في العلاقة الثنائية بين الولايات المتحدة والمكسيك، تؤدي كلمة «الأمن» دور المفصل: يمكنها أن تفتح أبواب التعاون أو أن تُغلق فجأة أي محاولة للتفاهم. فالحدود الأكثر ازدحامًا في العالم، واقتصاد شديد التكامل، وأزمة صحية عامة في الولايات المتحدة مرتبطة باستهلاك الفنتانيل، كلها عوامل شكّلت في السنوات الأخيرة مشهدًا تتقاطع فيه المصالح، لكن تتراكم فيه أيضًا الشكوك التاريخية، والاختلالات البنيوية، وإغراءات الأحادية.
ورغم أن التوتر الكامن بين البلدين موجود منذ فترة طويلة، فإنه لم يصبح أكثر وضوحًا إلا في أوائل يناير/كانون الثاني 2026 — وتحديدًا بعد إلقاء الولايات المتحدة القبض على مادورو. ففي المكسيك، تصاعد القلق إزاء إشارات و«تحركات» عسكرية أمريكية — سواء كانت حقيقية أو متصوَّرة أو مضخَّمة إعلاميًا — فُسرت ليس بوصفها استعدادات فورية لتدخل أمريكي، بل باعتبارها رسائل سياسية في سياق يعاود فيه الخطاب السياسي في واشنطن التلويح بفكرة شديدة الحساسية: إمكانية إرسال قوات، أو تنفيذ توغلات، أو القيام بعمليات مسلحة داخل الأراضي المكسيكية لمكافحة كارتلات المخدرات المكسيكية — التي صُنّفت مؤخرًا كمنظمات إرهابية في الولايات المتحدة.
ويتفق العديد من المحللين على أن أهمية هذه الوقائع لا تكمن فقط في بعدها العملياتي، بل في قيمتها الرمزية ضمن استراتيجية أوسع للضغط الدبلوماسي.
ثلاثة تيارات تغذي نزعة التدخل
إن فكرة التدخل الأمريكي في المكسيك لم تنشأ من فراغ؛ بل يمكن القول إن هناك ثلاثة تيارات متزامنة تغذي هذه الفكرة.
التيار الأول داخلي، مرتبط بالوضع الداخلي في الولايات المتحدة. فقد أصبحت أزمة الفنتانيل واحدة من أبرز مشكلات الصحة العامة في البلاد، مع عشرات الآلاف من الوفيات سنويًا. وقد استُخدمت هذه الأزمة من قبل قطاعات سياسية واسعة لترسيخ سردية «التهديد الخارجي». وفي هذا الإطار، تُصوَّر الكارتلات المكسيكية كجهات فاعلة عابرة للحدود تُقارَن بالتنظيمات الإرهابية، وهو ما يتيح — على الأقل على مستوى الخطاب — تبرير استخدام أدوات غير تقليدية في التعامل معها.
أدوات استثنائية ضدها. وعلاوة على ذلك، كما تشير عدة تحليلات نُشرت في وسائل الإعلام الأمريكية وتناقلتها الصحافة المكسيكية، فإن لهذه السردية فائدة انتخابية واضحة، إذ تمارس ضغوطًا لتقديم حلول «مرئية» أو ملموسة ذات أثر فوري، حتى وإن كانت تكلفتها الاستراتيجية مرتفعة. وكل ذلك يحدث في سياق الحرب على الاتجار بالمخدرات.
أما التيار الثاني فيتعلق بالواقع المكسيكي. فاستمرار معدلات العنف المرتفعة ووجود الفساد داخل بعض أجهزة الدولة، وتفتت السيطرة على الأراضي، والتغلغل غير المتكافئ للشبكات الإجرامية على المستوى المحلي، كلها عوامل تغذي في واشنطن الانطباع بأن المكسيك لا تفعل «ما يكفي». وقد تذبذبت السياسة الأمنية المكسيكية بين محاولات فرض السيطرة الإقليمية، واستراتيجيات الاحتواء، وإدارة نزاع مزمن لا يُحسم بالكامل ولا يتصاعد بالكامل. ومن الخارج، غالبًا ما يُفسَّر هذا الغموض على أنه عجز أو نقص في الإرادة؛ أما من الداخل، فيُنظر إليه باعتباره تكيفًا براغماتيًا مع مشكلة بنيوية طويلة الأمد.
