shutterstock 2368263527

من فيرست لندن إلى قدباك: صعود وسقوط إمبراطورية محتال

١. الوعد والخديعة
في صيف عام ٢٠٠٩، بدأ اسم راسل ستيفن كينغ يتردد في أوساط كرة القدم الإنجليزية كما لو أنه صانع معجزات. كان رجل أعمال أنيقًا، لبقًا، سريع الكلام وبابتسامة جاهزة، ويبدو أنه يعد بالمستحيل: عصر ذهبي من الثراء لأندية كرة القدم، وللبنوك، بل وحتى لدول كاملة. ولم يتوقع أحد أن وراء البدلات المفصّلة والكلام المعسول يختبئ واحد من أكثر المحتالين جرأة في العقود الأخيرة.

وُلد كينغ في ١١ أبريل ١٩٥٩، وكان يملك السيرة “المثالية” — أو على الأقل السيرة التي روّجها عن نفسه. قدّم نفسه على أنه عبقري مالي، ورجل حلول يملك صلات “ملكية”، ويدير صفقات سلع بمليارات الدولارات كما لو كان لاعب شطرنج محترفًا. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا: إمبراطوريته لم تُبنَ على صفقات ذكية بقدر ما قامت على الدخان والمرايا والحسابات الخارجية. كانت الشركات تظهر فجأة كما تنبت الفِطر بعد المطر، وتُنسَج شبكات لا وجود لها إلا في البيانات الصحفية والكتيبات اللامعة، وتُقدَّم وعود فارغة مثل رصيده البنكي — على الأقل ذلك الرصيد الذي كان يعرضه للعالم.

ومع ذلك، كان الرجل يمتلك موهبة خاصة في الإقناع. كان الناس يريدون تصديق كينغ. وكلما كانت ادعاءاته أكثر جرأة، صار من الصعب مقاومة سحر المخططات الضخمة: صفقات متعددة الجنسيات، اتفاقات عابرة للحدود، بل وحتى همسات عن نفوذ سياسي. كانت خدعة متقنة بكل معنى الكلمة. وبينما اصطف مصرفيون ومالكو أندية وسياسيون لمصافحته، كان كينغ يبني في الخفاء بيتًا من ورق بالغ التعقيد، إلى درجة أن القليلين فقط استطاعوا تخيّل سرعة سقوطه — أو مدى دراميته. ذلك المستقبل الذهبي الذي باعه للناس لم يكن موجودًا أصلًا؛ لم يكن سوى وهم آخر ملفوفًا داخل بذلة رسمية.

٢. بناء الوهم — «الشركة السويسرية لحيازة السلع»، و«قدباك»، ووعد المليارات

بحلول عام ٢٠٠٨، كان راسل كينغ قد وجد ملعبه الحقيقي، ولم يكن يلعب لعبة صغيرة. هنا ظهرت «الشركة السويسرية لحيازة السلع» بوصفها المسرح الكبير لأضخم عرض على الإطلاق. ما الفكرة التي قدّمها؟ أن بإمكان المستثمرين شراء حصص في “كنوز” كوريا الشمالية “الهائلة” من الذهب والحديد والمعادن النادرة. أما القيمة المقدّرة لتلك الشركة، بحسب روايته، فكانت رقمًا يصعب تصديقه: تريليونا دولار أميركي. نعم، تريليون بحرفه الكامل. ووفقًا لكينغ، كانت هذه الثروات محمية خلف امتيازات تعدين حصرية داخل واحدة من أكثر دول العالم انغلاقًا وسرّية. ومنطقياً، كان ينبغي أن يصرخ هذا العرض منذ البداية: “إشارة خطر!” لكن كينغ امتلك السحر، والحكاية المصقولة، والقدرة على تغليف العبث في ثوب يبدو معقولًا.

