ما أظهرته سنوات الحرب في أوكرانيا هو أنه، رغم النظر إليها في البداية بوصفها ضحية لعدوان روسي غير قانوني، فقد تمكنت أوكرانيا من تطوير عدد من مشاريع الدفاع والأمن الناجحة التي يمكن أن تقدم الآن دروساً مهمة للدول الأخرى التي تواجه تهديدات أمنية.
منذ عام 2014، ومؤخراً منذ عام 2022، كانت أوكرانيا في قلب الأحداث، وللأسف لأسباب سلبية. فقد بدأ الغزو الروسي لمناطق شرق أوكرانيا، لوغانسك ودونيتسك، واحتلال شبه جزيرة القرم عام 2014، في إطار ما عُرف بـ“الحرب الهجينة”، وهو ما يُظهر التاريخ أنه تحول إلى نوع من استرضاء المعتدي، قبل أن يتطور إلى غزو شامل منذ عام 2022. ووفقاً لخطط المعتدي التي اتسمت بسوء تقدير كبير، كان من المتوقع القضاء على استقلال أوكرانيا خلال أيام قليلة. إلا أن أوكرانيا لا تزال صامدة وتقاتل إحدى أقوى خمس قوى عسكرية في العالم، بدعم من شركائها، وهي الآن في عامها الرابع من الحرب الشاملة. وبالنسبة لمن يعرف تاريخ أوكرانيا جيداً، فإن هذا ليس مفاجئاً. لكن ما هو الوضع الآن، وما الذي تم تعلمه من هذه الحرب؟ وما الدروس التي يمكن لأوكرانيا أن تقدمها للعالم؟
اتساع نطاق الحرب
بعد مرور أكثر من اثني عشر عاماً على بداية الحرب الروسية ضد أوكرانيا، تغير فهم طبيعتها وتداعياتها على المنطقة والعالم بشكل كبير، بما في ذلك دول بعيدة مثل أستراليا. ففي الفترة بين 2014 و2022، كان يُنظر إليها في البداية على أنها صراع محلي بين قوات انفصالية مدعومة من روسيا في شرق أوكرانيا، إلا أن هذا التفسير لم يعد صالحاً. فقد توسع نطاق الحرب بشكل كبير، سواء من حيث خطوط المواجهة في الشرق والجنوب أو امتدادها عبر مساحة جغرافية واسعة لدولة تُعد من أكبر دول أوروبا. وعلى الرغم من حالة الجمود الحالية في أجزاء كبيرة من الجبهة، فإن خط المواجهة يمتد لمسافة تصل إلى 1200 كيلومتر، بينما يهدد القصف الجوي الروسي بقية أنحاء أوكرانيا بضربات يومية، تشمل صواريخ بعيدة المدى وقنابل انزلاقية وأنواعاً مختلفة من الطائرات المسيّرة. وقد بلغ حجم هذه الهجمات مستوى غير مسبوق، حيث تم إطلاق أكثر من 700 طائرة مسيّرة وصاروخ في يوم واحد بتاريخ 8 يوليو 2025. وقد أتاح هذا التصعيد اعتماد روسيا على الطائرات المسيّرة الإيرانية، إضافة إلى قدرتها على الالتفاف على العقوبات الدولية عبر مكونات من كوريا الشمالية وسلاسل إمداد صينية.
وفي شتاء عام 2025، ومع غياب أي اختراق واضح على خطوط الجبهة، لجأت روسيا إلى تكتيك آخر يستهدف السكان المدنيين بشكل مباشر. ففي الوقت الذي تواصل فيه القوات الروسية قصف المدن والمناطق القريبة من خطوط القتال بلا هوادة، اختارت خلال السنوات الأخيرة، وخاصة في هذا الشتاء، تدمير البنية التحتية للكهرباء والخدمات بشكل منهجي في مختلف أنحاء البلاد، بما في ذلك المدن الواقعة في أقصى الغرب. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تجميد السكان المدنيين وجعل الحياة في المدن المكتظة غير محتملة، بما يشكل أداة للحرب النفسية تهدف إلى تقويض إرادة المجتمع في مواصلة المقاومة. وبسبب الحجم الهائل للضربات والقصف، كان الوضع هذا الشتاء قاسياً بشكل خاص، حيث تُرك الآلاف دون تدفئة ومع تقنين في الكهرباء، في وقت انخفضت فيه درجات الحرارة إلى ما بين –25 و–30 درجة مئوية.
