New Zealand and Australia national flags flying side by side against blue sky background

تعدد الأزمات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ يتطلب تحالفاً أقوى بين أستراليا ونيوزيلندا (ANZAC)

في ظل تصاعد التحديات الإقليمية وتراجع فعالية الأنظمة متعددة الأطراف، يجب أن يتطور التحالف عبر بحر تاسمان من مجرد تقليد تاريخي إلى أداة استراتيجية متكاملة وموثوقة ومرنة قادرة على تعزيز الاستقرار الإقليمي.

في كل عام خلال يوم أنزاك (Anzac Day)، تحيي أستراليا ونيوزيلندا ذكرى تاريخ عسكري مشترك صيغ في خضم الحروب. ويصادف هذا العام أيضاً الذكرى الخامسة والسبعين لمعاهدة ANZUS، وهي الاتفاقية الثلاثية التي لا تزال تشكل الأساس للتحالف بين البلدين عبر بحر تاسمان.

اليوم يواجه هذا التحالف اختباراً استراتيجياً جديداً. فـ منطقة المحيطين الهندي والهادئ تدخل مرحلة من عدم الاستقرار المتداخل، حيث تتقاطع التغيرات المناخية والتنافس الاستراتيجي المتصاعد وتآكل النظام الدولي القائم على القواعد، وهو ما يعيد تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة. وفي هذا السياق، يجب أن يتحول التعاون بين أستراليا ونيوزيلندا إلى أداة استراتيجية متكاملة عن قصد، لأن التأخير في ذلك ينطوي على مخاطر متزايدة.

منطقة تحت الضغط

كما يشير الباحث روري ميدكالف، فإن منطقة المحيطين الهندي والهادئ هي في الوقت ذاته مكان وفكرة. فهي تمثل نظاماً بحرياً مترابطاً يمتد من المحيط الهندي إلى المحيط الهادئ، كما تمثل إطاراً استراتيجياً يضم محرك الاقتصاد العالمي ومركز الثقل للنمو العالمي. غير أن هذا الازدهار يعتمد على أسس باتت هشة بشكل متزايد.

هناك ثلاثة ضغوط رئيسية تتقاطع حالياً.

أولاً، التغير المناخي أصبح عاملاً مباشراً لعدم الاستقرار. ففي الجوار المباشر لأستراليا ونيوزيلندا، يعرّف قادة دول المحيط الهادئ التغير المناخي باستمرار على أنه أكبر تهديد أمني لهم. فارتفاع مستويات البحر والظواهر الجوية المتطرفة وضغوط الموارد الطبيعية تؤدي إلى إضعاف قدرة الحكومات على إدارة شؤونها وتزيد من قابلية هذه الدول للتأثر بالنفوذ الخارجي. إن الفشل في مواءمة السياسات الأمنية مع أولويات المناخ قد يؤدي إلى إبعاد الشركاء الإقليميين وفتح ثغرات يمكن للفاعلين المنافسين استغلالها.

ثانياً، اشتداد التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين. فالتحديث العسكري الصيني والدبلوماسية القائمة على الإكراه يعكسان رغبة بكين في تشكيل النظام الإقليمي بما يخدم مصالحها. وفي المقابل، أدت التقلبات السياسية في واشنطن إلى إدخال قدر من عدم اليقين في هياكل التحالف التي دعمت الاستقرار لعقود. وكما حذّر الباحث هيو وايت منذ فترة طويلة، لا يمكن لأستراليا أن تفترض استمرار الهيمنة الأمريكية إلى الأبد. ويظهر هذا التنافس في شكل تآكل تدريجي للتوازن العالمي الذي كان في السابق يصب في مصلحة أستراليا ونيوزيلندا.

ثالثاً، تراجع فعالية المؤسسات الدولية. فالشلل الذي أصاب منتديات متعددة الأطراف مثل مجلس الأمن الدولي ومنظمة التجارة العالمية قلّل من القدرة على التنبؤ بالنسبة للدول المتوسطة والصغيرة. وتشير الباحثة إيفلين غوه إلى أن الاستقرار لا يعتمد فقط على موازين القوة، بل أيضاً على التفاهمات المشتركة وضبط النفس بين الدول. وعندما تضعف الأنظمة العالمية التي تدعم هذه المعايير، يصبح الاستقرار أكثر اعتماداً على الشراكات الإقليمية الموثوقة، وهو ما يصفه بعض الباحثين بأنه “لحظة القوى المتوسطة”.

بالنسبة لأستراليا ونيوزيلندا، فإن هذه الضغوط ليست نظرية بل واقعية ومباشرة. فجنوب غرب المحيط الهادئ، الذي كان يُنظر إليه طويلاً كمنطقة مستقرة استراتيجياً، أصبح اليوم ساحة تنافس جيوسياسي. وقد أظهرت الأنشطة البحرية الصينية في بحر تاسمان مدى اقتراب تحركات القوى الكبرى من المياه الأسترالية والنيوزيلندية. وبذلك لم تعد الجغرافيا وحدها رادعاً كافياً كما كانت في السابق.