وبالطبع، لم يكن الأمر سوى دخان ومرايا. فخلف العروض البراقة والجداول اللامعة كانت تختبئ متاهة من شركات خارجية وأسماء واجهة، مجرد بيادق في لعبة شطرنج معقدة نسجها كينغ بدقة. كل مشروع جديد كان خيطًا إضافيًا في شبكته، ووهمًا جديدًا يقدّمه للعالم كي يُعجب به. وبحلول عام ٢٠٠٩، دخلت «قدباك للاستثمارات» ومعها شركتها التابعة «مونتو للتمويل» إلى المشهد، حاملة الكلمات السحرية المعتادة: “مليارديرات عرب” و“رأس مال من الشرق الأوسط”. ابتلع المستثمرون الطعم بسهولة، مبهورين بحكايات الثروة الغامضة والإمبراطوريات الواسعة، من دون أن يدركوا أن المحرّك الحقيقي خلف الستار لم يكن سوى كينغ نفسه.

ولم يتوقف كينغ عند هذا الحد. فقد أغرته ساحة المال في لندن، فاستعمل الحيل ذاتها بفعالية قاسية لا تعرف الرحمة. وكان «بنك فيرست لندن» هو الهدف التالي. ومن خلال معاملات ضبابية، وحصص وهمية، وبراعة أنيقة في الخداع، ادّعى كينغ امتلاكه نسبة ٤٩٪ من البنك. وظل مصرفيون ومدققون ومستثمرون يدورون في الحلقة نفسها، مخدوعين بالسردية أكثر من الأرقام. أما الحقيقة فكانت أبسط وأخطر: كينغ كان يسيطر على كل شيء، لكنه على الورق بدا شبه غير مرئي… لغزًا ملفوفًا داخل عالم المال الراقي.

842 IMAGE02

المصدر: ويكيميديا كومنز — عرض النصر في بيونغ يانغ (٢٠٢٣).

في لندن، استغل كينغ رحلة بيونغ يانغ إلى أقصى حد. فقد تحولت صور المصانع والمسؤولين والمصافحات إلى تذكرة ذهبية تمنحه مصداقية داخل أوساط المال في المدينة. ومن مناجم كوريا الشمالية المزعومة إلى قاعات الاجتماعات في كرة القدم الإنجليزية، نسج كينغ شبكة اصطادت كثيرين من غير المتشككين. وفي ذلك الصيف، وتحت اسم «قدباك للاستثمارات»، وضع نصب عينيه نادي نوتس كاونتي، أقدم نادٍ محترف في العالم. وبالنسبة للجمهور، بدت «قدباك» صندوقًا غامضًا يقف خلفه مستثمرون عرب أثرياء. أما في الحقيقة، فلم تكن سوى واجهة جديدة، وكانت “ملياراتها” مستعارة من أسطورة ثروات كوريا الشمالية المعدنية.

انهالت الوعود بسرعة: استثمارات بملايين الجنيهات، وأحلام الوصول إلى الدوري الممتاز، وهالة من الفخامة “الشرقية” الغامضة. وانضم سفين غوران إريكسون، المدرب السابق لمنتخب إنجلترا، مديرًا لشؤون كرة القدم، بعد أن جذبته أحلام مشاريع عالمية ونادٍ يلفه الغموض والمال. لكن خلف الستار اللامع لم يكن هناك شيء. لم تُدفع الفواتير، وبدأ مسؤولو الدوري يطرحون الأسئلة، ولم يظهر أي أثر للمستثمرين المزعومين. وبحلول ديسمبر ٢٠٠٩، انهارت إمبراطورية الوهم، وبيع نوتس كاونتي مقابل جنيه واحد فقط. ولخّص إريكسون الأمر بدقة قائلًا: «لقد خُدعت. صدّقت رؤية لم تكن حقيقية أصلًا». لقد أبهرت “مقامرة كوريا الشمالية” الكثيرين، لكنها لم تكن سوى فصل جديد في سجل كينغ المليء بالدخان والمرايا والوعود الفارغة.

