SCO Summit 2025 smiles and handshakes start 2025 SCO Summit Tianjin Meijiang International Convention and Exhibition Center

قمة منظمة شنغهاي للتعاون ٢٠٢٥: وهم الابتسامات والمصافحات

المقدمة
تُعدّ منظمة شنغهاي للتعاون منظمةً حكومية دولية ذات نفوذ صيني واضح وتمتد عبر فضاء أوراسي واسع، وغالبًا ما تُصنَّف ضمن أكبر المنظمات الإقليمية في العالم، وقد حظيت بجاذبية متزايدة وتعزيز لرسالتها، خاصة في جغرافيا السياسة العالمية في القرن الحادي والعشرين. ومنذ تأسيسها عام ٢٠٠١، عملت المنظمة على ثلاثة أهداف رئيسية تتمثل في تعزيز الاستقرار الإقليمي عبر مكافحة الإرهاب والتطرف والنزعات الانفصالية، وتوسيع التعاون متعدد الأطراف في مجالات السياسة والتجارة والاقتصاد والثقافة، والدفع نحو نظام دولي متعدد الأقطاب. وقد كشفت قمة المنظمة لعام ٢٠٢٥ عن أبعاد إضافية لهذه الديناميات؛ إذ أُقيمت في مقاطعة تيانجين بالصين بوصفها حدثًا دبلوماسيًا لافتًا جمع بين أصدقاء وخصوم داخل إطار واحد، ومن خلال لقاءات مكثفة واستعراضات بروتوكولية حملت القمة رسالة ضمنية إلى المعسكر الغربي مفادها أن “قبول الواقع” هو مفتاح النجاح في البنية الدولية الراهنة، وبينما بدا المشهد على المنصة وكأنه يعرض عالمًا متعدد الأقطاب موحدًا، فإن الخلافات الداخلية بين الدول الأعضاء تكشف أن الصورة قد تكون أقرب إلى وهم بصري تخفيه الكاميرات.

قمة تيانجين: إشارات استراتيجية إلى الغرب
اختار الحزب الشيوعي الصيني مدينة تيانجين لاستضافة القمة لأسباب ترتبط بالرمزية والموقع والاقتصاد، إذ تحمل المدينة خلفية تاريخية مرتبطة بفترات نفوذ أوروبي، ما يتيح للصين إيصال إشارة مفادها أنها باتت الطرف الأقوى حين تعقد قمة كبرى في المكان ذاته، كما أن قرب تيانجين من بكين وكونها مدينة مرفئية يجعلها واجهة تُبرز القوة الاقتصادية للصين، فضلًا عن أنها تُعد مركزًا صناعيًا وتقنيًا يعكس طموح بكين في تقديم نفسها بوصفها دولة تتقدم برؤية “تنمية سلمية” وقدرة إنتاجية متقدمة، إضافة إلى كونها محطة مهمة ضمن مشروع “الحزام والطريق” بما يعزز سردية الصعود الاقتصادي الصيني ودوره المتنامي على الساحة الدولية. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن اختيار تيانجين ساعد الصين على إبراز تفوقها الاقتصادي أمام الغرب، فإن هذا الاختيار قد يُقرأ داخل المنظمة بوصفه تعبيرًا عن تمحور حول الصين، ما قد يخلق لدى بعض الدول الأعضاء شعورًا بأن القمة أقرب إلى ترويج “العلامة الصينية” منها إلى إحساس بالملكية المشتركة والقرار الجماعي.

