أولاً: المقدمة
يعاني الاقتصاد الأوروبي من أزمة كبيرة. ويرى سزو بينغ تشان وهانس فان ليووين، محرّرا الشؤون الاقتصادية في صحيفة التلغراف البريطانية اليومية، أن القارة الأوروبية عالقة في مسار تراجع كارثي. [١] وكما يوضّح الشكل ١، فإن حصة الاتحاد الأوروبي من الناتج المحلي الإجمالي العالمي واصلت الانخفاض من ٢٧٪ عام ١٩٩٠ إلى ١٧٪ عام ٢٠٢٤.

الشكل ١: حصة الاتحاد الأوروبي من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (المصدر: صندوق النقد الدولي)
ونتيجةً لذلك، كان الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي في عام ٢٠٠٠ أكبر بست مرات من الناتج المحلي الإجمالي للصين، إلا أنّه من المتوقع في عام ٢٠٢٥ أن يصل الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي إلى مستوى قريب من الناتج المحلي الإجمالي للصين، كما يوضّح الشكل ٢. كما أنّ الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي في عام ٢٠٠٠ كان أقلّ من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بنحو ٣ تريليونات دولار، غير أنّه من المتوقع في عام ٢٠٢٥ أن يصبح أقلّ بأكثر من ١٠ تريليونات دولار مقارنةً بالناتج المحلي الإجمالي الأمريكي.

الشكل ٢: الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين واليابان، عام ٢٠٠٠ وعام ٢٠٢٥ (المصدر: ألكوت غلوبال)
علاوة على ذلك، أدّت حرب أوكرانيا في عام ٢٠٢٢ إلى زيادة حالة عدم اليقين في أوروبا عبر خلق مشكلات طاقوية أثّرت في الاقتصاد الأوروبي. وقد ظلّ اعتماد أوروبا على مصادر الطاقة الخارجية مشكلةً مزمنة منذ زمن طويل. كما كشفت أزمة الطاقة التي بدأت في عام ٢٠٢١، والتي غذّتها حرب أوكرانيا وتغيّر المناخ، مدى هشاشة البنية التحتية للطاقة في المنطقة. فقد أدّت الارتفاعات الحادّة في أسعار الغاز الطبيعي المُسال، وعدم استقرار إنتاج الطاقة المتجددة، والاستخدام الاستراتيجي لروسيا للوقود الأحفوري كورقة ضغط، إلى جعل القارّة الأوروبية تعاني من تكاليف طاقة قياسية وغير مسبوقة.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، تستكشف هذه الورقة أسباب تراجع أداء الاقتصاد الأوروبي وتخلّفه عن الركب. وتبدأ الورقة أولاً بوصف الوضع الاقتصادي الراهن في أوروبا، ثم تشرح لماذا أخفق الاقتصاد الأوروبي في تحقيق الأداء المطلوب.
ثانياً: الوضع الحالي للاقتصاد الأوروبي
قد تكون أوروبا مكاناً رائعاً للعيش بفضل الرعاية الصحية المجانية، ونُظم الرفاه السخية، والمدن المتميزة. غير أنّه عند مقارنة اقتصادات القوى الثلاث الكبرى—الولايات المتحدة وأوروبا والصين—يتّضح أن الاقتصاد الأوروبي يواجه أزمة حقيقية. فأوروبا تتعرّض لضغط متزايد بين الولايات المتحدة والصين، وكأنها محصورة بين قوتين اقتصاديتين متنافستين.
وكما يبيّن الشكل ٣، فإن النمو الاقتصادي كان ضعيفاً وباهتاً في أنحاء أوروبا. وتُعدّ ألمانيا الأسوأ أداءً خلال السنوات الأخيرة. إذ إن الاقتصاد الألماني اليوم يساوي تقريباً حجمه في الربع الرابع من عام ٢٠١٩. وبعبارة أخرى، فقد مرّت ألمانيا بخمس سنوات من النمو الضائع. لكن بقية أوروبا لم تكن أفضل حالاً بكثير. فالاقتصاد الفرنسي أكبر بنسبة ٤٫١٪ فقط مقارنةً بالربع الأخير من عام ٢٠١٩، في حين أنّ الاقتصاد الإيطالي أكبر بنسبة ٥٫٦٪. (انظر الشكل ٣). أما في إسبانيا، فرغم ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ٦٫٦٪ منذ ذلك الوقت، فإن هذا النمو ساعدت فيه بدرجة كبيرة موجات الهجرة، ما يعني أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد لم يرتفع إلا بنسبة ٢٫٩٪ خلال الفترة نفسها. وعلى النقيض من ذلك، نما الاقتصاد الأمريكي بنسبة ١١٫٤٪.

