Flags of US, Israel and Iran painted on cracked wall

التداعيات الجيوسياسية للحرب على إيران

منذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران — والذي أُطلق عليه اسم “عملية الغضب الملحمي” من الجانب الأمريكي و“الأسد الهادر” من الجانب الإسرائيلي — أصبح طابع هذه الحملة واضحاً. فهي تمثل حملة قصف واسعة النطاق تهدف إلى تفكيك الدولة الإيرانية بشكل منهجي وإخضاع كامل المجتمع. ويبدو أن الولايات المتحدة، في ظل إدارة ترامب، قد دخلت حرباً لا تستطيع التنبؤ بنتائجها ولا التحكم بها بالكامل. ورغم أن سلوكها يبدو في بعض جوانبه غير عقلاني، فإن هذا “اللا عقلانية” تستند في الواقع إلى عقود من التدخلات والسياسات العدوانية في الشرق الأوسط، وخاصة تجاه إيران.

وقد أشار الجنرال الأمريكي ويسلي كلارك إلى مذكرة من البنتاغون عام 2001 تضمنت خطة لاستهداف سبع دول خلال خمس سنوات، تنتهي بإيران. وأرجع كلارك هذه الخطط إلى نفوذ المحافظين الجدد داخل إدارة جورج بوش الابن، ولا سيما مشروع “القرن الأمريكي الجديد” (PNAC)، وهو مركز أبحاث تأسس عام 1997، وشغل العديد من أعضائه مناصب مؤثرة في الإدارة الأمريكية بعد عام 2000. وعند النظر إلى مسار السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط منذ بداية هذا القرن، فإن الهجوم الحالي لا ينبغي اعتباره مفاجئاً، بل هو امتداد لمشروع طويل الأمد يهدف إلى فرض الهيمنة الأمريكية الكاملة على المناطق الغنية بالطاقة في الشرق الأوسط، وهو مشروع لا يرتبط فقط بشخص دونالد ترامب، بل يتجاوز ذلك إلى توجه استراتيجي مستمر.

كما أن التدخلات الغربية في إيران ليست جديدة، بل تمتد إلى عقود سابقة. فقد شهدت إيران في الخمسينيات حكومة ديمقراطية علمانية بقيادة رئيس الوزراء محمد مصدق، الذي قام بتأميم شركة النفط الأنجلو-إيرانية عام 1951 بهدف تعزيز السيادة الوطنية وتحسين رفاه الشعب. غير أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) وجهاز الاستخبارات البريطاني (MI6) قاما في عام 1953 بتنظيم انقلاب أطاح بمصدق، وأعاد تثبيت الشاه محمد رضا بهلوي كحاكم مطلق، مما أدى إلى تحويل البلاد نحو الحكم السلطوي وضمان استمرار وصول الغرب إلى النفط الإيراني.

وبعد أكثر من عقدين، أطاحت ثورة شعبية واسعة عام 1979 بنظام الشاه، لكن جماعة إسلامية بقيادة آية الله الخميني استولت على السلطة، وتمت تصفية قادة الفصائل المعارضة الأخرى، لتتحول إيران إلى جمهورية إسلامية في العام نفسه.

وقد لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في كثير من مظاهر العنف الاستثنائي التي شهدها الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين. فالهجوم الاستباقي الذي شنه ترامب على إيران جاء بعد سلسلة من التدخلات السابقة، من بينها غزو العراق عام 2003 في عهد جورج بوش، والعمليات العسكرية في أفغانستان وباكستان خلال إدارة أوباما. وبغض النظر عن الحزب الحاكم، سواء كان ديمقراطياً أو جمهورياً، فإن هناك استمرارية واضحة في اعتماد الولايات المتحدة على الضربات عن بُعد والقتل المستهدف كجزء من سياسة خارجية تُقدَّم على أنها “أخلاقية”، وتسعى — بحسب الخطاب الرسمي — إلى “نشر الديمقراطية” في مناطق تُوصَف بأنها متخلفة أو غير متحضرة من خلال التدخل العسكري.

