تواجه الولايات المتحدة حالة من الاستقطاب السياسي المتزايد مع مرور الوقت. فأي حدث يحدث داخل البلاد ينتهي بإبراز الاستقطاب الحاد بين القطبين السياسيين، أي بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي. ونتيجة لذلك، يُعمّق مؤيدو كل جانب الانقسام داخل المجتمع إلى حدّ يجعل البعض يبرّر العنف كوسيلة للفعل السياسي. وقد أصبحت التوترات الاجتماعية والبيئة المستقطبة واضحة إلى درجة أن رئيس الوزراء الروسي الأسبق ديمتري مدفيديف صرّح بأن العقوبات المفروضة على روسيا قد تستمر إلى الأبد، أو إلى أن تنهار الولايات المتحدة في حرب أهلية وشيكة (فينيغاس، ٢٠٢٤).
وقد ظهر انعكاس هذا الاستقطاب بشكل واضح عندما تم اغتيال الناشط اليميني تشارلي كيرك، فاحتفل بعض المتعاطفين مع اليسار بموته. ومن جهته، صرّح الرئيس دونالد ترامب بأن “مشكلة العنف مصدرها اليسار” (البيت الأبيض، ٢٠٢٥). كذلك نشر إيلون ماسك على حسابه في منصة “إكس”: “اليسار هو حزب المتسبب فى القتل” (ماسك، ٢٠٢٥). أما المؤثر اليميني أندرو تايت فكتب: “حرب أهلية” (تايت، ٢٠٢٥). لكن حتى قبل اغتيال كيرك، كان الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة والحديث عن احتمال اندلاع حرب أهلية في تزايد كبير.
أظهرت دراسة نُشرت عام ٢٠٢٤ أن نحو شخص واحد من كل عشرين مشاركًا يوافق بشدة على ان في السنوات القادمة ستقع حرب أهلية في الولايات المتحدة. كما أظهرت أن واحدًا من كل خمسةٍ وعشرين ممن وافقوا بشدة على احتمال وقوع حرب أهلية، وافق أيضًا على أن البلاد تحتاج إلى حرب أهلية لتصحيح الأوضاع” (وينتميوت وآخرون، ٢٠٢٤). وأكدت دراسة أخرى أن واحدًا من كل خمسة أمريكيين يرى أن العنف بدوافع سياسية مبرَّر أحيانًا على الأقل. ونتيجة لذلك، يتوقع نحو نصف السكان نشوب حرب أهلية، وكثيرون مستعدون للتخلي عن الديمقراطية مقابل زعيم قوي (بيريث، ٢٠٢٢). وفي استطلاع حديث لشبكة “بي بي إس”، قال ثلاثون بالمئة من الأمريكيين إنهم يفكرون في استخدام العنف “لإعادة البلاد إلى المسار الصحيح”. وهذا يوضح تزايد تأييد العنف مقارنة بما قبل ١٨ شهرًا، حين عبّر ١٩٪ فقط عن الرأي نفسه (لوفمان، ٢٠٢٥).
عندما انضمت الباحثة باربارا وولتر إلى مهمة “فريق عمل عدم الاستقرار السياسي” في الحكومة الأمريكية، توصّل الفريق إلى عاملين أساسيين يتوقعان أين يمكن أن تنشأ حالة عدم استقرار سياسي وحرب أهلية محتملة. أولًا، يعتمد الأمر على ما إذا كانت الدولة شبه ديمقراطية— أي ليست ديمقراطية كاملة ولا نظامًا استبداديًا كاملًا، بل في منطقة وسطى. فالدول الأكثر عرضة للحروب الأهلية هي تلك التي تنتقل بسرعة من طرف سياسي إلى آخر. فعلى سبيل المثال، عندما دخلت الولايات المتحدة إلى العراق وأسقطت نظام صدام حسين وحاولت تأسيس ديمقراطية، لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى اندلعت حرب أهلية في البلاد. ويمكن أن يحدث العكس أيضًا: أي عندما تنتقل دولة من الديمقراطية إلى نظام أقل ديمقراطية (وولتر، ٢٠٢٢).
العامل الثاني هو شحن المواطنين على أساس الهوية — العرق، أو الدين، أو الانتماء الاجتماعي. فإذا ظهرت هاتان الظاهرتان في دولة ما، تُعدّ دولة عالية المخاطر من حيث اندلاع العنف السياسي. وقد فوجئت وولتر عندما وجدت أن هذين العاملين يظهَران داخل الولايات المتحدة بسرعة كبيرة. فقد تأثرت الديمقراطية بعد أن رفض ترامب الاعتراف بهزيمته في انتخابات ٢٠٢٠، ونزل آلاف المواطنين إلى الشوارع احتجاجًا على المصادقة على نتائج الانتخابات. ثم جاء اقتحام مبنى الكونغرس من قبل مؤيدي ترامب (ماونك، ٢٠٢١). ونتيجة لذلك، صُنّفت البلاد كدولة “شبه ديمقراطيه”. وعندما تصل دولة ما إلى هذه المرحلة، فإن خطر العنف السياسي يبلغ ذروته، مما يجعل احتمال الحرب الأهلية أعلى بكثير.
