لكن بحلول منتصف سبعينيات القرن الماضي، أطلقت بيبسي حملتها الشهيرة «تحدي بيبسي»، وهي خطوة تسويقية ذكية اعتمدت على اختبارات تذوق عمياء، أظهرت أن أكثر من خمسين في المئة من الأمريكيين فضّلوا طعم بيبسي على كوكاكولا بسبب مذاقها الأكثر حلاوة. وبالطبع، أعلنت بيبسي حينها أول انتصار لها على العملاق كوكاكولا، وبدأت مرحلة صعودها الحقيقي. جاء رد كوكاكولا عبر الاعتماد على المشاهير وإطلاق دايت كولا في أوائل ثمانينيات القرن الماضي. غير أنّ مبيعات بيبسي شهدت قفزة هائلة في منتصف الثمانينيات بفضل تعاونها مع مايكل جاكسون وظهورها في عدة أفلام سينمائية مثل «العودة إلى المستقبل». في تلك الفترة، عانت كوكاكولا من أزمة هوية، لكنها سرعان ما عادت إلى جذورها، واستعادت مكانتها القوية في الصناعة من جديد.
كوكاكولا وبيبسي حول العالم
في حين أن «حروب الكولا» تبلورت أساسًا داخل السوق الأمريكية، فإن استراتيجيات التوسع العالمي لكل من كوكاكولا وبيبسي اتخذت مسارات مختلفة بمجرد وصولهما إلى الأسواق الدولية. ظهرت كوكاكولا في الأسواق الخارجية منذ أوائل القرن العشرين، إلا أن الاعتراف العالمي الحقيقي بها لم يتحقق إلا خلال الحرب العالمية الثانية. وقد تبنّت الشركة تسويقًا يرتبط بالتفاؤل الأمريكي والحداثة، وخلال الحرب أنتجت ملايين الزجاجات للجنود الأمريكيين في الخارج، ما أدى إلى تعريف المدنيين والعسكريين في أوروبا وإفريقيا وآسيا بالمشروب. هذه الاستراتيجية حوّلت كوكاكولا من مشروب محلي إلى رمز ثقافي عالمي.
أما بيبسي، فقد سلكت مسارًا أكثر انتهازية. فبعد معاناتها من أزمات مالية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، عادت العلامة بقوة عبر نهج عالمي أكثر عدوانية. بدأت عملية تدويلها عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين من خلال التصدير إلى كندا، ثم توسعت لاحقًا إلى المكسيك والبرازيل والفلبين. غير أنّ انطلاقتها العالمية الحقيقية جاءت خلال فترة الحرب الباردة، خاصة بعد اندماجها مع شركة فريتو-لاي وتنويع محفظة منتجاتها.
بحلول عام ألفين وأربعة وعشرين، حققت شركة بيبسيكو إيرادات صافية بلغت اثنين وتسعين مليار دولار، في حين نمت إيرادات كوكاكولا بنسبة ثلاثة في المئة لتصل إلى سبعة وأربعين فاصل واحد مليار دولار في العام نفسه. ولم تعد منتجات الشركتين تقتصر على المشروبات الغازية التقليدية، بل شملت أيضًا مجموعة واسعة من المشروبات والأغذية. ومع ذلك، وعلى الرغم من هيمنتهما المشتركة في أكثر من مئتي دولة، فإن مستوى تقبلهما يختلف من بلد إلى آخر تبعًا للمواقف السياسية والثقافية والدينية المحلية.
دور الجيوسياسة: القوة الناعمة، العقوبات، الحروب، المخاطر والفرص
كما ذُكر سابقًا، تتمتع العلامتان بشهرة عالمية واسعة، إلا أن من المهم الإشارة إلى أن حضورهما في مناطق مختلفة من العالم لم يتشكل فقط بفعل الإعلانات التجارية أو الاستراتيجيات التسويقية، بل تأثر بدرجة كبيرة بعوامل جيوسياسية وأطراف أخرى. وسأوضح ذلك بمزيد من التفصيل.
في حالة كوكاكولا، وخلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، ربط كثير من الناس خارج الولايات المتحدة هذا المنتج بالثقافة الأمريكية، حيث أصبحت كوكاكولا رمزًا للقوة الناعمة الأمريكية والعولمة. وقد تجلّى ذلك بوضوح في الإعلانات الحربية التي أظهرت الجنود وهم يستمتعون بشرب الكوكاكولا، مرفقة بعبارات شائعة مثل «جمع الشعوب والأمم معًا» (إدلشتاين، 2013).
في المقابل، اعتمدت بيبسي على استراتيجية اجتماعية-ثقافية مختلفة، مستخدمة ثقافة البوب الأمريكية كمدخل لجذب الانتباه عالميًا. فقد ارتبطت العلامة بأسماء أيقونية مثل مايكل جاكسون، ومادونا، وبريتني سبيرز، وبيونسيه، وغيرهم (كالغوتكار، 2024). كما ركّز تسويق بيبسي على الموسيقى والشباب وروح التمرد، ما منحها جاذبية أكثر نعومة وطموحًا.