أهمية القمة
تجعل الديناميات الجيوسياسية الراهنة قمة منظمة شنغهاي للتعاون لعام ٢٠٢٥ حدثًا فريدًا؛ فقد شهد هذا العام عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وهو ما غيّر بسرعة التوازنات السياسية والاقتصادية على الساحة الدولية، في وقت ما تزال فيه حرب روسيا وأوكرانيا مستمرة، ورغم محاولات إدارة ترامب الدفع نحو تسوية ما، فإن تلك الجهود لم تنجح في إنهاء الحرب، بينما كانت إدارة بايدن السابقة مع الحلفاء الأوروبيين قد جمّدت أصولًا روسية. وإلى جانب ذلك زادت توترات إسرائيل وغزة من اشتعال المشهد، وشهد العام نفسه مساعي مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لمنع إيران من امتلاك قدرات نووية عبر وسائل عسكرية، مع تشديد إسرائيل قبضتها على ما يُسمّى بمحور المقاومة، كما عادت أيضًا إلى الواجهة مواجهة عسكرية بين باكستان والهند في ٢٠٢٥ مع دعم صيني كبير لباكستان. وفي ظل هذا التدهور الواسع، خاصة في الشرق الأوسط، جاءت قمة ٢٠٢٥ لتجمع عددًا كبيرًا من دول العالم على منصة واحدة تحت شعار أن التعددية القطبية هي الحل للأزمات المتصاعدة في النظام الدولي، لكن رغم ثقل السياق، لم تُفضِ القمة إلى تطور جديد ملموس؛ إذ بقيت المبادرات المطروحة في حدود التصريحات العامة، لأن آلية اتخاذ القرار القائمة على الإجماع تخلق عوائق كبيرة أمام الوصول إلى نتائج عملية، كما أن تباين مصالح الدول الأعضاء القادمة من مناطق وتكتلات مختلفة يصنع حالة من الارتباك تنتهي غالبًا بلا قرارات محددة يمكن البناء عليها.

اقتصادات ميتة: ردّ على ترامب
بعد التوترات الأخيرة بين الولايات المتحدة والهند بسبب قضية الرسوم الجمركية، وصف الرئيس دونالد ترامب كلاً من روسيا والهند بأنهما “اقتصادان ميتان”، وهاجم القوى الشرقية على نطاق أوسع قائلًا إن اقتصاداتها ستكون في وضع قاتل من دون مساعدة الولايات المتحدة. لكن هذه المزاعم القوية تلقّت ضربة رمزية عبر حضور ٢٦ قائدًا عالميًا قمة منظمة شنغهاي للتعاون لعام ٢٠٢٥، حيث اجتمعت دول ذات توجهات متعارضة تحت مظلة المنظمة بهدف تعزيز التعاون الإقليمي والدولي، وهو ما قوض سردية أن الصين وروسيا والهند دول معزولة يتجاهلها الغرب، بل بدا المشهد وكأن “الثلاثي” الإقليمي الكبير يعمّق تنسيقه ويعزز علاقاته أكثر. ومع ذلك يمكن القول إن هذا “الرد الجماعي” على الغرب قد يكون في جانب منه عرضًا على المسرح؛ فالمنظمة نفسها محاطة بتنافسات داخلية وخلافات في الرؤى بشأن إدارة النظام الدولي، وتبرز مخاوف دول آسيا الوسطى مثالًا واضحًا على ذلك حين ترى أن المنظمة تتجه لتصبح منصة متمركزة حول الصين بدل أن تكون ساحة متعددة الأصوات، كما تزيد قضايا مثل “دبلوماسية فخ الديون” والملف الإيغوري من الانقسامات. وإلى جانب ذلك يبقى التنافس الاستراتيجي بين الهند والصين، وارتباط نيودلهي القوي بالغرب عبر أطر مثل “الحوار الأمني الرباعي”، ثغرة دائمة في تماسك المنظمة. وفي النهاية يدرك الأعضاء أن العالم يتجه نحو التعددية القطبية، لكنهم في الوقت نفسه يدركون أن هيمنة الولايات المتحدة ونفوذها في الساحة الدولية لا يمكن تجاهلهما.

مشاركة الأمين العام للأمم المتحدة
إن مشاركة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في اجتماع منظمة شنغهاي للتعاون في هذا التوقيت تضيف وزنًا أكبر لفكرة أن النظام الدولي يتجه نحو تعددية قطبية. وتكتسب الزيارة أهمية خاصة لأن سياسات ترامب وخياراته المؤيدة لإسرائيل—بحسب هذا الطرح—أضعفت ثقة الحلفاء التقليديين، لا سيما داخل الأمم المتحدة وبين الشركاء الأوروبيين. ومن خلال حضوره القمة، بدا غوتيريش وكأنه يبعث برسالة إيجابية مفادها أن نظامًا دوليًا جديدًا تقوده الصين قد يكون قادرًا على تقديم حلول عملية لقضايا السلم والأمن إقليميًا وعالميًا، وقد أبدى شي جين بينغ من جهته استعدادًا للعمل مع الأمم المتحدة. لكن هذا كله قد يبقى في نطاق الرمزية أكثر من كونه تحولًا فعليًا، لأن منظمة شنغهاي للتعاون—حتى الآن—لا تملك مستوى المؤسسية الذي تملكه الأمم المتحدة أو حلف ناتو أو الاتحاد الأوروبي؛ فبنيتها التنظيمية محدودة، وآلية الإجماع تعرقل اتخاذ قرارات حاسمة، ولا توجد سلطة فوق وطنية، ولا برلمان دائم، ولا محكمة، وغيرها من الأدوات التي تمنح التكتلات الغربية قدرة أعلى على الفعل. لذلك، ورغم أن مشاركة الأمين العام كانت ذات دلالة كبيرة، فإن الأثر الحقيقي يتطلب أن تتجاوز المشاركة حدود التصريحات العامة والإشارات الرمزية إلى خطوات عملية وآليات تعاون واضحة.