الشكل ٣: الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (الربع الرابع ٢٠١٩ = ١٠٠) (المصدر: إل إس إي جي، كابيتال إيكونوميكس)
وكما يوضح الشكل ٤، خلال الفترة من عام ٢٠٢٠ إلى عام ٢٠٢٤، بلغ إجمالي نمو الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي ١٢٫٢٪ مقارنةً بـ ٢٣٫٤٪ للصين و١٥٪ للولايات المتحدة.

الشكل ٤: النمو في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين واليابان، ٢٠٢٠–٢٠٢٤
وكما يوضح الشكل ٥، لم يحقق الاتحاد الأوروبي سوى نمو بنسبة ١٫١٪ في عام ٢٠٢٤ مقارنةً بـ ٢٫٨٪ للولايات المتحدة و٥٫٠٪ للصين.

الشكل ٥: نمو الناتج المحلي الإجمالي في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين واليابان، ٢٠٢٤
وعلاوة على ذلك، عندما نقارن بين اقتصادي منافسين غربيين، الولايات المتحدة وأوروبا، يتضح أن الاتحاد الأوروبي حقق نمواً أبطأ من الولايات المتحدة، كما يبينه الشكل ٦.

الشكل ٦: نمو الولايات المتحدة أسرع من دول الاتحاد الأوروبي، ٢٠١٠–٢٠٢٤ (المصدر: البنك الدولي)
وكما يوضح الشكل ٧، فإن معدلات البطالة في أوروبا كانت أعلى من مثيلتها في الولايات المتحدة.

الشكل ٧: معدّل البطالة في الاتحاد الأوروبي أعلى من الولايات المتحدة، ٢٠٠٠–٢٠٢٤
وكما يوضح الشكل ٨، كانت أسعار الغاز الطبيعي المُسال في أوروبا أعلى من أسعارها في الولايات المتحدة خلال الفترة ٢٠٢٠–٢٠٢٤، كما كانت أعلى من الأسعار في آسيا مباشرةً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، الأمر الذي شكّل عبئًا إضافيًا على الاقتصاد الأوروبي.

الشكل ٨: أسعار الغاز الطبيعي المُسال في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وآسيا، من يناير ٢٠٠٠ إلى يناير ٢٠٢٤
وعلاوةً على ذلك، وفيما يتعلق بمحركات النمو الجديدة مثل شركات التكنولوجيا الكبرى، والذكاء الاصطناعي، والسيارات الكهربائية، فقد تراجعت أوروبا لتتخلف عن كلٍّ من الولايات المتحدة والصين. وأصبحت أوروبا محاصرة بين الواردات الصينية الأرخص من جهة، والتفوّق التكنولوجي الأمريكي من جهة أخرى.
ثالثًا: أسباب فشل الاقتصاد الأوروبي
لماذا فشل الاقتصاد الأوروبي؟ وفقًا لنيل شيرينغ، كبير الاقتصاديين في مؤسسة كابيتال إيكونوميكس، فإن ضعف أداء أوروبا يعود جزئيًا إلى آثار أزمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ يوضح الشكل ٩ الارتفاع الحاد في أسعار الغاز في أوروبا.