إعادة التفكير في الردع

لم تعد نماذج التحالف التقليدية القائمة على مبدأ “المركز والأذرع” مناسبة لتعقيدات البيئة الاستراتيجية الحالية. فالردع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ يجب أن يكون هندسياً ومتعدد الأبعاد بدلاً من أن يكون خطياً، أي شبكة من المبادئ والعلاقات المتداخلة التي تعزز بعضها البعض.

بالنسبة لأستراليا ونيوزيلندا، تقوم هذه الهندسة الاستراتيجية على ثلاث ركائز رئيسية.

أولاً، المنع الموزّع. فوجود قوات عسكرية متفرقة لكنها قابلة للتشغيل المشترك يعقّد حسابات الخصوم ويزيد تكلفة أي محاولة للإكراه. إن استراتيجية المنع التي تطورها أستراليا حالياً، إلى جانب الحضور المتقدم لنيوزيلندا في منطقة المحيط الهادئ، يمكن أن تكونا عنصرين متكاملين. غير أن هذا التكامل لا يحقق الردع إلا إذا كان مرئياً ومتكاملاً بوضوح. وكما يشير الباحث جون بلاكسلاند، فإن المصداقية تُبنى من خلال تنسيق واضح ومثبت عملياً، وليس عبر جهود متوازية تعمل كل منها بشكل منفصل.

ثانياً، الشرعية المؤسسية بوصفها رأس مال استراتيجياً. فالشرعية السياسية تمثل عنصراً مركزياً في عملية الردع، لأن شبكة كثيفة من الشراكات الإقليمية ترفع التكلفة الدبلوماسية لأي محاولة للإكراه. وفي هذا السياق، توفر علاقات ويلينغتون العميقة مع دول المحيط الهادئ وتركيزها على مفهوم الشراكة — بما في ذلك المبادئ المستمدة من معاهدة وايتانغي (Te Tiriti o Waitangi) — نقاط قوة مميزة يمكن أن تعزز الانخراط الإقليمي لكل من أستراليا ونيوزيلندا.

ثالثاً، دمج الاقتصاد بالأمن. ففي منطقة المحيطين الهندي والهادئ أصبحت التجارة والبنية التحتية والأمن البحري متشابكة بشكل وثيق مع الاستراتيجية الجيوسياسية. ولذلك يتعين على أستراليا ونيوزيلندا تطوير استراتيجيات إقليمية تراعي هذا الترابط بين الاقتصاد والأمن من أجل تعزيز المرونة الاستراتيجية والمصداقية السياسية.

ومع ذلك، فإن هذه الهندسة الاستراتيجية تحتاج إلى بنية مؤسسية داعمة. فبدون عمق مؤسسي حقيقي، يبقى التنسيق بين البلدين خطابياً أكثر منه عملياً.

خطر التراخي

تُعد العلاقة بين أستراليا ونيوزيلندا من أكثر العلاقات الدولية قرباً، حيث وصفها رئيسا الوزراء بأنها علاقة بين “أصدقاء وعائلة وحلفاء رسميين”. كما أن قابلية التشغيل المشترك بين القوات المسلحة على المستوى التكتيكي قوية، ويتميز التعاون الاستخباراتي بعمق كبير، بينما تشكل الروابط الثقافية بين المجتمعين شبكة كثيفة من العلاقات.

لكن، كما يشير الباحثان واليس وباولز، فإن هذا القرب الشديد قد يؤدي إلى التراخي والاطمئنان المفرط.

فالاختلال الاستراتيجي بين البلدين يتزايد. فميزانية الدفاع الأسترالية وتركيزها على القدرات القتالية، خاصة في إطار تحالف AUKUS، تتفوق بكثير على مسار تطوير القدرات الأكثر تواضعاً في نيوزيلندا. ورغم أن ويلينغتون أصبحت تميل بشكل متزايد إلى مواءمة خططها الدفاعية وعمليات الشراء العسكري مع كانبيرا، فإن الوثائق الاستراتيجية الأسترالية لا تعكس دائماً نفس المستوى من الاهتمام. كما أن اختلاف النظرة الجيوسياسية — حيث تركز أستراليا على الإطار الأوسع للمحيطين الهندي والهادئ بينما تميل نيوزيلندا إلى التركيز على منطقة المحيط الهادئ — قد يؤدي إلى تباين في إدراك التهديدات إذا لم يتم التنسيق المتعمد بين الطرفين.

كما يثير القلق ما يسميه بعض الممارسين “المنطقة الوسطى المجمدة”، أي الفجوة بين الخطاب السياسي رفيع المستوى وبين التكامل الفعلي على مستوى العمليات. فالألفة التكتيكية والدفء السياسي لا يمكن أن يحلا محل التخطيط العملياتي المشترك، وتكامل العمليات، وتنسيق الإجراءات، ومواءمة عمليات التسلح.

وفي أوقات الأزمات، قد يؤدي الغموض بشأن الأدوار والحدود والتوقعات المتبادلة إلى إبطاء العمل المشترك في اللحظة التي تكون فيها السرعة في اتخاذ القرار والتنفيذ أمراً حاسماً.