حين يلتقي الشرق بالغرب: حضور دول من حلف ناتو في قمة منظمة شنغهاي
شاركت تركيا، وهي دولة بارزة في حلف ناتو، في قمة منظمة شنغهاي للتعاون لعام ٢٠٢٥، وهو حضور يحمل دلالات خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية الأخيرة؛ إذ تعززت مكانة تركيا إقليميًا بفعل أدوارها المتزايدة في ملفات المنطقة، من تأثيرها في سورية بعد الأسد إلى استمرار دعمها لغزة، كما أن توتر علاقاتها مع إسرائيل زاد من حدة الاستقطاب، فضلًا عن أن دورها في مواجهة الهند وباكستان في مايو ٢٠٢٥—بحسب هذا الطرح—جعلها أقرب إلى باكستان إلى جانب الصين، ويُفهم حضور الرئيس رجب طيب أردوغان على أنه رسالة إلى الغرب بأن الدول تمتلك خيارات متعددة وليست رهينة مسار واحد. ولم تكن تركيا وحدها؛ فقد حضر أيضًا رئيس وزراء سلوفاكيا، مع التنبيه إلى أن سلوفاكيا عضو في كلٍّ من حلف ناتو والاتحاد الأوروبي، وأن روبرت فيتسو يُقدَّم بوصفه صاحب توجه أقرب إلى روسيا مع خطاب يميل إلى “الحياد” في السياسة الخارجية، كما أن حكومته لا تؤيد مقترح ترامب رفع إنفاق الدفاع داخل الحلف إلى ٥٪، إضافة إلى اتساع الخلافات الأيديولوجية مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وخلال لقاء جانبي في القمة أشاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسياسات فيتسو وعبّر عن امتنانه لما اعتبره “سياسة خارجية مستقلة” وعدم الانخراط في موجة عداء واسعة ضد روسيا داخل أوروبا، محذرًا من محاولات بث الخوف بشأن “خطة روسية مزعومة” لمهاجمة أوروبا. وإلى جانب ذلك، شاركت دول تُعد حليفة للولايات المتحدة لكنها ليست ضمن حلف ناتو، مثل أذربيجان وأرمينيا؛ مع الإشارة إلى أن أرمينيا مرتبطة بمنظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة روسيا، وأن الحديث عن تسوية حديثة بوساطة إدارة ترامب بين أذربيجان وأرمينيا حول ناغورنو كاراباخ يُقدَّم بوصفه عاملًا يقلص النفوذ الروسي هناك، ما يجعل حضور الطرفين في القمة إشارة إلى أن المعسكر الشرقي، ولا سيما الصين، لا يمكن تجاهله. ومن هنا يبدو وكأن هناك تصدعًا داخل الكتل الغربية مثل حلف ناتو والاتحاد الأوروبي، وأن منظمة شنغهاي للتعاون قد تحاول استقطاب بعض الأطراف الغربية المختلفة، لكن الصورة ليست باتجاه واحد؛ فتركيا، رغم اهتمامها بالمبادرات الشرقية، لم تحصل على عضوية دائمة وما زالت ضمن صفة مراقب، ويُعزى ذلك إلى كونها عضوًا أساسيًا في حلف ناتو منذ زمن طويل، ما يجعل قبولها عضوًا كاملًا خطوة حساسة بالنسبة للصين وروسيا. وفي المحصلة، تحاول تركيا موازنة علاقتها بين الشرق والغرب: لا تستطيع تجاهل النفوذ الغربي، وفي الوقت نفسه لا ترغب في الابتعاد عن عالم يتجه نحو تعددية قطبية. وينطبق منطق قريب على بعض دول الاتحاد الأوروبي مثل المجر وسلوفاكيا؛ فوجود خلافات مع بروكسل لا يعني بالضرورة أنها ستغير معسكرها بالكامل، خاصة أنها داخل الاتحاد تتمتع بهامش حركة أكبر بكثير مما قد تحظى به لو دخلت فضاء “الشرق” حيث سيكون وزنها السياسي أقل.