الشكل ٩: أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا والولايات المتحدة واليابان، من يناير ٢٠٢١ حتى نهاية عام ٢٠٢٤
بالإضافة إلى ذلك، كما يوضح الشكل ١٠، بلغت أسعار الطاقة في منطقة اليورو أعلى مستوى لها على الإطلاق عند ١٧١٫٧٥ نقطة في أكتوبر ٢٠٢٢ عقب حرب أوكرانيا. ثم انخفضت إلى ١٤٥٫٤٩ نقطة في نوفمبر ٢٠٢٥، لكنها لا تزال مرتفعة جدًا.

الشكل ١٠: سعر الطاقة في منطقة اليورو (المصدر: يوروستات)
كما يوضح الجدول ١، شهد الاعتماد على واردات الطاقة اتجاهات متباينة منذ عام ٢٠٠٠: فقد خفّضت الولايات المتحدة اعتمادها على واردات الطاقة بشكل كبير وأصبحت مُصدِّرًا صافيًا للطاقة، بينما حافظ الاتحاد الأوروبي على مستوى مرتفع من الاعتماد على الطاقة المستوردة، في حين ازداد اعتماد الصين عمومًا بالتوازي مع نموها الاقتصادي الهائل.
لقد شهدت الولايات المتحدة تحوّلًا لافتًا. ففي نحو عام ٢٠٠٥ بلغت واردات النفط الخام الأمريكية ذروتها عند ما يقارب ٦٠٪ من إجمالي الاستهلاك. وبفضل ثورة النفط الصخري وتزايد استخدام الطاقة المتجددة، ارتفع الإنتاج المحلي الأمريكي بشكل كبير، وأصبحت الولايات المتحدة مُصدِّرًا صافيًا للطاقة في عام ٢٠١٩. وبحلول عام ٢٠٢٤، لم تعد واردات الطاقة تمثل سوى ١٧٪ من إجمالي الطلب الأمريكي على الطاقة.
أما النمو الاقتصادي السريع في الصين فقد أدى إلى زيادة هائلة في الطلب على الطاقة. ونتيجة لذلك، ارتفع اعتمادها على واردات الطاقة بشكل ملحوظ منذ عام ٢٠٠٠. وتُعد الصين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم. ورغم أن الصين هي أيضًا المستثمر الأكبر في الطاقة المتجددة، والتي تغطي جزءًا من الطلب المتزايد على الطاقة، فإن الحاجة المطلقة إلى واردات الوقود الأحفوري لتشغيل قطاعها الصناعي ما تزال مرتفعة. وفي عام ٢٠٢٤، لبّت واردات الطاقة نحو ٢٥٪ من إجمالي الطلب الصيني على الطاقة.

الجدول ١: الاعتماد على واردات الطاقة، ٢٠٠٠–٢٠٢٥
كما يوضح الشكل ١١، يُظهر الاتحاد الأوروبي اعتمادًا مرتفعًا بشكل مستمر على واردات الطاقة خلال العقود الثلاثة الماضية، وتحديدًا خلال الفترة من عام ١٩٩٣ إلى عام ٢٠٢٤. وكان اعتماد الاتحاد الأوروبي على واردات النفط والغاز أعلى بكثير من الولايات المتحدة والصين. فقد تجاوز اعتماد الاتحاد الأوروبي على واردات النفط نسبة ٩٠٪، بينما بلغ اعتماد واردات الغاز أكثر من ٩٠٪ في عام ٢٠٢٣ عقب حرب أوكرانيا. ورغم أن الاتحاد الأوروبي أحرز تقدمًا في مجال الطاقة المتجددة، فإنه ما يزال يعتمد بشكل كبير على واردات النفط والغاز، وقد قام مؤخرًا بتحويل مصادر الاستيراد من روسيا إلى شركاء آخرين مثل الولايات المتحدة والنرويج.
وقد أدى هذا الاعتماد المرتفع على واردات الطاقة، إلى جانب أزمة الطاقة في أوروبا بعد حرب أوكرانيا، إلى تدهور شروط التبادل التجاري في المنطقة، وهو ما انعكس في ضغط كبير على الدخل الحقيقي وفقدان القدرة التنافسية للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، الأمر الذي ساهم في خفض معدلات النمو الاقتصادي في أوروبا.