أما التيار الثالث فهو تاريخي ورمزي. فبالنسبة للمكسيك، يستحضر أي حديث عن تدخل عسكري أمريكي سجلًا من المظالم التاريخية، مثل فقدان نصف أراضيها في القرن التاسع عشر، وحالات الاحتلال، والضغوط الدبلوماسية، ومظاهر التبعية. ولذلك، حتى في ظل تعاون ثنائي مكثف — وهو كذلك بالفعل — فإن الهامش السياسي لإضفاء الطابع الرسمي على وجود عسكري أجنبي داخل الأراضي المكسيكية، أو قبوله، يكاد يكون معدومًا. ويذكّر محللون من المجلس المكسيكي وCESPEM بأن مبدأ عدم التدخل ليس مجرد عنصر عقائدي في السياسة الخارجية المكسيكية، بل هو ركيزة من ركائز الشرعية الداخلية.
الهندسة الحقيقية للتعاون
على الرغم من الضجيج الإعلامي والمبالغة في تصوير النقاش العام، فإن التعاون الأمني بين المكسيك والولايات المتحدة واسع النطاق، ومستمر، وعميق التكامل. فعلى مدى عقود، تعاون البلدان في تبادل المعلومات الاستخبارية، وضبط الحدود، والإجراءات القضائية، ومكافحة غسل الأموال، والعمليات ضد الشبكات الإجرامية، وإن كانت النتائج متباينة. غير أن الصيغة تغيرت في الآونة الأخيرة؛ إذ باتت تُعطى الأولوية اليوم للآليات التقنية والهادئة بدلًا من الخطط الكبرى المُعلنة. وفي الوقت ذاته، يجري تعزيز تبادل المعلومات والتعاون العملياتي ضمن خطوط حمراء واضحة تتعلق بالسيادة.
ومع ذلك، تنطوي هذه البنية على مفارقة جوهرية. فكلما ازداد التعاون تكاملًا، أصبح أكثر هشاشة سياسيًا، لأنه يعتمد على الثقة بين الحكومات وعلى قدرة كل طرف على تبريره أمام جمهور داخلي يزداد استقطابًا. ولهذا السبب، فإن أي تصور بالتبعية في المكسيك يمكن أن يقوض شرعية الحكومة؛ بينما في الولايات المتحدة، قد يتحول أي مظهر من «التساهل» تجاه الكارتلات إلى ذخيرة انتخابية.
في يناير/كانون الثاني 2026، تجلت هذه الدينامية بوضوح مع نقل 37 شخصًا مرتبطين بمنظمات إجرامية من المكسيك إلى الولايات المتحدة، في سياق سُجّل فيه أكثر من 90 تسليمًا خلال أقل من عام. وإلى جانب أثرها القضائي، حملت هذه الخطوة — رغم أبعادها السياسية الواضحة الهادفة إلى إظهار «نتائج» ملموسة لتخفيف الضغط من واشنطن وتقليص إغراء التحركات الأحادية — طابعًا رمزيًا في جوهرها، وأخفت معضلة أعمق تواجه الحكومة المكسيكية.
فمن المنظور المكسيكي، تبدو الإشارة مزدوجة الدلالة. فمن جهة، تسعى إلى إظهار أن الدولة ما زالت تحتفظ بقدرتها على التحرك واستهداف البنى الإجرامية دون قبول وصاية عسكرية أجنبية. ومن جهة أخرى، تعترف ضمنيًا بأن العلاقة الثنائية تعمل في إطار تقييم دائم، تُحدِّد فيه تصورات الولايات المتحدة حول فعالية المكسيك مستوى الضغط السياسي والخطاب المرافق له. وبعبارة أخرى، هو شكل من أشكال التبعية المشروطة.