التقارب الصيني الهندي
شكّلت مشاركة رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي في قمة منظمة شنغهاي للتعاون لعام ٢٠٢٥ بعد غياب دام خمس سنوات تحوّلًا سريعًا لافتًا؛ فالهند برزت خلال الأعوام الأخيرة حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بل جرى تقديمها بوصفها “مزوّد الأمن الصافي” في الإقليم، لكن الخلاف الأخير بين إدارة ترامب والهند بشأن الرسوم الجمركية، إلى جانب تصريحات ترامب المؤيدة لباكستان، خلق فجوة سياسية بين الحليفين. ومن ثمّ، فإن حضور مودي القمة يبعث برسالة واضحة إلى واشنطن مفادها أن للهند سياسة خارجية مستقلة، وأن البدائل متاحة، وأن “المعسكر الشرقي” مستعد للتعاون معها إذا توترت العلاقة مع الولايات المتحدة. وفي القمة ظهر ذلك رمزيًا عبر الترحيب الحار الذي تلقاه مودي من شي جين بينغ وفلاديمير بوتين، بما يوحي برسالة إضافية للولايات المتحدة بأن جهودها في صراع المحيطين الهندي والهادئ ضد الصين يمكن تحييدها أو إضعافها. وقال شي في لقائه مع مودي عبارة لافتة: «دع التنين والفيل يرقصان معًا»، غير أن هذه العبارة تبدو أقرب إلى إشارة رمزية منها إلى وصف واقعي لعلاقة مستقرة؛ فالتوترات البنيوية بين البلدين لا يمكن تجاهلها، إذ تواصل الصين تعزيز قدراتها العسكرية وتوسيع بنيتها الدفاعية في مناطق قريبة من المجال الحيوي للهند، كما تستمر الخلافات الحدودية بين الطرفين، ما يجعل التفكير الاستراتيجي الهندي غير قادر على المساومة على الأمن لصالح مجاملات دبلوماسية مع بكين. ومن هذه الزاوية يبقى الشريك الأهم للهند على المدى البعيد في فضاء المحيطين الهندي والهادئ هو الولايات المتحدة، ولذلك فإن “رقصة التنين والفيل” لن تتحول إلى واقع إلا إذا عولجت الجروح التاريخية، ومأزق الأمن المتبادل، وصورة كل طرف في وعي الرأي العام لدى الطرف الآخر.

القيود المؤسسية لمنظمة شنغهاي للتعاون

812 Image01

فشل السياسة الخارجية الأميركية
منذ اليوم الأول لولايته الثانية، حاول الرئيس دونالد ترامب شقّ إسفين بين الصين وروسيا عبر مقاربة تقوم على استمالة موسكو مقابل التصعيد مع بكين. وخلال حملته الانتخابية روّج ترامب لنبرة ودّية تجاه فلاديمير بوتين، وصرّح أكثر من مرة بأنه قادر على إنهاء حرب أوكرانيا خلال ٢٤ ساعة—وهو وعد تراجع عنه لاحقًا باعتباره “سخرية” أو مبالغة سياسية—كما كرر أن روسيا قوة كبرى وأن واشنطن لا تريد توتير العلاقات معها. وفي الوقت نفسه فتح ترامب جبهة صدام اقتصادي مع الصين عبر حرب الرسوم الجمركية، ساعيًا إلى كسب “بطاقة روسيا” بينما يضغط على بكين. هذه الفكرة تذكّر بما عُرف تاريخيًا بـ«الدبلوماسية المثلثة» في عهد نيكسون وكيسنجر، عندما استُغلت المنافسة الصينية السوفييتية لتحسين موقع الولايات المتحدة. لكن البيئة الجيوسياسية اليوم مختلفة؛ فالمصالح المشتركة بين موسكو وبكين أعمق بكثير مما كانت عليه في السبعينيات، ما يجعل النسخة “النيكسونية” أقل قابلية للنجاح كما يصوّر هذا الطرح.

