى إعادة تموضع أنظمة دفاعية إضافية.

شبه الجزيرة الكورية: معادلة أمنية جديدة

يثير سحب نظام ثاد وأجزاء من نظام الدفاع الصاروخي باتريوت من كوريا الجنوبية مجموعة من المخاوف الأمنية. ففي الآونة الأخيرة، شكّل النظامان معاً جوهر المنظومة الأمنية في المنطقة، إذ وفّرا الحماية في مواجهة القدرات المتنامية لكوريا الشمالية في مجال الصواريخ الباليستية.

ومن أبرز العوامل التي أُخذت في الحسبان عند نشر نظام ثاد في كوريا الجنوبية التهديد المستمر الذي يمثله البرنامج الصاروخي الكوري الشمالي. إذ تشير التقارير إلى أن كوريا الشمالية حققت تقدماً كبيراً في تطوير الصواريخ الباليستية القصيرة والمتوسطة والعابرة للقارات، مع امتلاكها القدرة على حمل رؤوس نووية. وفي هذا السياق، كان نشر نظام ثاد أمراً بالغ الأهمية، ليس فقط من حيث توفير المظلة الدفاعية، بل أيضاً من حيث ردع التهديد الكوري الشمالي من خلال تجسيد سياسة الردع الموسع التي تنتهجها الولايات المتحدة.

ولا يعني الغياب المؤقت لنظام ثاد أن كوريا الجنوبية أصبحت بلا دفاع، بل إنه يزيل طبقة مهمة واحدة من منظومة متعددة الأبعاد. فما زالت أنظمة أخرى، مثل بطاريات باتريوت والسفن البحرية المجهزة بنظام إيجيس، قادرة على توفير الدفاع ضد الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى على الارتفاعات المنخفضة والمتوسطة. غير أن غياب نظام ثاد يخلق فجوة في الدفاع الطرفي على الارتفاعات العالية ضد الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.

المفاضلات الاستراتيجية وقيود الموارد

ومع ذلك، فإن النقاش الدائر حول احتمالات إعادة النشر يسلط الضوء على واقع أكثر جوهرية، يتمثل في محدودية الموارد. فالولايات المتحدة لا تملك سوى عدد محدود من بطاريات ثاد. ومن هذا المنطلق، تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى النظر في أي الموارد سيكون لها أكبر قيمة استراتيجية.

ومن زاوية أكثر براغماتية، يمكن القول إنه من الناحية الاستراتيجية قد يُنظر إلى تعزيز الدفاعات في الشرق الأوسط بوصفه أمراً ملحاً في ضوء المستوى الحالي من الأعمال العدائية. لكن هناك أيضاً خطر إضعاف الدفاعات في شرق آسيا، بالنظر إلى أن التوترات في هذه المنطقة ظلت مرتفعة باستمرار. ومن ثم فإن المسألة تحكمها اعتبارات متعددة تتجاوز بكثير الحاجات الآنية المباشرة.

ويمكن القول أيضاً إن هذا القلق يكشف عن تقليل من حجم ومستوى النزاع في الشرق الأوسط. إذ يمكن المجادلة بأن توقع مثل هذا الواقع مسبقاً كان من شأنه أن يفضي إلى تموضع مسبق للموارد، بما يغني عن الحاجة إلى إعادة نشر الموارد القائمة بالفعل.

ديناميكيات التحالف والانعكاسات السياسية

وإلى جانب ذلك، هناك بُعد سياسي لهذه الخطوة المتعلقة بإعادة النشر. ففي كوريا الجنوبية، على سبيل المثال، قد يؤدي أي انطباع بوجود تراجع في الدعم الأميركي إلى إشعال نقاش داخلي. كما أن إظهار القادة السياسيين في كوريا الجنوبية معارضتهم لهذه الخطوة يشير إلى احتمال نشوء توتر في هذه العلاقة. وضمان حمايتهم سيتطلب موارد إضافية.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن الحفاظ على ثقة حلفائها يشكل جانباً مهماً من سياستها الخارجية. ومن المهم أن تضمن أن القرارات التي تتخذها بشأن توزيع الموارد لا تخلق انطباعاً بحدوث تغيير في أولوياتها تجاه هذه المنطقة، وذلك لتفادي أي توترات محتملة.

أما في الشرق الأوسط، فإن نشر أنظمة إضافية للدفاع الصاروخي في المنطقة سيكون مهماً لطمأنة الحلفاء الذين يمرون بظروف شديدة الصعوبة. وإلى جانب ذلك، سيكون من المهم إظهار الالتزام تجاه هذه المنطقة، رغم مساعي الولايات المتحدة إلى تحقيق التوازن في التزاماتها.

أما العامل التالي الذي ينبغي أخذه في الاعتبار فهو عنصر المخاطرة الملازم دائماً لمناطق النزاع. فأنظمة ثاد وباتريوت ليست بمنأى عن الهجمات، بل إنها تمثل أهدافاً محتملة بحد ذاتها.

وقد تكون التداعيات الناجمة عن تدمير هذه الأنظمة في منطقة نزاع كبيرة. كما أن استبدال هذه الأنظمة قد يستغرق وقتاً طويلاً. وهذا العامل بدوره قد يزيد من تعقيد عملية صنع القرار فيما يتعلق بتوزيع الموارد.

المراجع
1. Elich, Gregory. “The Fight Over THAAD in Korea.” Korea Policy Institute, 12 June 2024.[kpolicy] 2. “Terminal High Altitude Area Defense (THAAD) in South Korea.” US Department of Energy/OSTI, 2016.[osti] 3. “Hasty redeployment of US missiles from South Korea to Middle East leaves Seoul rattled.” The Guardian, 11 March 2026.[theguardian] 4. “Deployment of US anti missile system THAAD from South Korea to Middle East imminent – report.” Anadolu Agency, 10 March 2026.[aa.com] 5. “Tracking US military assets in the Iran war.” Atlantic Council, updated 19 March 2026.[atlanticcouncil] 6. “The Missile Age Has Arrived: What the Middle East Crucible Means for Air Defense Everywhere.” Norskluftvern, 27. February 2026.[norskluftvern]
First published in: World & New World Journal
Malik Muhammad Saeed Awan

Malik Muhammad Saeed Awan

مالك محمد سعيد عوان خريج العلاقات الدولية ويعمل حاليًا كمساعد باحث في هيئة الحماية الاجتماعية في السند.

Leave a Reply