Peace In Ukraine Remains Elusive Start Trump, Putin Alaska Arrival (9260680)

السلام في اوكرانيا لا يزال بعيد المنال

أعلن الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب نجاح قمته في ألاسكا مع فلاديمير بوتين، على الرغم من وجود أدلة متناقضة تشير إلى خلاف ذلك. وفي برنامجه على قناة “تروث سوشيال”، قال ترامب إن اتفاق السلام بشأن أوكرانيا، ليس فقط مجرد وقف إطلاق الناربل هو الطريق الصحيح للسلام، وهو ما كرره خلال محادثات لاحقة في واشنطن مع فلاديمير زيلينسكي وقادة أوروبيين. وأضاف الرئيس الأمريكي ترامب: ان من المحتمل أن تُنقذ أرواح ملايين الأشخاص. و لكن في الحقيقة ان هذا التفاؤل يبدو في غير محله.

بالنسبة للرئيس الروسي بوتين، فإن أوكرانيا ليست مجرد ورقة مساومة، بل هي أرض يراها جزءًا لا يتجزأ من الدولة الروسية وحضارتها. عندما تلتقي الرئيس الروسي بوتين مع قادة الغرب، فإنه لا يتفاوض على الأرض؛ بل يُصوّر الحرب على أنها دفاع عن الحضارة و الهوية الروسية وقيمها. ونتيجة لهذا التصور، لا يستطيع بوتين بسهولة التخلي عن الأراضي الأوكرانية او عقد صفقة تتضمن تبادل الأراضي لإنهاء الصراع.

المشروع الحضاري الروسي

بالإضافة إلى الخطاب الحضاري الذى يتصدره بوتن، تُسهم عوامل أخرى في تعنت بوتين. فالمخاوف الاستراتيجية بشأن حلف الناتو، والمخاوف على أمن النظام، والأهمية المادية لشبه جزيرة القرم والبحر الأسود، كلها تُشكل موقف موسكو. ومع ذلك، فإن لغة الحضارة تُحوّل هذه الأمور إلى مسائل تتعلق بالهوية والبقاء. فهي تدمج المصالح العملية مع المطالب الوجودية، مما يجعل التراجع عن الحرب أكثر صعوبة وقد يبدوا شبه مستحيلا. وحتى لو كانت التنازلات ممكنة على الصعيدين الأمني والاقتصادي، فإن الإطار الحضاري يُصوّره ا بوتين على أنها خيانة لمصير روسيا.

وقد مال بعض صناع القرار الأمريكيين إلى اعتبار روسيا دولةً ذات مصالح قابلة للتبادل. إلا أن بوتين لا ينظر إلى روسيا كدولة قومية فحسب، بل كحضارة متجذرة في العقيدة والإمبراطورية وذكريات القوة السوفيتية. ومن هذا المنظور، لا تُعتبر أوكرانيا جارًا أجنبيًا، بل جزءًا لا يتجزأ من تاريخ روسيا وهويتها وثقافتها، ويجب الدفاع عنها ضد التعديات الغربية.

في مقاله الصادر عام ٢٠٢١ بعنوان “حول الوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين“، زعم بوتين أن الروس والأوكرانيين “شعب واحد”، وأن أوكرانيا “جزء لا يتجزأ من تاريخنا وثقافتنا وفضائنا الروحي”. مهما كانت قناعاته الشخصية، فإن وظيفة هذه اللغة واضحة. فهي تبرر الضم والاحتلال لوسيا  لأوكرانيا، وبذلك ترفع التكلفة السياسية للانسحاب من خلال التعامل مع القضايا الإقليمية على أنها مسائل تتعلق ببقاء الحضارة.

يُصرّ بوتين على أن الغرب لا يُدرك أن أزمة أوكرانيا ليست صراعًا إقليميًا… وليست محاولةً لإرساء توازن جيوسياسي إقليمي”. بل يقول إنها مُتجذّرة في “المبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي الجديد الذى يتصدره.حيث لا يُمكن تحقيق السلام في هذا النظام الجديد إلا عندما يشعر الجميع بالأمن والأمان، ويُدركون أن آراءهم تُحترم، وان لا يُمكن لأحد أن يُجبر الآخرين، من جانب واحد، على العيش أو التصرّف كما يُريد الطرف المُهيمن، حتى لو تعارض ذلك مع سيادة… تقاليد أو عادات او الثقافة الشعوب دول الاخرى.

وبهذا الاطار الذى يتبناه بوتين يسمح للكرملين بتصوير الغرب كمعتدي يفرض معايير غريبة على الأوكرانيين الرافضين. في المقابل، يُقال إن روسيا تُقاتل من أجل نفسها نيابةً عن جميع الدول التي ترغب في نهاية الهيمنة الغربية وميلاد عالم جديد متعدد الأقطاب. علاوةً على ذلك، يُصوّر هذا التوجه وضع أوكرانيا كمسألة حضارية مرتبطة بالهوية ومقاومة المعايير الليبرالية الغربية. ونتيجةً لذلك، لا يُقبل إلا تسوية يقدمها بوتين محليًا على أنها اعتراف بمكانة روسيا الحضارية، مما يُعقّد التسوية بما يتجاوز ما تقترحه الصيغ الدبلوماسية التقليدية.