غير أن هذه الرمزية الثقافية والأيديولوجية جعلت الشركتين أيضًا عرضة لردود فعل سياسية سلبية، وأسهمت إلى حد كبير في تشكيل سمعتهما وحضورهما في بعض مناطق العالم.
في خمسينيات القرن الماضي، صاغت فرنسا مصطلح «الكوكا-كولنة» للتنديد بالنفوذ الأمريكي. وخلال الحرب الباردة، أصبحت كوكاكولا رمزًا للرأسمالية في نظر كثيرين، ما أدى إلى حظرها في الاتحاد السوفيتي، وهو ما استغلته بيبسي لتعزيز وجودها هناك. ولاحقًا، مع سقوط جدار برلين، تحولت كوكاكولا إلى رمز للحرية (هيبلثويت، 2012). إلا أن أبرز رد فعل جيوسياسي تمثل في مقاطعة جامعة الدول العربية للعلامة بين عامي 1968 و1991 من قبل منظمة ضمّت ثلاث عشرة دولة، بسبب قرار كوكاكولا العمل في إسرائيل في وقت كانت فيه الأراضي الفلسطينية تحت الاحتلال. وقد استفادت بيبسي من هذا الغياب، ورسّخت مكانتها في الأسواق العربية.
وإلى جانب مقاطعة جامعة الدول العربية، توجد حالات أخرى أدت فيها العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على دول مختلفة إلى ضعف أو انعدام مبيعات هذه المنتجات، كما حدث في ميانمار، وكوريا الشمالية، وكوبا، والاتحاد السوفيتي سابقًا. كما أن احتجاجات وحظرًا متقطعين في دول مثل إيران وفنزويلا وتايلاند (هيبلثويت، 2012) أثّرت أيضًا على العلامتين في مراحل مختلفة من التاريخ، وأسهمت في تكوين صور ذهنية متباينة عنهما داخل المجتمعات، سواء كانت إيجابية أو حيادية أو سلبية.
وبالانتقال إلى الوقت الحاضر، ومع اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، عاد الضغط على العلامتين في منطقة الشرق الأوسط. فقد اتُّهمت كوكاكولا، التي تمتلك مصنعًا في مستوطنة غير قانونية في القدس الشرقية داخل المنطقة الصناعية عطروت، بالتواطؤ وانتهاك القانون الدولي، فضلًا عن «ارتباطها» بالجيش الإسرائيلي. وأدى ذلك إلى إدراجها ضمن قائمة المقاطعة التابعة لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، ما أسفر عن احتجاجات وانتشار المقاطعة في دول أخرى ذات أغلبية مسلمة. وبالفعل، انخفضت المبيعات بشكل حاد في عدد من دول المنطقة، مثل مصر وبنغلاديش (Boycott Times، 2025).
أما بيبسي، فعلى الرغم من تمتعها بحضور قوي في أسواق الشرق الأوسط بُني خلال الفترة التي غابت فيها كوكاكولا بسبب مقاطعة 1968-1991، فقد تأثرت هي الأخرى بالحرب في غزة وحملات المقاطعة في المنطقة. إذ أفادت شركة بيبسيكو بحالة ركود في نمو المشروبات في كل من مصر ولبنان وباكستان، مقارنة بمعدلات نمو تراوحت بين 8 و15 في المئة في العام الذي سبق اندلاع الحرب (أواستي، 2024).
أدّت مقاطعة هذه العلامات التجارية الأمريكية في الشرق الأوسط وبعض الأسواق ذات الأغلبية المسلمة إلى خسائر كبيرة في أسواق الأسهم وفي حجم المبيعات نفسها. فعلى سبيل المثال، أفادت تقارير بأن مبيعات كوكاكولا انخفضت بنسبة 23٪ في بنغلاديش، وبأكثر من 10٪ في مصر، مع تقديرات تشير إلى خسارة إقليمية في الإيرادات بنحو 7٪ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وقد تحولت خسائر العلامات الأمريكية إلى فرصة للعلامات التجارية المحلية، مثل «كولا نكست» و«باكولا» في باكستان، حيث ارتفعت حصتهما السوقية من 2.5٪ إلى نحو 12٪ بعد المقاطعة (The Economic Times، 2024)، وكذلك «كنزا» القطرية و«V7» المصرية، اللتين حققتا نموًا في الحصة السوقية وصل إلى 40٪، وزيادة في الصادرات بلغت نحو 350٪، مستفيدتين من توجه المستهلكين نحو البدائل المحلية (The Economic Times، 2024؛ أواستي، 2024؛ CBC، 2024). وحتى في الضفة الغربية، تمكنت المشروبات الفلسطينية مثل «تشات كولا» من ترسيخ حضورها في السوق، محققة نموًا في المبيعات تجاوز 40٪ في عام 2023 مقارنة بالعام السابق (Associated Press، 2025).