من المشاعر إلى البنية المؤسسية

إذا كان تعميق التكامل بين أستراليا ونيوزيلندا ضرورياً، فكيف ينبغي أن يبدو هذا التكامل؟

في قلب هذا التحول يجب أن يكون مفهوم عمليات أنزاك المشتركة (AJOC): إطار مشترك يوجّه كيفية تخطيط البلدين وعملياتهما وتكيفهما معاً عبر مختلف مجالات الأمن. ولا يعني ذلك إنشاء معاهدة جديدة أو جهاز بيروقراطي إضافي، بل نظاماً عملياً مرناً يعمل كـ نظام تشغيل مشترك ينسّق تخطيط الحملات العسكرية، وتطوير القدرات، والتشغيل الرقمي المتبادل، والتقييمات الاستراتيجية المشتركة.

سيكون AJOC بمثابة لوحة قيادة وبوصلة استراتيجية في آن واحد. فهو سيحدد الأهداف الاستراتيجية المشتركة، ويضع آليات تنسيق متفقاً عليها مسبقاً لمواجهة الأزمات، ويعمل على مواءمة جداول المشتريات الدفاعية وبرامج التدريب، كما يرسّخ آليات تقييم مشتركة تحول تبادل المعلومات الاستخباراتية إلى رؤية استراتيجية مشتركة للمستقبل. وبذلك يحول التكامل بين البلدين من مجرد تكامل وظيفي إلى تماسك استراتيجي حقيقي مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلالية القرار السيادي لكل دولة.

لكن التكامل العملياتي يجب أن يقابله أيضاً هيكل سياسي مؤسسي. فمن جهة، ينبغي لأستراليا مواءمة أدوات قوتها الوطنية ضمن استراتيجية أمن قومي واضحة، بينما ينبغي لنيوزيلندا أن تربط تخطيط قدراتها الدفاعية بشكل أكثر وضوحاً باستراتيجية عسكرية وطنية. كما أن إجراء مراجعة استراتيجية ثنائية كل عامين يمكن أن يرسّخ القدرة على التكيف المؤسسي. ويمكن أيضاً إنشاء مجلس أمن دائم عبر بحر تاسمان (استناداً إلى آلية ANZMIN) لضمان الاستمرارية في السياسات الأمنية بغض النظر عن التغيرات السياسية أو الدورات الانتخابية.

ومن الضروري أن يكون هذا التكامل الأعمق مرتبطاً بشرعية إقليمية في المحيط الهادئ. فإطلاق استراتيجية مشتركة بين أستراليا ونيوزيلندا لمنطقة المحيط الهادئ، متوافقة مع أولويات دول المنطقة، سيبعث برسالة واضحة مفادها أن التنسيق عبر بحر تاسمان يعزز صوت دول المحيط الهادئ ولا يهمشه.

لحظة فرصة

التحالفات ليست إرثاً ثابتاً؛ إنها أدوات إما أن تتطور أو تضعف مع الزمن. وبعد خمسة وسبعين عاماً من معاهدة ANZUS، تواجه أستراليا ونيوزيلندا بيئة استراتيجية مختلفة تماماً. فالتحديات الأمنية أصبحت أكثر تعقيداً، وتتصاعد في ظل تآكل أنظمة المرونة الدولية وتراجع فعالية التعددية. وفي مثل هذا السياق، تكتسب الشراكات الإقليمية أهمية متزايدة.

ويقف التحالف عبر بحر تاسمان اليوم عند لحظة فرصة استراتيجية. فمع إصلاحات مؤسسية مدروسة، ومواءمة أوضح في الرؤية الاستراتيجية، وإطار عمليات مشترك، يمكن أن يصبح هذا التحالف أحد أهم ركائز القوى المتوسطة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ: تحالفاً يتمتع بشرعية إقليمية، وتماسك عملياتي، ومرونة استراتيجية.

في ظل تعدد الأزمات العالمية (Polycrisis)، يصبح الجمود مكلفاً. أما التكامل المتعمد والهادف فيوفر نفوذاً استراتيجياً. إن تحالف أنزاك الأقوى ليس فقط ممكناً، بل هو أيضاً ضرورة في هذا التوقيت، لأنه يمثل استثماراً في استقرار المنطقة يعكس المصالح المشتركة والقيم المشتركة والمستقبل المشترك.

ملاحظات وهوامش
This article is published under a Creative Commons License and may be republished with attribution.
First published in: Australian Institute of International Affairs Original Source
Daniel Garnett

Daniel Garnett

يحمل دانيال غارنيت شهادة الماجستير في الأمن الدولي من جامعة ماسي. وهو عضو سابق في مجلس إدارة معهد نيوزيلندا للشؤون الدولية في بالمرستون نورث، وعضو حالي في قوات الدفاع النيوزيلندية. ويشارك حاليًا في برنامج تبادل مع سلاح الجو الملكي الأسترالي في كانبرا.

Leave a Reply