أما في الولايات المتحدة، فلا تزال هذه الخطوات تُعتبر غير كافية لدى قطاعات سياسية مؤثرة. ويرجع ذلك إلى أن المشكلة تُقاس بمؤشرات لا يمكن حلها عبر عمليات تسليم جماعية: توافر المخدرات الاصطناعية، وأعداد الوفيات الناتجة عن الجرعات الزائدة، والقدرة الصناعية للمختبرات السرية، والسيطرة على طرق التهريب، وتدفق الأسلحة نحو الجنوب، وغيرها. ونظرًا لتأثير هذه القطاعات ولمدى انعكاس الظاهرة على الداخل الأمريكي، يُستخدم الملف في كثير من الأحيان كسلاح انتخابي داخلي، مع التركيز المتكرر على حلول «مرئية» — كإرسال قوات أو استخدام طائرات مسيّرة أو تنفيذ توغلات — دون احتساب تكلفتها الاستراتيجية.
الاتجار بالمخدرات، والسياسة، وتآكل المؤسسات
إن الحديث عن تورط الاتجار بالمخدرات في الدولة المكسيكية يتطلب دقة تحليلية. فالأمر لا يتعلق بسيطرة متجانسة على «الحكومة» بأكملها، بل بظاهرة مجزأة ومتعددة الطبقات. فما وثقته تقارير وتحقيقات عديدة وأشارت إليه مرارًا هو فسيفساء من حالات الاحتواء والتغلغل على المستوى المحلي، ذات تداعيات وطنية بل ودولية: قوات شرطة بلدية مخترقة، وسلطات إقليمية تتعرض للضغط أو للشراء، وشبكات زبائنية تموَّل بموارد غير مشروعة، وفي حالات ذات تأثير كبير، روابط مع فاعلين سياسيين تتحول إلى مصادر احتكاك ثنائي، من بين أمثلة أخرى كثيرة.
وفي المرحلة الراهنة من العلاقة مع الولايات المتحدة، لا تقتصر القضية السياسية الأكثر حساسية على وجود الفساد بحد ذاته، بل تشمل أيضًا توظيف هذا الفساد كأداة ضغط سياسي. فمن واشنطن، طُرح أن على المكسيك أن تتجاوز الاعتقالات العملياتية وتستهدف شخصيات سياسية يُزعم ارتباطها بالجريمة المنظمة، حتى داخل الحزب الحاكم — مورينا (MORENA). غير أن مثل هذه الخطوة بالنسبة للإدارة المكسيكية تعني تكلفة داخلية باهظة للغاية، ومخاطر زعزعة الاستقرار السياسي، فضلًا عن احتمال تقويض سردية الشرعية التي يتبناها الحزب بشأن النزاهة والشفافية، والتي دافع عنها بقوة منذ وصوله إلى السلطة.
وهنا تكمن إحدى المعضلات الجوهرية. فعندما «يستثمر» الاتجار بالمخدرات في السياسة، فإنه لا يسعى فقط إلى الإفلات من العقاب؛ بل يسعى إلى السيطرة على مفاصل الحكم. فالتحكم في عقد استراتيجية — مثل الجمارك، والموانئ، ومكاتب الادعاء المحلية، وقوات الشرطة، ورئاسات البلديات — يتيح إدارة مستويات العنف بطريقة تخدم النشاط الإجرامي. وفي هذا السياق، يصبح التعاون مع الولايات المتحدة سلاحًا ذا حدين. فمن جهة، يمكن أن يسهم في تفكيك الشبكات الإجرامية؛ ومن جهة أخرى، قد يعزز سردية «الدولة الفاشلة»، سواء من خلال فرض أجندات خارجية أو عبر كشف مواطن الضعف المؤسسي. وهذه النظرة، المتجذرة في بعض الأوساط السياسية الأمريكية، كثيرًا ما تترجم إلى الدعوة لاعتماد مقاربات أو ردود قسرية.

الشكل (1): خريطة كارتلات المكسيك لعام 2024.
المصدر: إيوان غريلو.
