هذا يعزّز الفكرة القائلة إن المنطقة الرمادية تمثّل مجالًا استراتيجيًا واسعًا للتنافس، في حين تُعدّ الحرب الهجينة حلًا عملياتيًا يُستخدم في كثير من الأحيان داخل هذا المجال.
الطائرات المسيّرة كأداة من أدوات الحرب الهجينة
تأثير الطائرات المسيّرة على ساحة المعركة الحديثة
في الوقت الحاضر، أثبت الصراع في أوكرانيا الدور المحوري للطائرات المسيّرة في ساحات القتال الحديثة. إذ تشير التقديرات إلى أن الطائرات المسيّرة مسؤولة عن نحو 70% من إجمالي الخسائر البشرية لدى الطرفين. علاوة على ذلك، أصبح من الصعب العثور على قوات برية تقليدية في مناطق القتال، حيث يقتصر الوجود في كثير من الأحيان على مشغلي الطائرات المسيّرة بدلًا من الجنود التقليديين.
وبالتالي، تلعب الطائرات المسيّرة في أوكرانيا دور الفاعل الأساسي في النزاع المعاصر. وخلال الحرب، تبيّن بوضوح أن هذه الطائرات فعّالة للغاية ضد معدات عسكرية أكثر تكلفة وضخامة، مثل الدبابات والطائرات. فطائرة مسيّرة لا يتجاوز سعرها ألف دولار يمكنها تدمير دبابة تُقدّر قيمتها بملايين الدولارات. والأكثر إثارة للقلق أن هذه الطائرات غير مأهولة، ما يعني تقليل الخسائر البشرية المباشرة.
ومن خلال استخدام هذه الطائرات، تمكّنت أوكرانيا من الدفاع عن حدودها دون تصعيد إضافي للصراع نحو الأجزاء الغربية من البلاد. وبالاعتماد على تكنولوجيا مدعومة بالذكاء الاصطناعي، منخفضة التكلفة وسهلة الاستخدام، استطاعت كييف مواجهة دولة يفوق حجمها 28 مرة.
الطائرات المسيّرة في أوكرانيا وسياق الحرب الهجينة الروسية
لا يزال دور الطائرات غير المأهولة (UAVs) معقّدًا؛ ففي القتال المباشر، تستخدم أوكرانيا الطائرات المسيّرة ليس بوصفها أداة هجينة بحتة، بل كسلاح انتحاري كامل القدرة لتدمير أهداف محددة، أي كسلاح تقليدي فعلي.
ومع ذلك، فإن طبيعة هذه الطائرات مزدوجة الاستخدام بطبيعتها. فبعض الطائرات المستخدمة في الحرب يمكن شراؤها عبر مواقع تجارية إلكترونية. على سبيل المثال، الطائرة التي استخدمتها أوكرانيا سابقًا «DJI MAVIC» يمكن شراؤها عبر الإنترنت بسعر يبدأ من نحو 500 دولار. وتُعدّل هذه الطائرات ميدانيًا وتُستخدم كقنابل صغيرة. وبالمقارنة مع الجانب الروسي، قام بعض الأوكرانيين بتمويل شراء الذخيرة أو الطائرات المسيّرة من أموالهم الخاصة، ما أدى إلى نشوء سوق إمداد عسكري تقوده المبادرات المدنية داخل أوكرانيا.
يُعدّ الصراع في أوكرانيا متعدد الأبعاد، حيث تتداخل الخطوط بين الاستخدام الحركي للقوة العسكرية والاستخدام غير الحركي للأصول الاستراتيجية. ومن خلال الاستخدام المتزامن للأدوات السياسية والتكنولوجية والعسكرية لتحقيق أهدافها، سعت روسيا عمدًا إلى خلق حالة من الغموض، واستغلت هذا الغموض لتأمين توافق يمهّد لأعمال عسكرية لاحقة. وقد استخدمت روسيا الأبعاد الثلاثة للغموض في الحرب الهجينة، ما لم يترك لأوكرانيا خيارًا آخر سوى القتال.