يتطلب البناء الاجتماعي لأي حرب عملية “تشييء الآخر” أو تصويره كعدو مطلق. ففي عام 2001، وعندما خاطب الرئيس جورج بوش الأمة، وصف منفذي الهجمات بأنهم “أشرار” و“أعداء الحرية” و“أعداء بلا وجه للكرامة الإنسانية”، في مقابل تصوير الولايات المتحدة على أنها “ألمع منارة للحرية والفرص” التي “ستعمل دائماً وتضحي من أجل توسيع نطاق الحرية” (Hamourtziadou, 2020، ص 28). كما تم توظيف أنماط استشراقية قديمة عند إطلاق “الحرب على الإرهاب” لخدمة أهداف إمبراطورية، ضمن إطار “صدام الحضارات”، وهو ما يتكرر اليوم في الخطاب تجاه إيران. مرة أخرى، يتم تصوير الصراع على أنه بين حضارتين: واحدة تدّعي الدفاع عن الديمقراطية والحرية والتسامح والعدالة والمساواة، وأخرى تُصوَّر كرمز للتعصب والقمع والطغيان والديكتاتورية. ومرة أخرى، يُقدَّم ذلك كفرصة للولايات المتحدة لتصدير ثقافتها وأفكارها وقيمها المزعومة إلى العالم. وقد وُصفت تلك المرحلة بأنها “فرصة هائلة” لواشنطن لعرض قيمها الوطنية باعتبارها قيماً عالمية وفرضها بالقوة (Fouskas and Gokay, 2005، ص 126).

إن انتقاد ترامب للنظام الإيراني عام 2026 ووصفه بأنه “من بين الأسوأ على وجه الأرض” يعكس خطاباً مشابهاً لما جاء في كلمة لورا بوش الإذاعية في 18 نوفمبر 2001، التي دعت إلى إدانة طالبان، حيث قالت إن النساء الأفغانيات “يعرفن من خلال التجربة القاسية ما بدأ العالم يكتشفه الآن: أن القمع الوحشي للنساء هدف مركزي للإرهابيين، وأن الشعوب المتحضرة في العالم تعبّر عن صدمتها”.

كما أن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وأفراد من عائلته لم يكن مفاجئاً لمن يتذكر عملية قتل أسامة بن لادن عام 2011 بأمر من الرئيس أوباما. وفي هجمات أخرى داخل إيران، قُتل 165 طفلاً وموظفاً عندما قُصفت مدرسة ابتدائية. كذلك، أسفرت الأسابيع الستة الأولى من غزو العراق عن مقتل أكثر من 7500 مدني عراقي (Hamourtziadou, 2026). وهكذا تستمر “عادية القتل”، حتى عندما يشمل المدنيين، تحت مبرر “الدفاع عن النفس”، حيث يتم تطبيع الاغتيالات المستهدفة. ويقتنع صناع القرار — ويقنعون شعوبهم — بأن قلة من البشر يملكون الحق في تحديد من يجب أن يموت وما هو الثمن المقبول من أرواح الآخرين لتحقيق أهدافهم. ونتيجة لذلك، يُقتل الناس لمجرد انتمائهم إلى جماعة يُصنّفها القتلة على أنها “شريرة”، بينما يتحول الأبرياء إلى “ثمن لا بد من دفعه”، دائماً مع قدر من “الأسف” الغربي.

بالنسبة للولايات المتحدة، فإن زعزعة استقرار إيران أو السيطرة عليها تُعد خطوة تمهيدية لزيادة الضغط على روسيا ومواجهة الصين، وهما الهدفان الجيوسياسيان الرئيسيان لعدة إدارات أمريكية منذ ما قبل “الحرب على الإرهاب”. وتسعى واشنطن إلى التحكم في إمدادات النفط العالمية، ليس بسبب حاجتها المباشرة للنفط الإيراني، بل من أجل التأثير على إمدادات الصين. ورغم أن الصين تبدو متنوعة المصادر، فإن نسبة وارداتها من دول حليفة للولايات المتحدة قد ازدادت تدريجياً. ففي عامي 2024 وبداية 2025، بقيت روسيا المورد الرئيسي، لكن السعودية والعراق والإمارات شكلت معاً جزءاً كبيراً ومستقراً من واردات الصين، وهي دول ترتبط بعلاقات أمنية وثيقة مع واشنطن. ومع التغيرات السياسية في سوريا والضغوط المتزايدة على فنزويلا، تظل الصين معتمدة بدرجة كبيرة على روسيا وإيران، ما يعني أن توقف النفط الإيراني سيضعف موقعها بشكل ملحوظ، رغم تحولها التدريجي نحو الطاقة المتجددة (Soni & Allen, 2026).