٤. قضية «فيرست لندن» — بنوك وديون وظلال قانونية

بينما كان بريق نوتس كاونتي يخفت، كان راسل كينغ قد وضع عينيه بالفعل على ملعب جديد: «بنك فيرست لندن». كان البنك يومًا اسمًا محترمًا في أوساط المال بلندن، لكنه تحول بسرعة إلى درس قاسٍ في الجرأة وسوء الإدارة بمجرد أن دخل كينغ إلى المشهد بثقة من يعرف كيف يفرض نفسه. استخدم المؤسسة كأنها دمية بين يديه، وبدأ بتحريك الأصول داخل شبكته الواسعة من الشركات، بما فيها «الشركة السويسرية لحيازة السلع» سيئة السمعة. وعلى الورق بدا كل شيء معقولًا ومقنعًا. أما في الواقع؟ فالكثير من الصفقات جرى تقييمها بأقل بكثير من قيمتها، وبعضها الآخر لم يكن سوى حيل مالية مختلقة تشبه خدع السحرة… لولا أن هذه “الخدعة” خلّفت وراءها خسائر بملايين الجنيهات.

ترك نفوذ كينغ البنك على حافة السقوط. فحتى الآلة المالية التي يُفترض أنها معقدة ودقيقة لم تستطع مجاراة إمبراطوريته المبنية على الدخان والمرايا. وعندما انهار “بيت الورق”، كان «فيرست لندن» قد تراكمت عليه ديون تجاوزت ٨٫٧ ملايين جنيه إسترليني. دبّ الذعر بين المساهمين والزبائن، وأخيرًا التفتت الجهات الرقابية إلى ما يحدث. فأطلقت «هيئة الخدمات المالية» و«مكتب مكافحة الاحتيال الخطير» تحقيقات رسمية، تتبعت خيوط الفوضى حتى وصلت إلى كينغ. كانت القصة أقرب إلى رواية جريمة: شبكات شركات خارجية، وصفقات وهمية، وشخص واحد يشد الخيوط من بعيد.

وعندما بدأت السلطات تضيق الخناق، كان كينغ قد انتقل بالفعل إلى جزيرة جيرسي، تاركًا خلفه ديونًا غير مدفوعة ومصرفيين حائرين لا يفهمون كيف حدث كل هذا. وجاءت تصفية «فيرست لندن» عام ٢٠١١ لتصبح هامشًا آخر في حكاية رجل كانت “إمبراطوريته” موجودة في البيانات الصحفية أكثر مما كانت موجودة في الواقع. وقد كشفت قصة البنك عن فكرة تتكرر دائمًا: براعة كينغ لم تكن في البناء أو الاستثمار، بل في الخداع. كل صفقة، وكل شركة، وكل ادعاء كان يحمل البصمة نفسها: مظهر لامع يخفي فراغًا تحته. أما من بقوا يدفعون الثمن، فقد كانت العبرة مرّة… بينما كان كينغ يعتبرها مجرد خدعة ناجحة أخرى.

٥. عودة الخداع — بلغرابيا، و«بيزنس أرابيا»، والسقوط الأخير

حين بدا أن راسل كينغ اختفى في ظلال الفوضى التي صنعها بيديه، عاد للظهور من جديد في العقد الثاني من الألفية، بعرض جديد وحيل قديمة لم تتغير. هذه المرة اتخذ وسيلته في مجلة أعمال تحمل اسمًا يوحي بالهيبة: «بيزنس أرابيا». كان الاسم مصممًا بذكاء ليستفيد من سمعة صحيفة مالية معروفة عالميًا، رغم أنه في الحقيقة لا يمتّ إليها بأي صلة. وبدت المجلة من الخارج احترافية بما يكفي لخداع من لا يدقق، لكن بمجرد الاقتراب يظهر الدخان: إعلانات بأسعار مبالغ فيها، ووعود براقة، ومحتوى لا ينسجم أبدًا مع الصورة التي أراد كينغ أن يقتنع بها الجميع.

استهدف احتياله هذه المرة شركات في أنحاء الشرق الأوسط، وجمع رسوم إعلانية كبيرة مقابل منشور كان أقرب إلى خيال تسويقي منه إلى منصة مالية حقيقية. المستثمرون والمعلنون والشركاء—أي شخص يمكن أن يبتلع الطُعم—كانوا يدخلون إلى وهم مُحكم الإخراج. ولمدة من الزمن بدا كأنه قد يفلت مرة أخرى من تبعات ماضيه، ينتقل من خطة إلى أخرى، دائمًا على مسافة خطوة من القانون. لكن كما يقول المثل: كلما ارتفع السقوط كان أشد.