الرابط: https://www.crashoutmedia.com/p/mexicos-cartel-map-2024
الضجيج العسكري كلغة دبلوماسية
إن التقارير المتعلقة بأنشطة عسكرية أمريكية حديثة وغير اعتيادية وواسعة الصدى مرتبطة بالمكسيك — والتي ضُخّمت في وسائل الإعلام الإقليمية وترددت أصداؤها داخل المكسيك — خلقت مناخًا من القلق يتجاوز مسألة الاحتمال الفعلي لتدخل عسكري. ففي هذا السياق، لا تكمن الأهمية في ما إذا كانت طائرة معينة، أو إشعارًا ملاحيًا، أو انتشارًا حدوديًا يعني عملًا وشيكًا، بل في الرسالة السياسية التي تنقلها هذه التحركات، لا سيما في أعقاب العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة وتشديد الخطاب في الوقت نفسه ضد الكارتلات.
وبعبارة أخرى، يجري استخدام — أو تؤدي — إظهار القدرة العسكرية والغموض المحيط بالنوايا وظيفة الضغط السياسي لاستخلاص تنازلات من المكسيك: مزيد من التعاون، وصول أوسع إلى المعلومات الاستخبارية، نتائج أكثر قابلية للقياس، ودرجة أعلى من التنسيق. ومن هذا المنظور، قد لا يكون الهدف تجاوز الخط الأحمر المتمثل في التدخل المباشر، بل الاقتراب منه بما يكفي لانتزاع مكاسب تفاوضية.
وعليه، جاء الرد المكسيكي متكررًا ومحسوبًا بعناية: «نعم للتعاون، لا للتبعية». وهذا الإطار، الحاضر في التصريحات الرسمية وفي تحليلات وسائل الإعلام الوطنية، يسعى إلى رسم حدود واضحة دون قطع العلاقة. إنها استراتيجية دفاعية — تفاوضية — تعترف باختلال ميزان القوى، لكنها تحاول احتواءه ضمن الأطر المؤسسية.
نطاق الخيارات وتكاليفها الاستراتيجية
عندما يُتداول مصطلح «الغزو»، فإنه غالبًا ما يُحدث استقطابًا أكثر مما يقدّم تفسيرًا. غير أن هذا المصطلح في النقاش الأمريكي يُستخدم في كثير من الأحيان بوصفه أداة خطابية أكثر منه وصفًا دقيقًا. عمليًا، فإن نطاق الخيارات المتداولة في وسائل الإعلام واسع، بل وخطير في بعض الأحيان، لأنه يتسم بالتدرّج:
- توسيع وجود المستشارين وضباط الارتباط في مراكز القيادة. وهذا خيار يمكن للمكسيك قبوله سياسيًا بدرجة أكبر، إذا ظل تحت إشراف مؤسسي واضح.
- عمليات مشتركة بمشاركة مباشرة من القوات الأمريكية (على سبيل المثال، مرافقة أثناء مداهمات). ووفقًا لتقارير نقلتها وسائل الإعلام، فإن هذا مطلب سعت إليه الولايات المتحدة، فيما قاومته المكسيك باستمرار.
- عمليات «جراحية» أحادية الجانب (مثل استخدام الطائرات المسيّرة أو نشر قوات خاصة ضد مختبرات أو قادة إجراميين). وهو خيار ممكن عسكريًا، لكنه مدمّر سياسيًا.
- تدخل مستدام (ما يسميه الخيال العام «غزوًا»). وهو خيار مكلف للغاية، ويصعب تبريره قانونيًا وسياسيًا في الوقت الراهن، فضلًا عن أنه سيُشعل أزمة ثنائية كبرى.
ومن بين هذه الخيارات، يكمن الخطر الاستراتيجي الأكبر في البدائل الوسطية. فقد تبدو التوغلات «المحدودة» فعّالة من منظور واشنطن، لكنها ستُفسَّر في المكسيك بوصفها انتهاكًا مباشرًا للسيادة، مع تداعيات قد تتراوح بين تعزيز التماسك القومي وقطع التعاون الثنائي، بل وحتى منح الجماعات الإجرامية فرصة لتقديم نفسها كـ«مدافعة عن الأرض». وفي مثل هذا السيناريو، قد تدفع أي خطوة أحادية من واشنطن المكسيك إلى تقييد تبادل المعلومات الاستخبارية، وإغلاق القنوات العملياتية، وتحويل القضية إلى نزاع دائم — في وقت يصبح فيه التنسيق ضروريًا لضرب السلاسل اللوجستية للاتجار بالمخدرات.