وفي سياق تطبيق هذه المقاربة، يبدو أن إدارة ترامب خسرت جزءًا من ثقة حلفاء تاريخيين، سواء في أوروبا أو لدى الهند، نتيجة سياسات متقلبة ورسائل متعارضة، ومع ذلك لا يمكن التقليل من ثقل الولايات المتحدة الاستراتيجي؛ فهي ما تزال لاعبًا مهيمنًا في مجالات التجارة والأمن والتكنولوجيا. وحتى مع صعود التعددية القطبية وتزايد محاولات تنويع الشراكات، يبقى الدولار مكوّنًا مركزيًا في النظام المالي العالمي: فبيانات صندوق النقد الدولي تُظهر أن الدولار ما يزال يمثل الحصة الأكبر من احتياطات النقد الأجنبي المُعلنة عالميًا (نحو ٥٨٪ في الربع الأول/الثاني من ٢٠٢٥ حسب سلسلة بيانات «تركيب احتياطات النقد الأجنبي»)، كما تؤكد دراسة حديثة للاحتياطي الفدرالي أن الدولار يظل العملة الاحتياطية المهيمنة رغم تراجع حصته مقارنة بذروة سابقة.

التعاون والحذر داخل منظمة شنغهاي للتعاون
تبدو الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون عالقة بين منطق الموازنة ومنطق التحوّط؛ فهي لا تحاول فقط موازنة علاقاتها بين الشرق والغرب، بل تسعى أيضًا إلى موازنة النفوذ داخل “الشرق” نفسه بين الصين وروسيا. فدول آسيا الوسطى لا تستطيع تجاهل روسيا القريبة جغرافيًا والراسخة تاريخيًا في محيطها، وفي الوقت نفسه تريد الاستفادة من الاستثمارات الصينية، لكنها تحاول تجنّب الوقوع في اعتماد مفرط على بكين. ثم تأتي حالة إيران، التي تميل إلى نشاط أكبر داخل المبادرات الدبلوماسية والأمنية الشرقية، إذ دفعتها العقوبات الغربية والعزلة إلى الاقتراب من هذا الفضاء، لكن القيود الاقتصادية تضعف قدرتها على التأثير الحقيقي في صناعة القرار داخل المنظمة. ويبقى ثنائي باكستان والهند عاملًا إضافيًا للتعقيد؛ فكل طرف يحاول تحسين صورته عبر تقديم نفسه داخل الإطار الشرقي بصورة مختلفة: باكستان توظف حضورها في المنظمة لتعزيز مكانتها الإقليمية، غير أن هشاشة اقتصادها تظل عائقًا دائمًا، بينما تتحرك الهند ذهابًا وإيابًا بين شراكة استراتيجية وثيقة مع الغرب، خاصة الولايات المتحدة، وبين حرص على عدم قطع الصلة بروسيا تمامًا. والنتيجة صورة متصدعة: طبقة خارجية تبدو متماسكة وصلبة، لكن ما تحتها أكثر ليونة وقابل للانكسار عند أول صدمة كبيرة.

الخلاصة
تحولت قمة منظمة شنغهاي للتعاون لعام ٢٠٢٥ إلى محطة بارزة ظهر فيها الأصدقاء والخصوم تحت راية واحدة، ويمكن النظر إليها بوصفها استعراضًا للقوة السياسية، إذ أوصلت الصين وروسيا رسالة واضحة إلى الغرب مفادها أن السلوك “الرأسمالي” بوصفه الخيار الوحيد لم يعد صالحًا للجميع. فالعالم—وفق هذا التصور—يتجه نحو تعددية قطبية تتيح للدول بدائل متعددة للتعاون والشراكة. لكن في المقابل، ظل مسرح المنظمة محاطًا بتناقضات داخلية وبنية متصدعة وسياسات تحوّط جيوسياسي بين أعضائها، وهو ما يجعل الاستنتاج الأقرب أن منظمة شنغهاي للتعاون ما تزال منصة رمزية أكثر من كونها تكتلًا متماسكًا؛ إذ تغيب عنها حتى الآن درجات عالية من الانسجام والاتساق، ولا يبقى في الواجهة سوى “وهم” الصور التذكارية والابتسامات والمصافحات.