الشكل ١١: الاعتماد على واردات الطاقة، الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين، ١٩٩٣–٢٠٢٤
بالإضافة إلى ذلك، أصبحت الأسر الأوروبية أكثر ترددًا في الإنفاق، مما ساهم في انخفاض معدلات النمو في أوروبا. إذ إن معدل ادخار الأسر في أوروبا أصبح اليوم أعلى بثلاث نقاط مئوية مما كان عليه قبل جائحة كوفيد-١٩ في عام ٢٠١٩، في حين أن معدل الادخار في الولايات المتحدة أصبح أقل مما كان عليه في عام ٢٠١٩ (انظر الشكل ١٢). إن ميل الأوروبيين إلى تقليل الإنفاق يؤدي بدوره إلى نمو اقتصادي أضعف في أوروبا.

الشكل ١٢: معدل ادخار الأسر في منطقة اليورو (٪ من الدخل المتاح)
ومع ذلك، فإن ضعف الاقتصاد الأوروبي ذو طبيعة بنيوية في جوهره، وتوجد عدة عناصر تفسّر ذلك. أولى القضايا الأساسية المرتبطة بانخفاض النمو في أوروبا هي منظومة التنظيمات والقوانين التي تخنق المنافسة والابتكار. فقد أصبح الاتحاد الأوروبي أكثر ميلاً إلى الحمائية، لا سيما عبر التشريعات. ورغم أن هذه الاستراتيجية تبدو مريحة سياسيًا، فإنها في الواقع تأتي بنتائج عكسية، لأنها تضعف الحوافز على الإبداع والكفاءة. فـ«قانون الخدمات الرقمية» والتفسيرات المتزايدة التضييق للائحة العامة لحماية البيانات كان الهدف منهما كبح عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين، إلا أنهما في المقابل أعاقا أوروبا في هذه القطاعات نفسها. كما أن «قانون الذكاء الاصطناعي» وقوانين سلاسل الإمداد تحمل آثارًا سلبية مشابهة. ولذلك ليس من المستغرب أن أبرز الشركات المبتكرة والمزعزِعة للأسواق خلال العقدين الماضيين جاءت من الولايات المتحدة والصين، وليس من دول منطقة اليورو.
وتُعد سيارات الأجرة الروبوتية مثالًا واضحًا على ذلك. فواحدة من كل ثلاث رحلات تاكسي في كاليفورنيا أصبحت تتم بالفعل عبر سيارات أجرة ذاتية القيادة. وقد كان نمو هذا القطاع متسارعًا بصورة كبيرة، ومن المتوقع أن يتجاوز سيارات الأجرة التقليدية. والفرصة السوقية هنا ضخمة، إذ إن هذه الخدمات ستكون أرخص من دفع أجرة سائق. وفي تكساس، تتقاضى شركة تسلا دولارًا واحدًا لكل ميل. كما أنها أكثر أمانًا أيضًا، إذ تسجل حوادث أقل بنسبة تسعين بالمئة، وهو ما يعني تأمينًا أرخص للسيارات. وستسهم كذلك في توفير الدخل، وتقليل الانبعاثات، وتقليص الحاجة إلى شراء سيارة