بعيدًا عن الجدل السياسي وأخبار حياته اليومية، يُعد إيلون ماسك واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في عالم التكنولوجيا والابتكار، إذ دخل مجالات مختلفة وغيّر قواعدها من السيارات الكهربائية إلى الفضاء وصولًا إلى مشاريع في الذكاء الاصطناعي وغيرها، ومع ذلك ظهرت في الفترة الأخيرة شائعات واسعة عن احتمال دخوله سوق الهواتف الذكية عبر هاتف يُتداول اسمه على الإنترنت باعتباره «تيسلا موديل باي»، لكن هذه الادعاءات لم تؤكدها تيسلا ولا ماسك رسميًا، وقد أشارت تقارير تدقيق حقائق إلى أن الحديث عن إطلاق هاتف من هذا النوع مجرد معلومات متداولة على الشبكات وليست إعلانًا موثقًا من الشركة. ورغم غياب التأكيد الرسمي، فإن انتشار الفكرة يعكس فضولًا عامًا متزايدًا حول ما إذا كان “الابتكار التالي” لدى ماسك قد يعيد تشكيل تكنولوجيا الاتصالات: فلو تحقق هذا المشروع يومًا، يتخيل كثيرون جهازًا يوحّد أنظمة ماسك المختلفة في جهاز واحد متصل عالميًا، بحيث يرتبط بالسيارات والخدمات الرقمية وربما الاتصال عبر الأقمار الصناعية، وهو تصور يوضح لماذا تبقى الشائعة جذابة حتى من دون دليل حاسم.
الميزات المتداولة لهاتف تيسلا باي
تبدو هذه الشائعات جذابة لأن ماسك معروف بتحويل أفكار طموحة إلى مشاريع واقعية، ولذلك يتخيل البعض أن هاتفًا من تيسلا قد يُربك سوق الاتصالات وتقنية المستهلك إذا جمع بين العتاد التقني والذكاء الاصطناعي والاتصال عبر الأقمار الصناعية ضمن منظومة واحدة. لكن المهم التنبيه إلى أن الحديث عن “هاتف تيسلا باي/موديل باي” لم تؤكده تيسلا ولا ماسك رسميًا، وما يُنشر عنه يُصنّف غالبًا ضمن الشائعات المتداولة على الإنترنت.
ويُقال إن “القفزة” الأساسية ليست في تصنيع هاتف جديد بحد ذاته، بل في قدرته — بحسب المزاعم — على الاتصال مباشرة بشبكة «ستارلينك» التابعة لـ«سبيس إكس»، بما يعني توفير إنترنت عالي السرعة في أي مكان في العالم حتى في المناطق النائية، وتقليل الاعتماد على شركات الاتصالات التقليدية. وهنا أيضًا يجب التمييز بين الخيال المتداول وبين الواقع التقني؛ فخدمات «ستارلينك» للهواتف تعتمد حاليًا على شراكات مع شركات اتصالات وعلى تقنيات اتصال مباشر “إلى الهاتف” تتطور تدريجيًا، وليست بديلًا شاملًا وفوريًا يلغي الشبكات الأرضية في كل مكان.
ومن بين الميزات الأخرى التي تروج لها التسريبات: وجود ألواح شمسية خلف الهاتف لتوفير شحن “سلبي” مستمر، وبطارية قد تصل مدة عملها إلى خمسة أيام، وهي ادعاءات يصعب التحقق منها لأنها غير صادرة عن جهة رسمية. كما تتحدث بعض الشائعات عن دمج محتمل مع مشروع «نيورالينك» للتحكم بالهاتف عبر الأفكار، وهو طرح شديد الخيال في سياق منتج استهلاكي، بينما تبدو أفكار أكثر واقعية مثل تكامل الهاتف بسلاسة مع منتجات ماسك الأخرى — كربط أوسع مع سيارات تيسلا وخدمات الاتصال بالأقمار الصناعية — أقرب إلى منطق “المنظومة” التي يحبذها الناس.
وتشمل “القائمة المتوقعة” أيضًا كاميرات قوية مع وضع تصوير ليلي وميزات لتصوير السماء، ونظام تشغيل مخصص، وحماية بيومترية، وعتادًا قويًا مثل ذاكرة عشوائية بين ١٠ و١٦، مع خيارات تخزين قد تصل إلى ١ تيرابايت. باختصار، ما يُقال يرسم صورة لهاتف فائق يدمج الاتصال الفضائي والذكاء الاصطناعي والتكامل العميق مع منظومة تيسلا، لكن حتى الآن يظل ذلك ضمن نطاق التكهنات لا الإعلانات المؤكدة.

المنافسون والمقارنات والسردية المحيطة
انتشرت مقاطع كثيرة تقارن الهاتف المتداول باسم «تيسلا باي» بأحدث الهواتف، مثل «آيفون ١٧ برو ماكس» أو «آيفون ١٧ إير»، وغالبًا ما تُظهر هذه المقارنات نتيجة “كارثية” لصالح تيسلا، إذ يبدو الهاتف المزعوم متفوقًا بالكامل على آبل في عمر البطارية والمتانة والكاميرا، فضلًا عن ميزة الاتصال عبر الأقمار الصناعية التي تُقدَّم بوصفها نقطة الحسم. لكن جوهر المشكلة أن كل هذه المقارنات مبنية على شائعات وتسريبات غير مؤكدة، وليست على منتج موجود أو مواصفات رسمية، ولذلك فهي أقرب إلى سردية دعائية على الإنترنت منها إلى تقييم تقني قابل للتحقق.
وحتى على مستوى التصريحات، فقد سُئل إيلون ماسك من قبل عن الموضوع، ولم يؤكد وجود هاتف من تيسلا ولم يعلن عنه رسميًا، رغم أن فكرته العامة عن “منظومة متصلة” تجمع السيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي وخدمات متعددة في إطار واحد معروفة ومطروحة ضمن مشاريعه واهتماماته. وما يغذي الشائعات أكثر هو أن شركته تملك بالفعل قدرة واقعية على تقديم الإنترنت عبر الأقمار الصناعية من خلال «ستارلينك»، ما يجعل الناس يربطون تلقائيًا بين “هاتف جديد” وبين فكرة اتصال عالمي بلا انقطاع، حتى لو أن الواقع الحالي لخدمات الاتصال الفضائي للهواتف يعتمد على مسارات تقنية وتجارية وتنظيمية معقدة، وغالبًا عبر شراكات مع شركات اتصالات، وليس قفزة سحرية تلغي الشبكات الأرضية فورًا.
ولو تحوّل هذا الهاتف من شائعة إلى حقيقة، فقد يضع ضغطًا كبيرًا على احتكارات الاتصالات التقليدية، ويساعد على توسيع الوصول إلى الإنترنت في مناطق محرومة من الخدمة. لكن في المقابل ستظهر أسئلة صعبة قد تبطئ انتشاره: هل سيكون سعره في متناول الناس فعلًا؟ كيف ستُدار بيانات المستخدمين وخصوصيتهم داخل منظومة ضخمة مترابطة؟ وما هي القيود والقوانين التنظيمية في الدول المختلفة، خاصة فيما يتعلق بالاتصالات عبر الأقمار الصناعية والتراخيص والأمن؟ هذه الأسئلة قد تكون هي العائق الحقيقي، حتى أكثر من فكرة تصنيع هاتف جديد بحد ذاتها.