الحرب الهجينة في الاتحاد الأوروبي؟
الاستراتيجية الروسية: الحرب الهجينة وتكتيكات المنطقة الرمادية
منذ أن رسّخت الولايات المتحدة هيمنتها على الساحة العالمية، اتّسم التدخل الروسي في دول البلطيق والقرم وشرق أوكرانيا منذ عام 2007 باستخدام تكتيكات المنطقة الرمادية والحرب الهجينة.
توظّف روسيا هذه الأساليب ضد دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مستخدمةً مجموعة من أدوات الحرب السيبرانية لتحدّي هذا التحالف العسكري. ففي شبه جزيرة القرم الأوكرانية، على سبيل المثال، انخرطت روسيا في حرب هجينة عبر استخدام وكلاء من غير الدول لتعويض نقصها العسكري.
في أوروبا الشرقية، تعتمد روسيا على أدوات اقتصادية، وعلى الفضاء السيبراني لإلحاق الضرر بالبنية التحتية، إضافة إلى توظيف فاعلين من غير الدول. فعلى سبيل المثال، ألغت شركة «غازبروم» اتفاق خصم على الغاز مع إدارة يانوكوفيتش. ولاحقًا، عندما رفضت أوكرانيا القبول بالهيمنة الروسية، تعرّضت شبكة الكهرباء لهجوم أدى إلى تعطيل جزء كبير من البنية التحتية للبلاد. وتشمل مثل هذه الحوادث أيضًا مزاعم التدخل في الانتخابات الرومانية، إذ ألغت المحكمة الدستورية في رومانيا في نوفمبر 2024 نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية. وقد عرضت أجهزة الاستخبارات الرومانية أدلة تشير إلى أن عمليات سيبرانية مرتبطة بروسيا (حملات على وسائل التواصل الاجتماعي مدعومة بمعلومات مضللة قائمة على الذكاء الاصطناعي، وهجمات سيبرانية مزعومة) شوّهت العملية الانتخابية لصالح مرشح اليمين المتطرف. وفي مارس 2025، كشفت تقارير استقصائية عن جماعات موالية لروسيا استخدمت تطبيق «تلغرام» لتجنيد أفراد داخل دول الاتحاد الأوروبي لتنفيذ أعمال تخريب، وتخريب ممتلكات، وإحراق متعمد، وعمليات تأثير داخل دول حلف شمال الأطلسي. [14]
ومع تعرّض الاقتصاد الروسي للضغط، يبدو أن وتيرة مثل هذه الحوادث آخذة في الازدياد. [7]
وخلال هذه الفترة، استمرت الخطوط الفاصلة بين «الهاكتيفيزم» (النشاط القرصاني)، والجريمة السيبرانية، والأنشطة المرتبطة بالدولة في التلاشي. فمجموعات الاختراق التي كان يُميَّز بينها تاريخيًا بناءً على مستوى تطور أساليبها وتقنياتها (TTPs)، أو نوع الأنشطة التي تنفذها، أو الأهداف المنسوبة إليها، باتت تتشارك بشكل متزايد الأدوات وأنماط العمل نفسها. وقد تجلّى ذلك بوضوح في موجات هجمات الحرمان من الخدمة (DDoS) التي قادتها مجموعات هاكتيفيست موالية لروسيا خلال فترات انتخابية، حيث لوحظ تصاعد النشاط باعتباره سلوكًا نموذجيًا متوافقًا مع عمليات التأثير المعلوماتي، يهدف إلى ربط الاضطراب بأبعاد الحرب الإعلامية. ومن أبرز مظاهر هذا الاتجاه ما يُعرف بـ«الفاكتيڤيزم» (faketivism)، حيث تستغل مجموعات اختراق مرتبطة بالدولة شخصيات وأنشطة هاكتيفيست كواجهة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك مجموعة «Cyber Army of Russia Reborn» المرتبطة بشبكة «Sandworm» ذات الصلة بروسيا، وكذلك مجموعة «CyberAv3ngers» المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
وسعيًا وراء التمويل والظهور الإعلامي، اتجه بعض الهاكتيفيست إلى تبنّي برمجيات الفدية، إلى جانب هجمات الحرمان من الخدمة وتشويه المواقع. فقد استخدمت مجموعة «CyberVolk»، التي تعمل بما يتماشى مع المصالح الروسية، وروّجت لعدة سلالات من برمجيات الفدية، مثل AzzaSec وHexaLocker وParano، إضافة إلى LockBit وChaos، منذ مايو 2024. كما أطلقت مجموعة «KillSec»، التي كانت في الأصل علامة هاكتيفيست موالية لروسيا ومرتبطة بحركة Anonymous، منصتها الخاصة في يونيو 2024.