وتُظهر سياسات إدارة ترامب تجاه إيران، وفق هذا الطرح، درجة خطيرة من التهور، فضلاً عن كونها موضع جدل قانوني. فترامب، الذي كان من أشد منتقدي غزو العراق عام 2003 وسياسات المحافظين الجدد، يبدو وكأنه يعيد الخطأ ذاته. ففي ذلك الوقت، استُخدمت أدلة ملفقة حول “أسلحة الدمار الشامل” لتبرير الغزو. واليوم، تُبرر الإدارة الأمريكية إجراءاتها ضد إيران ببرنامجها النووي، رغم أن العديد من الخبراء يشككون في هذه المزاعم. ولم تؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية وجود دليل على أن إيران تطور سلاحاً نووياً فعلياً، حيث صرح مديرها العام رافائيل غروسي في مارس 2026 بأنه “لا يوجد دليل على أن إيران تبني حالياً قنبلة نووية” (Middle East Monitor, 2026). ويرى كثيرون أن الإدارة الأمريكية تعيد استخدام خطاب عام 2003 لتبرير سياساتها، في ظل تناقضات داخلية بين النزعة الانعزالية تحت شعار “أمريكا أولاً” والتوجهات التدخلية، إضافة إلى تباين التصريحات الرسمية، حيث قال نائب الرئيس جي دي فانس إن “الحرب ليست مع إيران بل مع برنامجها النووي”، بينما صرح ترامب بأن الهدف هو تغيير النظام (Mansour, 2026).

جرت مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في أوائل فبراير 2026 في مسقط بسلطنة عُمان، تلتها جولات أخرى في جنيف. وقبيل بدء القصف على طهران مباشرة، أفاد الوسطاء العُمانيون بوجود “تقدم كبير” ووصفوا الوضع بأنه “اختراق”، حيث وافقت إيران على عدم امتلاك مواد نووية بمستوى تسليحي. ومع ذلك، وبعد أيام قليلة فقط، بدأت الضربات الجوية، ما يوحي بأن الحوار لم يكن سوى مرحلة تمهيدية، وأن الهدف الفعلي كان إطلاق حملة عسكرية، وهو ما أصبح معلناً بشكل متزايد من قبل الإدارة الأمريكية.

ويعيد هذا النمط إلى الأذهان فصلاً أكثر قتامة في التاريخ الأمريكي، يتمثل في التفاوض مع الشعوب الأصلية ثم خرق الاتفاقيات لاحقاً. فقد اتسمت العلاقات بين الولايات المتحدة والسكان الأصليين بنمط متكرر من إبرام المعاهدات لاحتواء المقاومة أو تأمين الأراضي، ثم نقضها مع ازدياد التفوق العسكري والتوسع الاستيطاني الأمريكي. بين عامي 1778 و1871، تم توقيع أكثر من 500 معاهدة، تم خرق العديد منها أو تجاهلها أو إعادة التفاوض بشأنها لخدمة التوسع غرباً. فعلى سبيل المثال، منحت معاهدتا فورت لارامي (1851 و1868) أراضي واسعة لقبائل السيوكس وسكان السهول، لكنها انتُهكت لاحقاً بسبب حمى الذهب والعمليات العسكرية، ما أدى إلى إنشاء المحميات وحدوث مجازر مثل مذبحة “ووندد ني”. كما أدت اتفاقيات قسرية مثل معاهدة نيو إيكوتا (1835) مع قبيلة الشيروكي إلى “درب الدموع” (Zotigh, 2019).

لم تكن هذه الممارسات عرضية، بل كانت جزءاً أساسياً من استراتيجيات الاستعمار الاستيطاني، حيث يتم تقديم التنازلات عند الضعف، ثم التراجع عنها عند القوة، مع تبرير ذلك باعتباره تقدماً نحو “التمدن”. ويشير المؤرخون إلى هذا النهج باسم “سياسة الملاءمة”، حيث كانت المعاهدات تُعامل كأدوات مؤقتة وليست التزامات قانونية دائمة (Urlacher, 2024). وقد شكّل هذا النمط عنصراً أساسياً في التوسع الأمريكي غرباً، مدعوماً بأيديولوجيات مثل “القدر المتجلي”، وهي فكرة من القرن التاسع عشر ترى أن توسع الولايات المتحدة عبر أمريكا الشمالية أمر مقدر إلهياً ومبرر ولا مفر منه، وقد استُخدمت لتبرير الاستحواذ على أراضٍ مثل تكساس وأوريغون وكاليفورنيا، على حساب السكان الأصليين (Dobson, 2013).

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الدبلوماسية الأمريكية الحالية تجاه إيران باعتبارها امتداداً لنمط إمبراطوري أوسع، حيث تُستخدم الاتفاقيات كأدوات ضغط مشروطة بالامتثال الكامل، ويتم التخلي عنها عندما تقتضي المصالح العليا التصعيد. ويرى منتقدون أن نهج إدارة ترامب، الذي يجمع بين العمل العسكري وطرح خيار ثنائي بين الاستسلام أو المواجهة، يعكس أنماط الهيمنة التاريخية. كما أن الصراع مع إيران يبدو أكبر بكثير من تدخلات ترامب السابقة، ويتضمن بعداً استعراضياً واضحاً في سياساته.