لم تقتصر المقاطعات على كوكاكولا وبيبسي فقط، بل تأثرت أيضًا شركات أخرى مثل ماكدونالدز وستاربكس في المنطقة، لأسباب متشابهة أو حتى للسبب نفسه. والأكثر من ذلك، في كندا برز مثال لافت يتمثل في تغيير اسم قهوة “أمريكانو” إلى “كندِيانو”، كردّ فعل على التوترات الاقتصادية والسياسية التي تطورت في وقت سابق من هذا العام بين كندا والولايات المتحدة (Barista Magazine، 2025).
ورغم هذه المقاطعات، لا تزال كوكاكولا وبيبسيكو تمتلكان قاعدة راسخة في المنطقة، وقد سعتا إلى إيجاد فرص للاستمرار من خلال الاستثمارات أو تبني استراتيجيات جديدة. فعلى سبيل المثال، استثمرت كوكاكولا 22 مليون دولار في تحديث التكنولوجيا في باكستان، بينما أعادت بيبسيكو طرح مشروب “تيم” في باكستان مع عبارة “صُنع في باكستان” مطبوعة على العبوة (Shahid، DiNapoli & Saafan، 2024). وبشكل عام، تحاول الشركتان الحفاظ على وجودهما واختراق الأسواق والتوسع فيها، معتمِدَتَين بشكل كبير على شركات التعبئة المحلية كأداة أساسية لتحقيق هذه الأهداف، من خلال بناء تحالفات مع شركات محلية، إلى جانب الابتكار وتجربة منتجات جديدة في المنطقة.
الخلاصة
إن المقاطعة الحالية لكوكاكولا وبيبسي في أنحاء الشرق الأوسط والدول ذات الأغلبية المسلمة ليست مجرد انعكاس لغضب سياسي، بل تمثل نافذة توضح كيف يمكن للجغرافيا السياسية أن تعيد تشكيل اقتصادات المستهلكين بشكل مباشر. فما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه رمز للعولمة الغربية والجاذبية الثقافية، أصبح اليوم علامة على الهوية السياسية والقومية الاقتصادية.
في مجتمع تحركه النزعة الاستهلاكية، حيث يُقاس النجاح غالبًا بمدى ما يملكه الفرد، يميل الناس إلى الاهتمام أقل بالقيم الإنسانية الحقيقية مثل الحب واللطف والاحترام والتعاطف (MET، 2022). والمفارقة أن هذا المنطق يبدو اليوم معكوسًا؛ إذ أصبح مقاطعة العلامات التجارية الغربية بالنسبة لكثير من المستهلكين خيارًا أخلاقيًا، بل وفعلًا من أفعال التضامن والتمكين.
وبعيدًا عن الجوانب الاقتصادية، تعكس المقاطعة أيضًا استجابة نفسية وثقافية. فبالنسبة لكثير من المستهلكين في الشرق الأوسط، أصبح اختيار ما يشربونه فعلًا رمزيًا يعبر عن الهوية والمقاومة والتعاطف. إن تجنب علامات مثل كوكاكولا وبيبسي يمنح شعورًا بالقدرة على الفعل والوحدة مع فلسطين، محولًا الاستهلاك اليومي إلى تعبير عن وعي سياسي.
ورغم أن الشركتين لا تزالان قادرتين على الصمود وتواصلان الاستثمار بكثافة في الأسواق المحلية، فإن التحديات التي تواجههما تتجاوز الخسائر قصيرة الأجل. فصعود العلامات المحلية مثل V7 وكنزا وكولا نكست يسلط الضوء على تحول إقليمي أعمق، حيث لم يعد المستهلكون يكتفون بردّ الفعل على السياسة، بل يعيدون تعريف الولاء على أساس الأخلاق والهوية والسيادة.
وعلى المدى الطويل، قد تُسهم هذه الظاهرة في تسريع إقلمة الأسواق، مع ازدياد ثقة المنتجين المحليين، واضطرار الشركات متعددة الجنسيات إلى التكيف من خلال احترام الحساسيات الثقافية، وبناء شراكات محلية حقيقية، وضمان الشفافية في سلاسل التوريد الخاصة بها.
وفي النهاية، تُظهر قصة كوكاكولا وبيبسي في الشرق الأوسط أن القوة الناعمة في عالم اليوم المترابط لم تعد تصديرًا أحادي الاتجاه، بل أصبح سلوك المستهلك نفسه شكلًا من أشكال الدبلوماسية، قادرًا على مكافأة الشمول أو معاقبة التواطؤ.