2
المراجع
Calderonio, Vincenzo. 2025. “A Basis for Human Responsibility in Artificial Intelligence Computation.” ArXiv, 1–14. http://arxiv.org/abs/2501.12498. Clary, Christopher. 2025. “Four Days in May: The India-Pakistan Crisis of 2025 • Stimson Center.” Stimson Center. 2025. https://www.stimson.org/2025/four-days-in-may-the-india-pakistan-crisis-of-2025/. Fisayo, Jeremiah. 2025. “China’s Support for Multilateralism Is Essential, Says UN Chief Antonio Guterres at Key Summit.” Euro News. 2025. https://www.euronews.com/2025/08/30/chinas-support-for-multilateralism-is-essential-says-uns-antonio-guterres-at-key-summit. Hagstrom, Anders. 2023. “Trump Describes How He Could Solve Russia-Ukraine Conflict in 24 Hours.” Fox News. 2023. https://www.foxnews.com/politics/trump-describes-how-he-could-solve-russia-ukraine-conflict-24-hours?msockid=3238bbf1abda66eb085dadedaada6754. Hassan, Abid, and Syed Hammad Ali. 2025. “Evolving US Indo-Pacific Posture and Strategic Competition with China.” Policy Perspectives 22 (1). https://doi.org/10.13169/polipers.22.1.ra4. Jonathan Swan, Maggie Haberman & Charlie Savage. 2023. “How Trump Plans to Wield Power in 2025: What We Know - The New York Times.” New York Times. 2023. https://www.nytimes.com/article/trump-2025-second-term.html. Kay, John Reed & Chris. 2025. “Donald Trump Slams India and Russia as ‘Dead Economies’ after Tariff Stand-Off.” 2025. https://www.ft.com/content/390be64a-1527-4f71-a322-59af41133914. Reuters. 2025. “Slovak Prime Minister Fico to Meet Xi, Putin, Zelenskiy This Week.” Reuters. 2025. https://www.reuters.com/world/china/slovak-prime-minister-fico-meet-xi-putin-zelenskiy-this-week-2025-09-01/. SCO. 2025. “General Information | External Communication | The Shanghai Cooperation Organisation.” Accessed September 6, 2025. https://eng.sectsco.org/20170109/192193.html. Simone McCarthy, Nectar Gan & Rhea Mogul. 2025. “India’s Modi Meets Xi on His First China Trip in Seven Years as Trump’s Tariffs Bite.” CNN. 2025. https://edition.cnn.com/2025/08/31/china/india-china-xi-modi-meeting-intl-hnk. Wright, Mark Antonio. 2025. “Why a ‘Reverse Nixon’ Strategy Won’t Split Xi and Putin.” National Review. 2025. https://www.nationalreview.com/corner/the-prospects-of-a-reverse-nixon-to-split-russia-and-china-grow-dimmer/. Xinhua. 2025. “Xi Meets Turkish President.” Xinhua News. 2025. https://english.www.gov.cn/news/202508/31/content_WS68b44ea4c6d0868f4e8f5365.html. Yerevan. 2025. “Armenia Intends to Join SCO in Line with Its Balanced Policy - Pashinyan.” Arka News Agency. 2025. https://arka.am/en/news/politics/armenia-intends-to-join-sco-in-line-with-its-balanced-policy-pashinyan/.
First published in: World & New World Journal
Hammad Gillani

Hammad Gillani

حماد جيلاني باحث مشارك، وباحث شاب، وكاتب منشور في إسلام آباد، باكستان. تكمن خبرتي في مجال التنافس بين القوى العظمى، والدبلوماسية، وحل النزاعات ما بعد الصراع. قدمتُ في ورقتي البحثية، بعنوان "تطور موقف الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ والمنافسة الاستراتيجية مع الصين"، تحليلاً شاملاً لاستراتيجية الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ لعام 2022. يمكنكم الاطلاع على أعمالي عبر الرابط التالي: تطور موقف الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ والمنافسة الاستراتيجية مع الصين - Science Open

Leave a Reply