ومن المرجح أن يكون الهدف النهائي هو دفع النظام الإيراني إلى الاستسلام غير المشروط، وهو أمر لا توجد مؤشرات حالياً على إمكانية تحققه. وعلى العكس، تعمل القيادة الإيرانية على تصعيد الخطاب الوطني وتعزيز التعبئة الداخلية، مع استخدام قدرتها على تعطيل جزء حيوي من إمدادات الطاقة العالمية كورقة ضغط، على أمل أن يؤدي ذلك إلى إنهاك الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، تظهر مؤشرات مقلقة على أن هذه الأزمة تتجه بسرعة نحو التحول إلى أزمة دولية كبرى.

المراجع
Barr, James (2012). “The lessons to be learned for today from Britain’s 1951 Iran crisis”, The New Statesman, 13 June, https://www.newstatesman.com/culture/observations/2012/06/the-lessons-to-be-learnt-for-today-from-britains-1951-iran-crisis Brew, Gregory (2019). “The Collapse Narrative: The United States, Mohammed Mossadegh, and the Coup Decision of 1953”, Texas National Security Review, Vol. 2/4, November, https://tnsr.org/2019/11/the-collapse-narrative-the-united-states-mohammed-mossadegh-and-the-coup-decision-of-1953/ Bush, Laura (2001). “Laura Bush on Taliban oppression of women”, The Washington Post, 17 November, www.washingtonpost.com/wp-srv/nation/specials/attacked/transcripts/laurabushtext_111701.html??noredirect=on Dehghan, Saeed Kamali & Richard Norton-Taylor (2013). “CIA admits role in 1953 Iranian coup”, The Guardian, 19 August, https://www.theguardian.com/world/2013/aug/19/cia-admits-role-1953-iranian-coup Dobson, Darren (2013). “Manifest Destiny and the environmental impacts of Westward expansion”, Flinders Journal of History and Politics, vol.29, January, pp.41-69. Fouskas, Vassilis. and Bulent Gokay (2005). The New American Imperialism: Bush’s War on Terror and Blood for Oil , Westport, CT: Praeger Security International. Greenwald, Glenn (2011). “Wes Clark and the neocon dream”, Salon, 26 November, https://www.salon.com/2011/11/26/wes_clark_and_the_neocon_dream/ Hamourtziadou, Lily (2020). Body Count. The War on Terror and Civilian Deaths in Iraq, Bristol University Press. Hamourtziadou, Lily (2026). “War Memorialised. How the UK Remembers its Wars and its Dead”, in Hamourtziadou, L. and Lukasik, P. (eds), The Role of Memory in War Politics and Post-Conflict Reconciliation, Routledge. Mansour Mohammad (2026). “How Trump’s 2026 Iran ‘war’ script echoes and twists the 2003 Iraq playbook”, Al Jazeera, 26 February, https://www.aljazeera.com/news/2026/2/26/how-trumps-2026-iran-war-script-echoes-and-twists-the-2003-iraq-playbook Middle East Eye (2026). “Names and ages of children killed in strike on Iranian school”, 4 March, https://www.middleeasteye.net/news/names-and-ages-children-iranian-school-strike Middle East Monitor (2026). “IAEA says no evidence Iran is building a nuclear bomb”, 4 March, https://www.middleeastmonitor.com/20260304-iaea-says-no-evidence-iran-is-building-a-nuclear-bomb/ Obama, Barack (2009). “Address to Multi-National Forces Serving in Iraq” , American Rhetoric Online Speech Bank, https://www.americanrhetoric.com/speeches/wariniraq/barackobamairaqtroops040709.htm Soni, Paloma & Catherine Allen (2026). “5 charts show China’s oil dilemma after US strikes”, Politico, 3 February, https://www.politico.com/news/2026/03/02/iran-us-strikes-china-oil-supply-charts-00806415 Urlacher, Brian R. (2024). “Broken Promises: Revisiting the Commitment Problem and the Treaties of Fort Laramie”, Ethnopolitics, 30 September, https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/17449057.2024.2406152 Zotigh, Dennis (2019). “The Treaty That Forced the Cherokee People from Their Homelands Goes on View”, Smithsonian Magazine, 24 April.
First published in: E-International Relations Original Source
Bulent Gokay

Bulent Gokay

بولنت جوكاي أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كيل.

Default Author Image

Lily Hamourtziadou

لي لي هامورتزيادو محاضرة أولى في العلاقات الدولية بجامعة برمنغهام سيتي.

Leave a Reply