موقف شينباوم: السيادة والتنازلات المحسوبة
كانت الرئيسة كلوديا شينباوم واضحة في رفضها المتكرر لدخول قوات أمريكية إلى الأراضي المكسيكية. ويتكرر هذا الموقف في التقارير والتغطيات الإعلامية التي تؤكد رفض أي تدخل عسكري، مع دعم التعاون في الوقت ذاته. كما أن هذا الموقف يستند إلى قناعات تاريخية وإلى حسابات تتعلق بالاستقرار الداخلي؛ فكما ذُكر سابقًا، فإن قبول وجود عسكري أجنبي ينطوي على تكلفة سياسية مرتفعة.
وفي المقابل، سعت حكومتها إلى تحصين العلاقة الثنائية عبر إجراءات ملموسة: تسليم مطلوبين، مصادرات، تشديد الرقابة على الموانئ، وخطاب يركز على النتائج. وتشير بعض وسائل الإعلام، مثل «إل باييس»، إلى أن شينباوم دافعت عن هذه الإنجازات وأكدت على «الاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة»، مذكّرة بأن على الولايات المتحدة أيضًا معالجة الاستهلاك الداخلي وتهريب الأسلحة من أراضيها.
وهذه النقطة الأخيرة — تهريب الأسلحة — حاسمة، إذ إن سوق الأسلحة النارية في الولايات المتحدة يغذي القوة النارية للكارتلات في المكسيك. ومن منظور مكسيكي، فإن التشديد على «المسؤولية المشتركة» ليس مجرد خطاب أخلاقي، بل هو محاولة لإعادة التوازن إلى السردية ومنع حصر المشكلة بوصفها تهديدًا خارجيًا مصدره المكسيك وحدها.

الشكل (2): الوفيات المرتبطة بالمواد الأفيونية وحالات التسمم بالمخدرات الأخرى لكل 100 ألف نسمة في الولايات المتحدة.
المصدر: مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، المركز الوطني للإحصاءات الصحية، عبر قاعدة بيانات CDC Wonder.
الرابط:
https://statehealthcompare.shadac.org/trend/197/opioidrelated-and-other-drug-poisoning-deaths-per-100000-people-by-drug-type#32/1/162,163,127,125,126,129,128/21,19,20,9,10,11,12,13,14,1,2,3,4,5,6,7,8,15,24,25,27,32,37,42,76/233

الشكل (3): تهريب الأسلحة غير المشروع من الولايات المتحدة إلى المكسيك
عامل ترامب والحدود السياسية داخل الولايات المتحدة
في الخطاب المنسوب إلى ترامب ودائرته المقربة، تظهر المكسيك كثيرًا بوصفها فضاءً «تهيمن» عليه الكارتلات، وبالتالي يُبرَّر فيه اتخاذ إجراءات استثنائية. ويتكرر هذا التأطير في التغطيات الصحفية وفي النقاش السياسي داخل الولايات المتحدة. ومع ذلك، حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، ثمة تحذيرات من «الكارثة» التي قد تترتب على قصف المكسيك أو التدخل فيها — ليس فقط بسبب التكلفة الإنسانية، بل أيضًا بسبب التداعيات الجيوسياسية المترتبة على فتح نزاع مع شريك تجاري رئيسي وجار تتشارك معه الحدود والهجرة وسلاسل الإمداد والأمن الإقليمي.
وفضلاً عن ذلك، فإن أي عملية عسكرية في المكسيك لا يمكن مقارنتها بعمل «خارجي» بعيد. فالقرب الجغرافي يعني أن أي تصعيد ستكون له آثار فورية: توترات حدودية، اضطراب تجاري، موجات هجرة، تطرف سياسي في كلا البلدين، وحوافز للجماعات الإجرامية للرد بعنف استعراضي أو حتى بأعمال إرهاب منخفض الحدة، تحديدًا بهدف تقويض التعاون الثنائي.