باهظة الثمن. ولا يقتصر الأمر على أمريكا؛ فهناك ألفان من السيارات ذاتية القيادة تعمل بالفعل في المدن الكبرى في الصين وتنقل ملايين الركاب. أما بالنسبة للأوروبيين، فما تزال فكرة السيارة ذاتية القيادة تبدو أقرب إلى الخيال العلمي، أو بتعبير أدق: شيء تعرقله نزعة أوروبا المفرطة إلى التنظيم، وتجنّب المخاطر، إضافة إلى قوة لوبي صناعة السيارات الذي لا يزال عالقًا في عصر محركات الاحتراق. [٣]
ومثال آخر يتمثل في قطاع التكنولوجيا نفسه، إذ تعاني أوروبا من تشريعات مجزأة ومفرطة. فالشركة الناشئة في الولايات المتحدة تستطيع إطلاق منتجها ضمن إطار تنظيمي واحد، والوصول فورًا إلى سوق يزيد على ثلاثمئة وثلاثين مليون مستهلك. أما الاتحاد الأوروبي، فرغم أن عدد سكانه يقارب أربعمئة وخمسين مليونًا، فإنه لا يزال منقسمًا إلى سبعة وعشرين نظامًا تنظيميًا وطنيًا. ويُظهر تحليل لصندوق النقد الدولي أن الحواجز داخل السوق الموحدة في الاتحاد الأوروبي تعمل كأنها تعرفة جمركية تعادل نحو أربعة وأربعين بالمئة على السلع ومئة وعشرة بالمئة على الخدمات، وهي مستويات أعلى بكثير من الرسوم التي تفرضها الولايات المتحدة على معظم وارداتها. [٤]
صحيح أن لدى أوروبا بعض قصص النجاح مثل «ريفولوت» و«كلارنا» و«سبوتيفاي»، إلا أنها تبقى محدودة مقارنة بعمالقة الولايات المتحدة مثل «ميتا» و«غوغل» و«مايكروسوفت» و«أبل». فاليوم، يقارب نصف أكبر خمسين شركة تكنولوجية في العالم شركات أمريكية، بينما لا توجد سوى أربع شركات أوروبية ضمن هذه القائمة. وعلى مدار العقود الخمسة الماضية، نمت مئتان وإحدى وأربعون شركة أمريكية من شركات ناشئة إلى شركات «يونيكورن» عملاقة. [٥] وقد كان رد الاتحاد الأوروبي هو محاولة تنظيم عالم التكنولوجيا الضخم وما يرتبط به من مراقبة رقمية، لكن في الواقع فإن مطرقة تنظيمات اللائحة العامة لحماية البيانات أدت إلى رفع التكاليف على الشركات الأوروبية المحلية والشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا، كما يوضح الشكل ١٣. وبينما أنتجت كاليفورنيا وحدها ربع شركات التكنولوجيا العملاقة «يونيكورن» في العالم، لم تنتج ألمانيا—وهي اقتصاد بحجم مشابه—إلا اثنين بالمئة فقط من الشركات الناشئة عالية القيمة. ومن دون إصلاح عاجل، فإن أوروبا مهددة بأن تُهمَّش في السباق التكنولوجي العالمي.

