في أغسطس ٢٠٢٤ شهدت بنغلاديش زلزالًا سياسيًا كبيرًا عندما أجبرت احتجاجات جماهيرية قادها الطلاب رئيسة الوزراء الشيخة حسينة على الفرار من البلاد بعد ١٥ عامًا في الحكم. وما بدأ كمظاهرات ضد نظام مثير للجدل لتوزيع حصص الوظائف الحكومية، تحوّل بسرعة إلى حركة واسعة ضد الاستبداد والفساد وانتهاكات حقوق الإنسان. ومع تصاعد الاحتجاجات وردّ قوات الأمن بعنف قاتل أدى إلى مقتل مئات المتظاهرين، انهار نفوذ حسينة وتفككت قبضتها على السلطة.
وقد فرت الشيخة حسينة إلى الهند في أغسطس ٢٠٢٤ بعد أن أطاحت الاحتجاجات بحكومتها، بينما كانت آلاف العائلات في بنغلاديش لا تزال تبحث عن أبنائها المختفين. ومنذ ذلك الوقت أنشأت الحكومة المؤقتة، بقيادة الحائز على جائزة نوبل محمد يونس، المحكمة الدولية للجرائم للتحقيق في الجرائم التي ارتُكبت خلال فترة حكم حسينة. وفي قرار مفصلي، أصدرت المحكمة حكمًا بالإعدام غيابيًا بحقها بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وبناءً على ذلك، تقدمت بنغلاديش رسميًا بطلب تسليمها من الهند، مما مهّد لمواجهة دبلوماسية حساسة. وأصبحت هذه القضية اختبارًا حقيقيًا لما إذا كانت القوى الإقليمية ستُعطي الأولوية لعدالة الضحايا أم للمصالح السياسية والراحة الدبلوماسية.
إن قرار الهند بشأن تسليم حسينة سيحدد ما إذا كانت منطقة جنوب آسيا ستتجه نحو محاسبة جرائم الدولة أم ستواصل حماية الحكام السابقين بعد سقوطهم، وعلى نيودلهي أن تدرك أن الاستقرار الإقليمي الحقيقي لا يتحقق عبر حماية حلفاء ارتكبوا فظائع، بل عبر دعم التحولات الديمقراطية التي ناضلت شعوبهم من أجلها.
ويملك جنوب آسيا تاريخًا طويلًا من إفلات القادة من العقاب عبر الهروب إلى دول الجوار، مما خلق ثقافة حصانة ومنح “تصريحًا مجانيًا” لكل من يسقط من السلطة. ويكفي التذكير بحالة غوتابايا راجاباكسا في سريلانكا الذي فرّ خلال الأزمة الاقتصادية عام ٢٠٢٢، أو أشرف غني في أفغانستان الذي غادر البلاد عام ٢٠٢١ مع سيطرة حركة طالبان على كابول. ويتكرر هذا النمط بصورة مزعزعة للاستقرار في دول جنوب آسيا. ومع ذلك، فإن المحكمة الدولية للجرائم في بنغلاديش أصدرت أحكامًا بالإعدام استنادًا إلى أدلة موثقة ضد الشيخة حسينة.
ومع أن الهند تستطيع كسر هذه الحلقة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة تسليم حسينة فورًا دون شروط. إذ يمكن اعتماد تسليم مشروط يضمن معايير محاكمة عادلة، بما يوازن بين مخاوف البلدين. ويمكن للهند أن تطلب وجود مراقبين دوليين من الأمم المتحدة أو رابطة الكومنولث لمتابعة إجراءات المحاكمة، لضمان التزامها بالمعايير العالمية. كما يمكن لنيودلهي التفاوض على تحويل عقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد، وهو شرط تصر عليه دول أوروبية كثيرة قبل الموافقة على أي تسليم. ويرى عالم السياسة علي رياض، الذي درس التحولات الديمقراطية في بنغلاديش بشكل موسع، أن “المحاسبة ليست انتقامًا، بل هي بناء مؤسسات قوية بما يكفي لمنع الانتهاكات المستقبلية”. وتُظهر أبحاثه حول العدالة الانتقالية أن الدول التي تواجه جرائم الماضي، حتى إن كان ذلك بصورة غير مثالية، تُنتج ديمقراطيات أكثر استقرارًا من الدول التي تفضّل دفن الجرائم تحت السجاد.
قطة أخرى جديرة بالملاحظة هي أن الهند تقدّم نفسها بوصفها أكبر ديمقراطية في العالم ومدافعة عن حقوق الإنسان، لكن حماية الشيخة حسينة تقوّض هذه الصورة وتضعف مصداقية هذه الادعاءات. فالهند كانت صريحة في انتقاد انتهاكات حقوق الإنسان في باكستان وميانمار، لكنها عندما يرتكب حليفها جرائم مشابهة تمنحه الملاذ والحماية. ويتوقع كثيرون أن الهند لن تقوم بتسليم الشيخة حسينة بسبب مصالح خاصة وحسابات سياسية. وقد أدى ذلك إلى تنامي مشاعر معادية للهند داخل بنغلاديش، وخلق حالة من الاستياء والغضب في قلوب كثير من المواطنين.
ويمكن للهند معالجة هذه الإشكالية عبر السماح بمراجعة قضائية مستقلة لطلب التسليم بدلًا من جعله قرارًا سياسيًا بحتًا. صحيح أن قضايا التسليم في الهند تمر عبر المحاكم، لكن القرار النهائي يبقى بيد السلطة التنفيذية، ما يعني أن الحكومة قد تمنع التسليم لأسباب سياسية. وفي قضية حسينة تحديدًا، تستطيع الهند أن تعلن التزامًا واضحًا بالسماح للقضاء الهندي بتقييم الأدلة بشكل مستقل دون تدخل سياسي، ثم تلتزم بالقرار الذي تصدره المحاكم.