أمن أوكرانيا في زمن الحرب وخبراتها في تكنولوجيا المعلومات
ما أظهرته سنوات الحرب في أوكرانيا هو أنه، رغم النظر إليها في البداية بوصفها ضحية للعدوان الروسي غير القانوني، فقد طوّرت أوكرانيا عدداً من مشاريع الدفاع والأمن الناجحة التي يمكنها اليوم تقديم دروس مهمة للدول الأخرى التي تواجه تهديدات أمنية. ومن بين العديد من الابتكارات، اكتسبت أوكرانيا خبرة في اعتراض الطائرات المسيّرة، وأنظمة بيانات ساحة المعركة، والدفاع السيبراني والحرب الإلكترونية، وحماية البنية التحتية للطاقة والخدمات، وإزالة الألغام. وبعد أسابيع قليلة فقط من اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، ازدادت أهمية خبرة أوكرانيا في تكتيكات الحرب الحديثة للأمن العالمي، إذ أصبحت أول دولة في العالم تشارك بيانات ساحة المعركة المفتوحة مع حلفائها.
وقد أظهر القطاع الزراعي الأوكراني قدرة لافتة على الصمود خلال الحرب. فبينما تحولت أجزاء كبيرة من مناطق إنتاج الحبوب ودوّار الشمس في الشرق والجنوب إلى ساحات قتال أو بقيت تحت الاحتلال المؤقت، شارك صغار المزارعين وكبريات الشركات الزراعية في جهود إزالة الألغام. وبالتعاون مع شركائها، تمكنت أوكرانيا من إعادة توجيه صادراتها الزراعية بعد أن أغلقت روسيا موانئها على البحر الأسود في المراحل الأولى من الغزو الشامل. وعلاوة على ذلك، وبفضل تطويرها طائرات مسيّرة بحرية محلية الصنع، إلى جانب صواريخ “ستورم شادو” البريطانية-الفرنسية، استطاعت أوكرانيا إلحاق الهزيمة بأسطول البحر الأسود الروسي من خلال تدمير أكثر من 25 سفينة حربية روسية. ولم تسمح هذه الإجراءات بكسر الحصار وفتح ممر للحبوب فحسب، بل ساهمت أيضاً في الحفاظ على الأمن الغذائي في الدول الإفريقية. وعلى الرغم من الحرب وحظر المفوضية الأوروبية لمبيعات الحبوب الأوكرانية في عام 2022، تمكنت أوكرانيا من البقاء واحدة من كبار مصدري المنتجات الزراعية في العالم.
يمكن لحرب أوكرانيا أن تقدم دروساً مهمة حول تعبئة المجتمع ودور مؤسسات الدولة التي تواصل العمل وتقديم الخدمات العامة في ظل ظروف غير مسبوقة. ورغم أن صمود الجنود الأوكرانيين والمجتمع، الذي يمكن وصفه بدقة أكبر بأنه ضرورة مدنية، أصبح اليوم مصطلحاً شائعاً، فإن أوكرانيا قادرة على تعليم العالم كيفية الصمود في وجه المعتدي باستخدام تكتيكات وأدوات الحرب الحديثة. وبعبارات بسيطة، يمكن لأوكرانيا أن تعلّم العديد من الدول كيفية الاستعداد لحالات الطوارئ، وتنظيم إجلاء العسكريين والمدنيين من مناطق الخطوط الأمامية، وتقديم الدعم الإداري والاجتماعي للنازحين داخل البلاد وخارجها.
أوكرانيا كقوة أمنية إقليمية جديدة
بينما تدخل الحرب الشاملة عامها الخامس بالفعل، فقد تحققت العديد من هذه التطورات خلال إطار زمني قصير بشكل لافت، خاصة عند مقارنتها بالجداول الزمنية المؤسسية المطلوبة في دول أخرى خلال أوقات السلم.
لا يهدف هذا المقال إلى تقديم سرد احتفالي. بل يسعى إلى إظهار كيف أن خطة عدوان أسيء تقديرها بشكل كبير قد أتاحت، بشكل متناقض، لأوكرانيا أن تبرز كفاعل أمني مهم في أوروبا، وقوة أمنية جديدة، ومركز سريع التطور للابتكار الدفاعي، بما في ذلك من خلال شراكات دولية كبرى. ومع ذلك، فإن ثمن هذه الخبرة باهظ للغاية، يُقاس بآلاف الأرواح البشرية التي فُقدت وملايين النازحين داخلياً واللاجئين. ولا ينبغي اختزال التجربة التي اكتسبتها أوكرانيا بشق الأنفس إلى مجرد “مختبر” للحروب العالمية، إذ إن وراء ذلك حياةً حقيقية.