الشكل ١٣: تنظيم اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) ورأس المال الاستثماري في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة
هناك مقولة قديمة تقول: الولايات المتحدة تُخترع، والصين تُقلّد، وأوروبا تُنظّم. قد تبدو قاسية، لكنها تحمل قدرًا من الحقيقة. غير أن التحوّل الكبير اليوم هو أن الصين لم تعد تكتفي بالتقليد، بل أصبحت تنتج السلع بأسعار أقل بكثير مما هو عليه في أوروبا. أما أوروبا فما تزال عالقة في عقلية تنظيمية.
والنتيجة أن نمو الإنتاجية في أوروبا—وهو العامل الأهم الذي يحدد النمو الاقتصادي على المدى الطويل—أقل بكثير، إذ بلغ متوسطه ٠٫٣٪ سنويًا خلال العقد الماضي مقارنة بـ ١٫٦٪ سنويًا في الولايات المتحدة.
القضية الثانية تتمثل في ضعف استثمار أوروبا في التقنيات الجديدة (الحواسيب، الذكاء الاصطناعي، البرمجيات، وغيرها)، وانخفاض مستوى الإنفاق على البحث والتطوير. وعند مقارنة دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يتضح أن هذين العاملين يؤثران بقوة على فروقات الإنتاجية بين الدول. وتشير التقديرات القياسية إلى النتائج التالية: إن زيادة قدرها نقطة واحدة في معدل الاستثمار في التقنيات الجديدة تؤدي إلى زيادة قدرها ٠٫٨ نقطة سنويًا في مكاسب الإنتاجية. وبالمثل، فإن زيادة قدرها نقطة واحدة من الناتج المحلي الإجمالي في إنفاق البحث والتطوير تؤدي إلى زيادة قدرها ٠٫٩ نقطة سنويًا في مكاسب الإنتاجية. [٦]
الخوف هو أن تُسحب أوروبا إلى حلقة مفرغة
بحلول عام ٢٠٢٢، كان الاستثمار في التقنيات الجديدة يمثل ٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة، و٢٫٨٪ من الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو. كما أن جهود الاتحاد الأوروبي في التقنيات المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، لا تقترب من مستوى جهود الولايات المتحدة. فالأداة الرئيسية المتاحة للاتحاد الأوروبي، وهي مجلس الابتكار الأوروبي، كانت ميزانيتها ٢٥٦ مليون يورو في عام ٢٠٢٤، بينما خصصت الولايات المتحدة أكثر من ٦ مليارات دولار لهذا الغرض.
ويتكرر الوضع نفسه عند النظر إلى استثمارات رأس المال المغامر. ففي عام ٢٠٢٣، تم استثمار نحو ٨ مليارات دولار في رأس المال المغامر للذكاء الاصطناعي داخل الاتحاد الأوروبي، مقارنة بـ ٦٨ مليار دولار في الولايات المتحدة و١٥ مليار دولار في الصين. أما الشركات القليلة التي تطور نماذج ذكاء اصطناعي توليدي في أوروبا، مثل «أليف ألفا» و«ميسترال»، فهي تحتاج إلى استثمارات ضخمة كي لا تخسر السباق لصالح الشركات الأمريكية. غير أن الأسواق الأوروبية لا تلبي هذا الاحتياج، ما يدفع الشركات الأوروبية إلى البحث عن التمويل خارج أوروبا. [٧] ونتيجة لذلك، على سبيل المثال، بدأ الاتحاد الأوروبي يخسر المنافسة في مجال النماذج المفتوحة، كما يوضح الشكل ١٤.

الشكل ١٤: التنزيلات التراكمية، ٢٠٢٣–٢٠٢٥ (المصدر: مشروع ATOM، هَغِنغ فيس)
علاوة على ذلك، يتخلف الاتحاد الأوروبي عن الولايات المتحدة والصين من حيث الإنفاق على البحث والتطوير. فقد بلغ الإنفاق على البحث والتطوير في عام ٢٠٢٢ نسبة ٣٫٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة، مقابل ٢٫٣٪ من الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو. والأهم من ذلك أنه منذ عام ٢٠٠٧، وكما يوضح الشكل ١٥، ارتفع الإنفاق على البحث والتطوير في الولايات المتحدة والصين بشكل ملحوظ مقارنة بمنطقة اليورو. هذا التأخر في الاستثمار التكنولوجي والبحث والتطوير يفسر جزءًا كبيرًا من تأخر أوروبا عن الولايات المتحدة من حيث إنتاجية العمل والناتج المحلي الإجمالي. [٨]