اختراقات الطائرات المسيّرة: اختبار الدفاعات وتقويض الدعم
قامت روسيا بتكييف تقنيات جديدة للطائرات المسيّرة، وهي تستخدمها الآن لاختبار وتهديد الاتحاد الأوروبي. وبالنسبة لأوروبا، يختلف استخدام الطائرات المسيّرة عن ساحات القتال المباشرة؛ إذ إن معظم الحوادث تتعلق بطائرات غير مأهولة يُزعم استخدامها لأغراض التجسس أو كوسيلة للتشتيت. وتوجد إمكانية أن تكون الطائرات المسيّرة التي تُرسل إلى الأجواء الأوروبية تهدف إلى ترهيب أوروبا، وبالتالي الضغط عليها لتقليص المساعدات العسكرية المقدّمة لأوكرانيا. ويرى بعض المحللين أن روسيا تستخدم في ذلك أسلوب «العصا والجزرة» لإجبار الاتحاد الأوروبي على وقف دعمه العسكري. [8]
وتشكّل الطائرات المسيّرة داخل الاتحاد الأوروبي عنصرًا من عناصر الحرب الهجينة: فهي منخفضة التكلفة، قابلة للإنكار، ومتعمدة الغموض. ووفقًا للتقارير، فإن الهجمات الغامضة والتهديدات الهجينة الروسية قد تجعل مستهلكي الطاقة في أوروبا أكثر عرضة للمخاطر، لا سيما خلال فصل الشتاء.
القيود الاقتصادية واستراتيجية الاستنزاف
إن الضغوط المالية التي تتعرض لها روسيا لا تقلل من طموحاتها، بل تؤثر بشكل مباشر في حساباتها الاستراتيجية. ففي الوقت الذي يحاول فيه البنك المركزي إدارة الاقتصاد، فإن التأثير التراكمي للعقوبات والنفقات العسكرية بات يشكل تحديًا حقيقيًا لقدرة الكرملين على تغطية تكاليفه. ويُظهر المواطنون الروس والشركات قدرًا من الإبداع في الالتفاف على العقوبات، إلا أن استمرار الحرب وارتفاع النفقات من المرجح جدًا أن يقوضا الاقتصاد على المدى الطويل. وللحفاظ على مستويات الإنفاق، بدأت الحكومة بالفعل في البحث عن مصادر إيرادات إضافية من خلال زيادة الضرائب والرسوم على الواردات، وإجراء تخفيضات في الميزانيات غير العسكرية. [9]
ويتفق معظم الخبراء على أن اندلاع صراع عسكري مباشر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) أمر غير مرجح للغاية، ويعود ذلك أساسًا إلى الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها روسيا. فالدولة ببساطة لا تستطيع تحمّل كلفة حرب واسعة النطاق أخرى. [9] وحتى في حال السعي إلى خوض صراع كبير مع الناتو، سيكون على روسيا أولًا توحيد قواها عبر إنهاء الحرب في أوكرانيا.
مخاطر التصعيد والمرونة الأوروبية
تشكل الهجمات الأخيرة بالطائرات المسيّرة تهديدًا خطيرًا للبنية التحتية الحيوية وقطاع الطاقة في أوروبا. وعلى الرغم من أن الحوادث الأخيرة وقعت بعيدًا نسبيًا عن الأصول الطاقوية الرئيسية، فإنها لا تزال تمثل خطرًا متعمدًا ومهمًا. وتشير التقارير إلى أن أي اضطراب محتمل في إمدادات الطاقة، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء، قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وزيادة تكاليف التدفئة، ما ينعكس سلبًا ليس فقط على الاقتصاد، بل أيضًا على الاستقرار الاجتماعي.