وقد شوهد هذا النهج في تجارب حديثة؛ ففي يناير ٢٠٢٥، أصدرت المحكمة العليا في المملكة المتحدة حكمًا بشأن طلب تسليم يتعلق بمقربين من رئيس الوزراء الباكستاني السابق نواز شريف، حيث تُرك المسار القضائي يأخذ مجراه بدلًا من أن تتخذ الحكومة قرارًا أحاديًا. وقد قال المستشار القانوني الراحل للبنك الدولي إبراهيم شحاتة عبارة شهيرة مفادها أن هذا النهج “نزَع الطابع السياسي عن أزمة كان يمكن أن تتحول إلى أزمة دبلوماسية” بين بريطانيا وباكستان. ويمكن للهند أن تسلك المسار نفسه.
ومن زاوية أخرى، فإن رفض التسليم قد يضر بالانتقال الديمقراطي الهش في بنغلاديش، وقد يدفع البلاد نحو مزيد من الاضطراب. فالحكومة الجديدة تحتاج إلى تحقيق العدالة كي تحافظ على شرعيتها، وإذا قامت الهند بحماية حسينة فقد يؤدي ذلك إلى تعزيز نظريات المؤامرة حول تدخل هندي في الشأن البنغلاديشي، ويزيد من المشاعر المعادية للهند، وربما يدفع بنغلاديش إلى التقارب أكثر مع الصين أو باكستان بحثًا عن تحالفات إقليمية جديدة. وتاريخيًا، عندما يشعر الناس بأن العدالة تُمنع عنهم، فإنهم يفقدون الثقة في المؤسسات الديمقراطية. وتُظهر أبحاث عالم السياسة علي رياض أن الدول التي فشلت في معالجة جرائم الماضي، مثل باكستان بعد فترات الحكم العسكري أو سريلانكا بعد الحرب الأهلية، ظلت تعاني دورات متكررة من الاستبداد داخل الدولة.
وإذا كان التسليم معقدًا دبلوماسيًا إلى حد كبير، فإن الهند تستطيع دعم بديل يحقق العدالة دون أن يفاقم الأزمة. ويمكنها الدفع نحو إنشاء لجنة للحقيقة والمحاسبة. وقد نجح هذا النموذج في دول خرجت من الحكم الاستبدادي، مثل جنوب أفريقيا التي استخدمته بعد نظام الفصل العنصري، وبيرو التي أنشأت لجنة مماثلة بعد ديكتاتورية ألبرتو فوجيموري. في هذا النموذج يتحول التركيز من العقوبة إلى التوثيق والاعتراف والإصلاح المؤسسي.
وبموجب هذا الترتيب، يمكن للشيخة حسينة أن تقدم شهادتها، إما بالحضور شخصيًا أو عبر بث مباشر من الهند، أمام لجنة بنغلاديش. وستكون ملزمة بالإجابة عن أسئلة تتعلق بحالات الاختفاء القسري والقتل خارج القانون وغيرها من الانتهاكات المزعومة. وبهذا ستحصل عائلات الضحايا أخيرًا على الاعتراف والمعرفة والإجابات التي طال انتظارها. وتشير أبحاث بريسيلا هاينر، الناشطة في مجال حقوق الإنسان، إلى أن لجان الحقيقة يمكن أن تساعد المجتمعات على تجاوز جراح الماضي عندما تصبح المحاكمات الجنائية مستحيلة سياسيًا، إذ تمنح الضحايا فرصة لأن تُسمع أصواتهم وأن يُعترف بمعاناتهم رسميًا.
إن المصالح الاستراتيجية للهند في بنغلاديش—من طرق التجارة، والتعاون الأمني، ومشاريع الربط والاتصال—تعتمد أساسًا على الحفاظ على الثقة مع أي جهة تحكم في دكا. وقد اكتسبت الحكومة المؤقتة بقيادة محمد يونس في الآونة الأخيرة شرعية شعبية ومصداقية دولية واضحة. إن بدء علاقة جديدة مع هذه الحكومة ثم تجاهل مطلبها الأساسي المتعلق بالمحاسبة والعدالة سيؤدي إلى تبعات تتجاوز بكثير أي مكاسب قصيرة الأمد قد تحققها الهند من إيواء الشيخة حسينة. فالاستقرار الإقليمي الحقيقي لا يتحقق عبر حماية القادة الذين سقطوا، بل عبر دعم المسارات الديمقراطية التي جاءت بحكومات جديدة إلى السلطة، وتعزيز روح التضامن بين الشعوب والدول. لقد فهمت الهند هذا المبدأ حين دعمت التحولات الديمقراطية في أماكن أخرى، ويجب أن تحظى بنغلاديش بالاعتبار نفسه. وفي النهاية، فإن قضية تسليم حسينة ليست مجرد ملف قانوني أو دبلوماسي، بل هي اختبار جوهري لطبيعة السياسة الخارجية الهندية: هل تُدار وفق مبادئ ثابتة ومتسقة، أم وفق استثناءات مريحة تمليها المصالح اللحظية؟
Related
First published in:
World & New World Journal
Alesha Mushtaq
أليشا مشتاق طالبة جامعية تبلغ من العمر 19 عامًا في جامعة لاهور للعلوم الإدارية (LUMS) في لاهور، باكستان، وتتخصص في العلوم السياسية. ولديها اهتمام كبير بالجيوسياسة والشؤون الإقليمية، وتستكشف بانتظام السياسة في جنوب آسيا من خلال القراءة المكثفة وتحليل تحديات الحكم المعاصرة.