الشكل ١٥: إجمالي الإنفاق المحلي على البحث والتطوير، ٢٠٠٧–٢٠٢٣
القضية الثالثة المرتبطة بانخفاض النمو في أوروبا هي حجم دول الرفاه في أوروبا.
يختلف حجم دول الرفاه اختلافًا كبيرًا بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتُعدّ الدول الأوروبية صاحبة أكبر دول رفاه داخل المنظمة، ومن بين الأعلى عالميًا. وكما يوضح الشكل ١٦، فإن دول الرفاه الأوروبية أكبر بكثير من نظيرتها في الولايات المتحدة؛ إذ تخصص دول الاتحاد الأوروبي نحو ٢٧٪ من الناتج المحلي الإجمالي للمنافع الاجتماعية في عام ٢٠٢٤، مقارنةً بحوالي ١٩٫٨٪ في الولايات المتحدة. كما أن بعض الدول الأوروبية مثل النمسا وفنلندا وفرنسا تنفق أكثر من ٣٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي على المنافع الاجتماعية في عام ٢٠٢٤. وبينما تنفق الولايات المتحدة ٧٪ من الناتج المحلي الإجمالي على توفير المعاشات العامة، تبلغ هذه النسبة ١٦٪ في إيطاليا و١٣٪ في فرنسا.

الشكل ١٦: الإنفاق الاجتماعي العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في عام ٢٠٢٤، دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة
لدى دول الرفاه الكبيرة تأثير معقّد ومحلّ جدل على النمو الاقتصادي، إذ تشير الأدلة إلى أنها قد تُعيق النمو من خلال ارتفاع الضرائب وتراجع الحوافز على العمل، أو قد تُعزّزه عبر دعم التعليم والاستقرار والابتكار. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا في الرأي بين الاقتصاديين بأن حجم دولة الرفاه يُعدّ أحد العوامل المسؤولة عن تباطؤ النمو الاقتصادي في أوروبا، وأن تقليص دولة الرفاه أصبح ضروريًا إذا كان الهدف هو إحياء النمو في القارة. ويُتَّهم نظام الرفاه بأنه تحوّل إلى عائق أمام النمو الاقتصادي في أوروبا عبر رفع الضرائب وتقليل حوافز العمل.
وكما يوضح الشكل ١٧، فإن العبء الضريبي أعلى في الاتحاد الأوروبي مقارنة بالولايات المتحدة بالنسبة لمعظم دافعي الضرائب. ويبلغ متوسط نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي في الاتحاد الأوروبي حوالي ٤٤٪. وعلى النقيض من ذلك، تُعدّ الولايات المتحدة من بين الأدنى في الدول المتقدمة، إذ تبلغ نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي فيها حوالي ٣٥٪ في عام ٢٠٢٢، أي أقل بنحو ٩٪ من متوسط الاتحاد الأوروبي.

الشكل ١٧: العبء الضريبي في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، عام ٢٠٢٢ (المصدر: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لمحة عن الحكومة، ٢٠٢٣)
يوضح الشكل ١٨ إجمالي الفجوة الضريبية على العامل الأعزب متوسط الدخل في كل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي. إذ تقوم بلجيكا وألمانيا والنمسا وفرنسا باقتطاع أكثر من نصف التعويضات التي يحصل عليها العامل قبل الضرائب. وبالمقارنة مع دول الاتحاد الأوروبي، يواجه العاملون في الولايات المتحدة أدنى متوسط فجوة ضريبية. وهذا يشوّه حوافز العمل لدى الأوروبيين ويجعل الجميع في أوروبا أفقر. [٩] إن ارتفاع الضرائب وضعف الحوافز على العمل يدفع مواطني الاتحاد الأوروبي إلى الإنفاق أقل من المواطنين الأميركيين، مما يؤدي إلى انخفاض النمو الاقتصادي في أوروبا كما يوضح الشكل ١٩.