فعلى سبيل المثال، أدت أنشطة الطائرات المسيّرة إلى إغلاق مؤقت لبعض المطارات في الدنمارك، ما زاد من أجواء القلق العام في دول الاتحاد الأوروبي. وتشكل هجمات «المنطقة الرمادية» في أوروبا، بما في ذلك اختراقات الطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية المتكررة، والتدخل في العمليات الانتخابية، جزءًا من استراتيجية متكاملة للحرب الهجينة تهدف إلى اختبار مرونة أوروبا وجاهزيتها.
ويشير الخبير الدولي كريستو أتاناسوف كوستوف إلى أن الكرملين لا يسعى إلى غزو الغرب بقدر ما يسعى إلى استنزافه. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تحقيق النصر في أوكرانيا عبر إضعاف الغرب، باستخدام أدوات هجينة لزرع الشكوك حول قدرة الاتحاد الأوروبي والناتو على الصمود، وإحداث أعباء داخلية تجعل دعم أوكرانيا سياسيًا أقل جاذبية. [10]
في المقابل، يرى بعض الباحثين، مثل مارك غاليوتي، أن الحملات الهجينة الروسية قد بلغت حدودها؛ فهي قادرة على زعزعة الاستقرار لكنها غير قادرة على الهيمنة على الدول المرنة. [15]
ومن غير المرجح جدًا أن تتجاوز روسيا حدود الحرب الهجينة وتلجأ إلى استخدام قوات تقليدية ضد الاتحاد الأوروبي أو الناتو، نظرًا لأن ذلك غير قابل للتحمل ماليًا وسياسيًا. والتحدي المطروح أمام أوروبا واضح: مقاومة الإرهاق وإظهار القدرة على الصمود بدلًا من الخضوع للخوف. ومن المرجح أن تواصل موسكو هجماتها الهجينة، إلا أن على أوروبا أن تكون مستعدة لذلك عبر الردع، والاستقلال التكنولوجي والسياسي، والدفاع الجماعي. [11]
الخاتمة
تُعد الحرب الهجينة استراتيجية تجمع بين القوة العسكرية التقليدية والوسائل غير التقليدية لتحقيق أهداف سياسية استراتيجية. وقد نجحت حملة روسيا في أوكرانيا عام 2014 في استغلال الغموض الذي يميز هذا النموذج من الحرب الهجينة للاستحواذ على زمام المبادرة وتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية، لا سيما في شبه جزيرة القرم ومنطقة دونباس. ومن خلال الطائرات المسيّرة، والعمليات السيبرانية، والضغط الاقتصادي، تواصل موسكو تحدي الأمن الأوروبي مع البقاء دون العتبة التقليدية للصراع المباشر. وتُظهر هذه الأفعال أن الحرب الهجينة ليست بديلًا للحرب، بل حالة دائمة من المواجهة تُدار بوسائل غير مباشرة.
وبالنسبة لأوروبا، يفرض هذا الواقع تحديات استراتيجية ومالية جسيمة. فالرد على هجمات منخفضة التكلفة وقابلة للإنكار بأنظمة دفاعية باهظة الثمن غير قابل للاستدامة على المدى الطويل. لذلك، تتمثل الأولوية الأساسية للاتحاد الأوروبي في تكييف نموذج الردع، وتعزيز المرونة التكنولوجية والمعلوماتية، وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة الخارجية.
إن تطور الحرب الهجينة يثبت أن الصراعات الحديثة لم تعد تبدأ بإعلانات رسمية أو غزوات واضحة، بل تنشأ عبر الغموض، والتضليل الإعلامي، والاستخدام الصامت للتكنولوجيا. ومع استمرار روسيا في استغلال هذه المناطق الرمادية، سيعتمد استقرار أوروبا على قدرتها على التعرف المبكر على مثل هذه العمليات، والرد عليها بشكل جماعي قبل أن تبدأ المرحلة التالية من التصعيد.
ويمكن الخلوص إلى أن فلاديمير بوتين نفسه من غير المرجح أن يوقف الحرب قبل تحقيق طموحاته القصوى. وسيواصل استخدام كل الوسائل المتاحة، بما في ذلك تقويض الاستقرار الأوروبي عبر الهجمات الهجينة، بهدف إنهاك الغرب. أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فيبقى المسار المقترح هو تنويع مصادر الطاقة، وإظهار القدرة على الصمود في مواجهة الهجمات الهجينة، من أجل الحد من التحديات الأمنية والاقتصادية.