الخلاصة
تشترك الولايات المتحدة والمكسيك في أزمة بنيوية — المخدرات الاصطناعية، العنف، الأسلحة، الهجرة — لكنهما لا تتقاسمان السردية نفسها لتفسيرها، ولا الأدوات ذاتها لمعالجتها. فواشنطن تميل إلى تأطيرها بوصفها تهديدًا خارجيًا يتطلب تحركًا فوريًا؛ بينما تميل المكسيك إلى اعتبارها مشكلة داخلية ذات بُعد ثنائي تستدعي تعاونًا دون تدخل. وما دامت هذه السرديات غير متصالحة، ستظل العلاقة الأمنية متوترة، تجمع بين التعاون والارتياب في آن واحد.
في عام 2026، لم يعد شبح نشر قوات في المكسيك مجرد سيناريو عسكري؛ بل أصبح أداة تفاوض، ورمزًا هوياتيًا، واختبارًا للقوة السياسية. وأقل المسارات تكلفة ليس الأكثر استعراضًا، لكنه الوحيد القابل للاستدامة: تعاون عميق بحدود واضحة، مسؤولية مشتركة (المخدرات، الأسلحة، الأموال)، تعزيز مؤسسي، ونتائج قابلة للتحقق تتيح لكلا الحكومتين أن تؤكدا لمجتمعيهما أنهما تتحركان دون تجاوز خطوط قد يحول كسرها الحدود إلى ساحة صراع.
ومن المهم أيضًا التذكير بأن الاتجار بالمخدرات ليس جيشًا تقليديًا، بل اقتصادًا إجراميًا متكيفًا. فاستهداف عقدة واحدة قد يؤدي إلى تفتيت العنف وتوزيعه. وقد شهدت المكسيك هذه الدينامية من قبل: إذ إن القضاء على القيادات قد يفضي إلى حروب خلافة وتضاعف عدد الضحايا، ما يستدعي تقييمًا دقيقًا للاستراتيجيات والمخاطر والتكاليف الاستراتيجية.
وفي المحصلة، فإن ما هو على المحك ليس الأمن فحسب، بل الشرعية أيضًا: من يحدد المشكلة، ومن يفرض الحل، ومن يتحمل الكلفة السياسية والإنسانية لتنفيذه. وإلى أن يُحسم هذا الخلاف، ستظل العلاقة الثنائية حبلًا مشدودًا بين الضرورة المتبادلة والخوف التاريخي.
وأخيرًا، ثمة عنصر إضافي يثقل العلاقة بين المكسيك والولايات المتحدة، وهو البعد الاقتصادي، وتحديدًا مستقبل اتفاقية الولايات المتحدة–المكسيك–كندا (USMCA). فقد أثارت مراجعتها المقررة في 2026 حالة من عدم اليقين السياسي والتجاري تتداخل مع الأجندة الأمنية، إذ لا يقتصر الضغط الأمريكي على ملف المخدرات، بل يمتد إلى قضايا التجارة والامتثال التنظيمي. وقد يؤثر ذلك في الاستقرار الاقتصادي للمكسيك، وبالتالي في قدرتها على التعامل مع الأزمة الأمنية.
وتأتي لحظة مراجعة الاتفاقية في وقت تتعرض فيه العلاقات الثنائية — من التجارة إلى التعاون الأمني — لضغوط متزايدة. ورغم أن القطيعة الكاملة تبدو غير مرجحة نظرًا للتشابك الإقليمي العميق، فإن الاتفاق قد يدخل حالة «معلّقة» أو شبه جامدة، مع مراجعات أكثر تواترًا دون تجديدات جوهرية. وفي هذا السياق، يصبح الدفاع عن اتفاقيات مثل USMCA أداة استراتيجية للمكسيك، تمكّنها من الموازنة بين السيادة والتعاون والبراغماتية في مواجهة الضغوط الخارجية.