الشكل ١٨: عمّال الاتحاد الأوروبي يدفعون ضرائب أعلى من عمّال الولايات المتحدة، عام ٢٠٢٢ (المصدر: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لمحة عن الحكومة، ٢٠٢٣)

الشكل ١٩: الأمريكيون ينفقون أكثر بنسبة ٧٠٪ من مواطني الاتحاد الأوروبي (متوسط الاستهلاك الفردي للفرد، عام ٢٠٢٠؛ الولايات المتحدة مُفهرسة إلى ١٠٠). (المصدر: الحسابات القومية لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية)
في الواقع، أظهر غوارتني وهولكومب ولاوسون (١٩٩٨) بشكلٍ تجريبي أنه مع تضاعف حجم الإنفاق الحكومي العام تقريباً في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية خلال الفترة من ١٩٦٠ إلى ١٩٩٦، انخفضت معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لديها بمعدل يقارب الثلثين في المتوسط (انظر الشكل ٢٠). ووفقاً لهم، كانت أسوأ الاقتصادات أداءً هي بعض دول جنوب أوروبا التي زادت حجم الحكومة فيها بأكبر قدر.

الشكل ٢٠: الإنفاق الحكومي الكبير يقلّل النمو.
في ذروة أزمة منطقة اليورو عام ٢٠١٢، حاولت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إثبات أن دول الرفاه الأوروبية أصبحت كبيرة أكثر من اللازم، إذ إن أوروبا كانت تمثّل ٧٪ من سكان العالم، وربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و٥٠٪ من الإنفاق الاجتماعي العالمي. ولم يتحسن الوضع منذ ذلك الحين. وفي ٩ سبتمبر ٢٠٢٤، قدّم ماريو دراغي تقريره بعنوان «مستقبل القدرة التنافسية الأوروبية»، وهو وثيقة من ٤٠٠ صفحة تهدف إلى معالجة بطء الاقتصاد الأوروبي، لكنه أبقى دولة الرفاه الأوروبية المتضخمة دون تغيير، في حين دعا بقوة إلى إصلاحات واستثمارات لتعزيز نمو الإنتاجية. [١٠]
القضية الرابعة هي اليورو. فقد كان اليورو نعمةً مختلطة لأوروبا؛ فهو يقلّل تكاليف المعاملات، لكنه في الوقت نفسه يبرز اختلالات اقتصاد الاتحاد الأوروبي. إذ تسجّل ألمانيا فائضاً كبيراً في الحساب الجاري، بينما تعاني اقتصادات الأطراف مثل البرتغال واليونان من عجز. غير أن النظام لا يتيح لألمانيا مجالاً لرفع قيمة عملتها، ولا يسمح للدول الأضعف بخفض قيمة عملاتها. أي إن سياسة “مقاس واحد يناسب الجميع” قد تكون ذات آثار كارثية. وقد أدّت أزمة ديون اليورو عام ٢٠١٢ إلى ارتفاع عوائد السندات وإلى تبنّي سياسات تقشف، ما ساهم في ضعف النمو خلال العقد الماضي. صحيح أن تدخل ماريو دراغي خفّض عوائد السندات، إلا أن البنك المركزي الأوروبي تعرّض لانتقادات بسبب ميله الانكماشي، كما أنه واجه صعوبات واضحة منذ حقبة كوفيد-١٩، حيث أصبح نمو أوروبا أضعف بكثير.
٤. الخلاصة
أظهر هذا البحث أن الاقتصاد الأوروبي يواجه أزمة حقيقية تتمثل في انخفاض النمو. وبيّن أن ضعف الأداء الاقتصادي الأوروبي وبطء الاقتصاد يمكن إرجاعهما إلى أزمة الطاقة وارتفاع الادخار، إضافةً إلى الإفراط في التنظيم، وضخامة دولة الرفاه وارتفاع الضرائب، وضعف الابتكار، وانخفاض الاستثمار في التكنولوجيا الجديدة والبحث والتطوير.
Related
المراجع
World & New World Journal Policy Team