تحدياتٌ تواجه سعي ترامب للسلام

لم يُخفِ ترامب رغبته في أن يُذكر فالتاريخ على انه كصانع سلام. ومع ذلك، فهو يُعجب أيضًا بالقادة الأقوياء، وأبدى تعاطفه مع حجج ما بعد الليبرالية القائلة بأن الديمقراطية الليبرالية قد استُنفدت. تُقرّبه هذه التقاربات، على الأقل بلاغيًا، من عناصر موقف بوتين.

الإعجاب والطموح وحدهما لا يكفيان لسد الفجوة بين موقفي بوتين وترامب بشأن استقلال أوكرانيا. يُغلف بوتين الصراع على أنه وجودي، مُدافعًا عن الحضارة الروسية ضدّ التعديات الغربية. وهذا يجعل التنازل صعبًا للغاية. إذا فُهمت الحرب بهذه المصطلحات، فكيف يُمكن لموسكو إعادة الأراضي المحتلة دون تقويض ادعاءاتها الحضارية؟ كيف يُمكنها قبول أوكرانيا التي تميل نحو الاتحاد الأوروبي وليس الروسي، أو التسامح مع الوجود الأمريكي على أراضيها؟

قد يرغب ترامب في السلام، لكن بوتين ربط شرعيته برواية تُقاومه. ما لم يُتخلَّ عن هذا التغليف والتصور انها مرتبطة بالحضارة الروسية، أو يُعاد تفسيره جذريًا، سيظل أي تسوية بعيدة المنال.

اتجاه أوسع نطاقًا

“يُعدّ نهج روسيا جزءًا من نمط أوسع نطاقًا ليس توجها من بوتين فقط، حيث أصبحت الادعاءات الحضارية محوريةً في تبرير القادة من بلاد اخرى للسلطة ومقاومة التنازلات. على سبيل المثال يُصوّر شي جين بينغ الصين كحضارة عمرها خمسة آلاف عام، تشمل أراضيها تايوان وبحر الصين الجنوبي. ويُقدّم الحزب الشيوعي كحارسٍ لتراث حضاري يمتد إلى كونفوشيوس، مضيفا على النزاعات المعاصرة هالةً من الشرعية الخالدة. ويُصوّر ناريندرا مودي الهند كحضارة هندوسية عريقة تستعيد مكانتها الصحيحة بعد قرون من الهيمنة الأجنبية. كل حالة مُتميّزة، لكن الرسالة مُتشابهة: حضارتنا استثنائية، وسيادتنا مُطلقة، وقيمنا غير قابلة للتفاوض دون النظر الى وجهه النظر الأخرى

قمة مضطربة

في ظل هذه الخلفية، لم يكن من المرجح أن يُسفر اجتماع ألاسكا عن أكثر من مجرد إيماءات. قد يكون ترامب راغبًا حقًا في السلام وأن يُذكره التاريخ على انه  كقائد أنهى الحرب. ومع ذلك، فهو يتعامل مع نظيره الذي برر غزو أوكرانيا بعبارات حضارية ووجودية. بالنسبة لبوتين، أوكرانيا ليست مجرد أرض، بل رمز لهوية روسيا وسيادتها، وتُصوَّر كحصن منيع ضد التعدي الغربي. في هذا الإطار، ستنظر روسيا إلى استعادة حدود أوكرانيا، أو قبول توجهها الأوروبي، أو التسامح مع وجود أمريكي طويل الأمد في المنطقة، على أنها هزيمة مبدئية وليست تنازلات عن المصالح.

يواجه طموح ترامب لإنهاء الحرب معضلة شبه مستعصية. سترفض أوروبا تسوية تُكافئ العدوان، بينما يرفض بوتين التنازل عن أراضٍ اعتبرها جزءًا لا يتجزأ من الحضارة الروسية. تبدو مقايضة الأراضي عملية، لكنها لا تُرضي أيًا من الطرفين. إذا ظل الصراع مجمدًا، فستتمزق أوكرانيا وستبقى القضايا الأعمق دون حل. السلام يتطلب تسوية، لكن التسوية تقوض السرديات التي بنت عليها موسكو شرعيتها. ونتيجةً لذلك، ما لم يتراجع بوتين عن تغليف القضية على انها حضارية وثقافية للحرب، سيظل أي حل بعيد المنال، ومستقبل أوكرانيا يكون غامضًا.

Nicholas Morieson

الدكتور نيكولاس موريسون زميل باحث في معهد ديكين للمواطنة والعولمة، جامعة ديكين، ملبورن. وهو مؤلف ثلاثة كتب، منها “تسليح الحضارة للاستبداد: كيف تتحدى تركيا والهند وروسيا والصين الديمقراطية الليبرالية” (بالجريف ٢٠٢٥).

Ihsan Yilmaz

إحسان يلماز نائب مدير (لتطوير البحوث) في معهد ديكين للمواطنة والعولمة، وأستاذ باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة ديكين، ملبورن، أستراليا. وهو حاليًا أستاذ زائر في كلية ريجنتس بارك بجامعة أكسفورد، وباحث أول غير مقيم في المركز الأوروبي لدراسات الشعبوية (ECPS) في بروكسل.

First published in: Australian Institute of International Affairs Original Source
Nicholas Morieson

Nicholas Morieson

Default Author Image

Ihsan Yilmaz

Leave a Reply