يمكن رؤية موازاة ذلك في إجراءات ترامب خلال إدارته الحالية؛ فقد أظهر تحليل لوكالة الأنباء الأمريكية أن ثلاثين من أصل مئة وخمسين أمرًا تنفيذيًا أصدرها ترامب استندت إلى سلطات طارئة، وهو معدل أعلى بكثير من أسلافه. وبهذه الطريقة، استخدم ترامب سلطاته الطارئة لتجاوز الكونغرس ودفع أجندته السياسية (تاو وآخرون، ٢٠٢٥).
لكن محكمة الاستئناف الأمريكية قضت بأن معظم الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب “باطلة لمخالفتها القانون”، وأن فرض الرسوم هو “سلطة أساسية للكونغرس” (ماتزا وزورشِر، ٢٠٢٥). وردّ ترامب على ذلك بكتابة منشور على منصة “تروث سوشيال” قال فيه: “أصدرت محكمة الاستئناف اليوم حكمًا خاطئًا، لكن الولايات المتحدة ستنتصر في النهاية” (المصدر نفسه). وبذلك، لم يدخل ترامب في صراع مع الكونغرس فحسب، بل أيضًا مع السلطة القضائية التي تتعارض مع توجهات سياسته الخارجية “أمريكا أولًا”.
كما حذّرت القاضية إيلينا كاغان من أن الأغلبية المحافظة في المحكمة العليا سمحت لترامب بتنفيذ إحدى سياساته دون الوقت المعتاد لمراجعة قانونيتها. فمنذ عودته إلى منصبه لولاية ثانية، نظرت المحكمة في ٢٣ قضية طارئة تتعلق بسياساته، ووقفت إلى جانبه كليًا أو جزئيًا في ٢١ منها (تشونغ، ٢٠٢٥). وهذا يعني السماح للسلطة التنفيذية بالمضي في سياساتها قبل التأكد من قانونيتها، مما قد يُضعف الكونغرس والقضاة الفدراليين الذين أصدروا أحكامًا ضده.
وعندما اندلعت احتجاجات في لوس أنجلوس بسبب تنفيذ قوانين الهجرة، أرسل ترامب ألفين من عناصر الحرس الوطني. وقد أدى ذلك إلى توتر شديد مع حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم، الذي قال: “هذا لا يتعلق بالأمن العام، بل بإرضاء غرور رئيس خطير”. بينما ردّ ترامب بأنه سيعتقل الحاكم لو كان “مسؤولًا عن الحدود”. وكتب نيوسوم لاحقًا منشورًا في “إكس”: “التحريض على العنف، خلق الفوضى، عسكرة المدن، واعتقال الخصوم — هذه أفعال دكتاتور لارضاء الغرور لرئيس، لا رئيس دولة” (نيوسوم، ٢٠٢٥). أدى هذا الصراع إلى تأجيج الانقسام داخل كاليفورنيا بين التوجه الفدرالي وتوجه الولاية.
في عام ٢٠١٧، ذكر الخبير كيث ماينز أنه إذا اندلع عنف واسع داخل الولايات المتحدة واضطُر الحرس الوطني للتدخل، فإن احتمال نشوب حرب أهلية يبلغ ستين بالمئة. واعتبر ذلك نتيجة لعوامل مثل الاستقطاب العميق، واستسهال العنف لحل النزاعات، وضعف المؤسسات، وضعف القضاء والصحافة. وبرأيه، قد يكفي حدث واحد لإشعال صراع داخلي واسع. ومن هذه الأحداث المحتملة: عزل الرئيس، هجوم إرهابي كبير، ركود اقتصادي تُلقى فيه اللائمة على مجموعات معينة، أو حرب خارجية تسير بشكل سيئ وتُفاقم الانقسام الداخلي (ريكس، ٢٠١٧).
وفي عام ٢٠١٩، قالت المؤرخة نينا سيلبر إن من علامات اندلاع حرب أهلية هو استعداد الجماهير لممارسة العنف ضد خصومهم السياسيين. وقالت: “هذا ما حدث في ستينيات القرن التاسع عشر — رأى الناس خصومهم السياسيين كأعداء لا يمكن التفاهم معهم” (جامعة بوسطن، ٢٠١٩). وفي هذا الإطار، فإن احتمال الحرب الأهلية يظهر بوضوح خلال الأحداث التي تسبق المواجهة المسلحة، حيث يلجأ الفاعلون السياسيون إلى التهديد بالعنف ضد خصومهم. ويكون الحدث المفجّر هو اندلاع عنف واسع النطاق بدافع الخوف أو الغضب أو الرغبة في الانتقام.
وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن الحرب الأهلية ليست حتمية في الولايات المتحدة، لكنها احتمال واقعي إذا استمرت حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي، وجرى تطبيع العنف كوسيلة لحل الصراعات. وفي ظل التوترات الجيوسياسية، سيؤثر ذلك على العالم كله، لكون الدولار هو العملة الاحتياطية العالمية، ولأن الولايات المتحدة ما تزال القوة الدولية الأولى. ولذلك، قد يؤدي عدم الاستقرار السياسي في الولايات المتحدة إلى “تأثير الدومينو” على مستوى عالمي. وإذا اندلعت حرب أهلية فيها، ستضعف البلاد إلى درجة تترك فيها فراغًا في القوة الدولية — وهو ما قد يسعى تجمع “بريكس”، بقيادة الصين وروسيا، إلى استغلاله لإعادة تشكيل النظام الدولي.