بحلول عام ٢٠١٨ نفد حظه. جرى تسليمه من البحرين إلى جيرسي لمواجهة تهم بالاحتيال والسرقة مرتبطة بمجموعة «بلغرابيا للخدمات المالية». وكشفت المحاكم نمطًا مألوفًا جدًا: اختلاس وخداع واستغلال لمن وثقوا به. وفي عام ٢٠١٩ أصدرت محكمة جيرسي الملكية حكمًا بالسجن ست سنوات بعد إدانته باختلاس ٦٧١ ألف جنيه إسترليني وبيع أصول تعود لشريكه المتوفى—في تذكير صارخ بأن إمبراطوريات الدخان والمرايا لا تدوم إلى الأبد.

842 IMAGE03

قضى كينغ نحو عامين تقريبًا في السجن قبل الإفراج عنه في عام ٢٠٢١، لكن الستار كان قد أُسدل حينها على عرض امتد عقودًا من السحر والجرأة والخداع. «بيزنس أرابيا»، و«بلغرابيا»، و«الشركة السويسرية لحيازة السلع»، و«قدباك»… كلٌّ منها أدى دوره في مسيرة بُنيت أقل على صناعة الثروة وأكثر على الإقناع وصناعة الوهم. بالنسبة لراسل كينغ انتهى الاستعراض، أما بالنسبة للآخرين فبقيت القصة تحذيرًا قاسيًا من كيف يمكن للكاريزما والدهاء والحكاية اللامعة أن تخدع العالم إلى أن يلحق القانون بصاحبها أخيرًا.

٦. الأصداء والإعلام ودروس الاحتيال
اليوم يبلغ راسل ستيفن كينغ ٦٦ عامًا، ومع ذلك يبدو أن حكايته ترفض أن تموت. برامج صوتية تفكك خططه، ومقالات تعيد سرد تفاصيل الدراما، وأعمال مرئية تستعد لتوثيق صعود وسقوط رجل حوّل الخداع إلى ما يشبه الفن. تناولت هيئة الإذاعة البريطانية قصته في عمل بعنوان «المحتال ذو التريليون دولار»، وظهر كتاب بالعنوان نفسه في عام ٢٠٢٤، كما يجري التحضير لفيلم وثائقي بعنوان «ملك كل عمليات الاحتيال». ليست قصة كينغ مجرد مادة للتسلية؛ إنها درس عملي يوضح كيف تستطيع الكاريزما والجرأة تحويل الوهم إلى “واقع” يصدقه الناس.

لكن خلف المشهد البراق يوجد درس أشد حدّة: لقد ازدهرت “إمبراطورية” كينغ لأن الأنظمة من حوله سمحت بذلك. الجهات الرقابية، والمصرفيون، والمستثمرون… جميعهم شاركوا بطريقة ما، سواء بالإهمال، أو الثقة المفرطة، أو الطمع الصريح. مدينة لندن المالية، وخرافة مناجم كوريا الشمالية، وحتى ممرات نادٍ لكرة القدم—كل ساحة منحته فرصة، وكل ثغرة في الرقابة تحولت إلى أداة جديدة للخداع. وبمعنى ما، لم يخدع كينغ أشخاصًا فقط؛ لقد استغل شقوق نظام كان متعطشًا لتصديق “القصة الكبيرة” التالية.

كان راسل كينغ يعرف كيف يسحر ويُبهر ويُحرك الناس كما يريد، وترك وراءه أثرًا من أموال ضائعة، وسمعات مدمّرة، ومراقبين مذهولين لا يصدقون ما حدث. وحياته تذكير واضح بأن المحتالين لا يستغلون الأفراد فحسب، بل يستغلون المؤسسات أيضًا، وأحيانًا يكون العالم مستعدًا جدًا لأن يدير وجهه بعيدًا. ويبقى السؤال معلّقًا: كم من “كينغ” آخر ما زال هناك، ينتظر المسرح المناسب؟

2
First published in: World & New World Journal

Leave a Reply