Related
المراجع
ABC7 Los Angeles. (20 de January de 2026). Crece inquietud en México ante movimientos militares de Estados Unidos. Obtenido de ABC7 Los Angeles:
https://abc7.com/post/crece-inquietud-en-mexico-ante-movimientos-militares-de-estados-unidos/18433593/?utm_source=chatgpt.com
Canchola Raygoza, D. L. (31 de Octubre de 2025). De AMLO a Sheinbaum: los desafíos que impone el fentanilo a la política exterior. Obtenido de CESPEM:
https://www.cespem.mx/index.php/component/content/article/sheinbaum-desafios-fentanilo-pol-ext?catid=9&Itemid=101
Carbajal, F. (16 de Enero de 2026). Desafíos actuales de la Seguridad Nacional en México. Obtenido de E Sol de México (OEM):
https://oem.com.mx/elsoldemexico/analisis/desafios-actuales-de-la-seguridad-nacional-en-mexico-27693374?ref=consejomexicano.org
Carreño Figueras, J. (13 de Enero de 2026). ¿Intervención? Posible, pero no probable II. Obtenido de El Heraldo de México:
https://heraldodemexico.com.mx/opinion/2026/1/13/intervencion-posible-pero-no-probable-ii-758570.html?ref=consejomexicano.org
Carreño Figueras, J. (16 de Enero de 2026). EU-México: La presión como diplomacia. Obtenido de El Heraldo de México:
https://heraldodemexico.com.mx/opinion/2026/1/16/eu-mexico-la-presion-como-diplomacia-759598.html?ref=consejomexicano.org
Carreño Figueras, J. (19 de Enero de 2026). EU-México: un momento preocupante. Obtenido de El Heraldo de México:
https://heraldodemexico.com.mx/opinion/2026/1/19/eu-mexico-un-momento-preocupante-760093.html?ref=consejomexicano.org
Cázares Luquín, V. (12 de Diciembre de 2025). De la defensa a la acción: México y la reinterpretación del principio de no intervención. Obtenido de CESPEM:
https://www.cespem.mx/index.php/component/content/article/de-la-defensa-a-la-accion-principio-de-no-intervencion?catid=9&Itemid=101
Contreras, A. (21 de Enero de 2026). Avión militar de EUA llega a Toluca. ¿Cooperación o alerta? Obtenido de COMEXI:
https://www.consejomexicano.org/avion-militar-de-eua-llega-a-toluca-cooperacion-o-alerta/
Corona, S. (24 de Enero de 2026). Sheinbaum marca límites ante amenazas de Trump sobre acciones contra el narco; "México negocia con EU, pero no se subordina". Obtenido de El Universal:
https://www.eluniversal.com.mx/nacion/sheinbaum-marca-limites-ante-amenazas-de-trump-sobre-acciones-contra-el-narco-mexico-negocia-con-eu-pero-no-se-subordina/?utm_source=chatgpt.com
Díaz Santana, A. S. (23 de January de 2026). Intervención militar de EE. UU. en México: la duda ahora es cuándo y cómo se producirá. Obtenido de The Conversation:
https://theconversation.com/intervencion-militar-de-ee-uu-en-mexico-la-duda-ahora-es-cuando-y-como-se-producira-274088
Drusila Castro, L. (20 de Enero de 2026). México, ante las amenazas de Trump: “Donde pisa el ejército estadounidense no llega la paz”. Obtenido de El Salto:
https://www.elsaltodiario.com/estados-unidos/donde-pisa-ejercito-estadounidense-no-llega-paz
El Economista. (23 de Enero de 2026). Intervención militar de EU en México: La duda ahora es cuándo y cómo se producirá. Obtenido de yahoo! noticias:
https://es-us.noticias.yahoo.com/intervenci%C3%B3n-militar-eu-m%C3%A9xico-duda-125025443.html
Flores Delgado, I. (15 de Junio de 2025). Diplomacia en tiempos de incertidumbre: la política exterior de México frente a la imprevisibilidad del gobierno de Donald Trump. Obtenido de CESPEM:
https://www.cespem.mx/index.php/component/content/article/diplomacia-tiempos-incertidumbre-pol-ext-mx-imprevisibilidad-trump?catid=9&Itemid=101
France 24. (10 de Enero de 2026). México en la mira de Trump: demócratas alertan de un potencial "desastre" y Sheinbaum llama al diálogo. Obtenido de France 24:
https://www.france24.com/es/am%C3%A9rica-latina/20260110-m%C3%A9xico-en-la-mira-de-trump-dem%C3%B3cratas-alertan-un-potencial-desastre-y-sheinbaum-llama-al-di%C3%A1logo
Garrido, V. M. (17 de Enero de 2026). Sheinbaum asegura que hay resultados concretos de seguridad ante la presión del Gobierno de Trump. Obtenido de El País:
https://elpais.com/mexico/2026-01-16/sheinbaum-asegura-que-hay-resultados-concretos-de-seguridad-ante-la-presion-del-gobierno-de-trump.html?utm_source=chatgpt.com
Gil Olmo, J. (22 de Diciembre de 2025). Corrupción, el talón de Aquiles de Morena. Obtenido de Proceso:
https://www.proceso.com.mx/opinion/2025/12/22/corrupcion-el-talon-de-aquiles-de-morena-365063.html
Graham, T. (21 de January de 2026). Sheinbaum defends transfer of Mexican cartel members amid efforts to appease Trump. Obtenido de The Guardian:
https://www.theguardian.com/world/2026/jan/21/sheinbaum-mexican-cartel-trump
Gutiérrez Velázquez, M. F. (12 de Noviembre de 2025). Geopolítica global y la política exterior de México: entre dependencia y liderazgo regional. Obtenido de CESPEM:
https://www.cespem.mx/index.php/component/content/article/entre-dependencia-y-liderazgo-regional?catid=9&Itemid=101
Latinus_us. (26 de Enero de 2026). Mesa de Análisis con Loret: Dresser, Becerra, Silva-Herzog, Córdova y Aguilar Camín. Obtenido de YouTube:
https://www.youtube.com/watch?v=Tfd5MI3PbaM
Macías Salgado, D. (17 de Diciembre de 2025). México entre Estados Unidos y América Latina: liderazgo regional en un sistema internacional complejo. Obtenido de CESPEM:
https://www.cespem.mx/index.php/component/content/article/mx-liderazgo-regional-en-un-sistema-internacional-complejo?catid=9&Itemid=101
Madhani, A. (5 de May de 2025). Trump blasts Mexico’s Sheinbaum for rejecting offer to send US troops into Mexico to fight cartels. Obtenido de AP:
https://apnews.com/article/trump-sheinbaum-mexico-drug-cartels-c2113e74cfc122f8f5a9e162644a470f
Noticias DW. (12 de Enero de 2026). EE.UU. y México buscan mayor cooperación contra narcotráfico. Obtenido de DW:
https://www.dw.com/es/eeuu-y-m%C3%A9xico-buscan-mayor-cooperaci%C3%B3n-contra-narcotr%C3%A1fico/a-75468890
Olivera Eslava, M. A. (23 de Agosto de 2023). México y Estados Unidos: un frente común contra el Cártel Jalisco Nueva Generación. Obtenido de Centro Mexicano de Relaciones Internacionales:
https://cemeri.org/art/a-mexico-estados-unidos-cjng-it
Pardo, D. (15 de Enero de 2026). "México es el más fuerte y el más débil ante Trump": la encrucijada de Claudia Sheinbaum tras la intervención de EE.UU. en Venezuela. Obtenido de BBC:
https://www.bbc.com/mundo/articles/ce3enj4j8g5o
Soriano, R. (21 de Enero de 2026). Trump usa las amenazas a México en seguridad para alardear de su poder ante su electorado. Obtenido de El País:
https://elpais.com/mexico/2026-01-21/trump-usa-las-amenazas-a-mexico-en-seguridad-para-alardear-de-su-poder-ante-su-electorado.html
The New York Times. (15 de January de 2026). The U.S. Is Pressing Mexico to Allow U.S. Forces to Fight Cartels. Obtenido de The New York Times:
https://www.nytimes.com/2026/01/15/world/americas/us-mexico-cartels.html
Treader, V. (12 de Enero de 2026). Intervención en México: "Donald Trump está dispuesto a todo". Obtenido de DW:
https://www.dw.com/es/intervenci%C3%B3n-en-m%C3%A9xico-donald-trump-est%C3%A1-dispuesto-a-todo/a-75481087
Wagner, J. (20 de Enero de 2026). México responde a la presión de Trump y envía a 37 delincuentes a EE. UU. Obtenido de The New York Times:
https://www.nytimes.com/es/2026/01/20/espanol/america-latina/mexico-envio-37-narco-trump.html
First published in:
World & New World Journal
World & New World Journal