848 NEWWEB

إعادة هيكلة الصناعة العسكرية الهندية

تُعدّ الهند أسرع اقتصاد كبير نموًا في العالم، ووفقًا لمؤشر “القوة العسكرية العالمية”، تُصنَّف القوات المسلحة الهندية في المرتبة الرابعة عالميًا. لكن عند النظر إلى بيانات معهد “سيبري”، نجد أنّ الهند منذ عام ٢٠١١ هي أكبر مستورد لمعدات الدفاع في العالم. أما بيئتها الإقليمية، فهي شديدة العدائية منذ الاستقلال؛ إذ خاضت الهند أربعة حروب كبرى مع باكستان — أعوام ١٩٤٨، ١٩٦٥، ١٩٧١، و١٩٩٩ — إضافة إلى العديد من الاشتباكات، كان أحدثها عملية “سيندهور”. ومع الصين، خاضت حربًا عام ١٩٦٢ وعدة اشتباكات، أحدثها في وادي جالوان أوائل العقد ٢٠٢٠. هذا المناخ، إضافةً لكون الهند قوة عالمية صاعدة، يفرض عليها تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي في مجال تصنيع السلاح.

لمحة تاريخية عن سياسة الدفاع

عند الاستقلال، كانت الهند تملك أفضلية مبكرة مقارنة بالدول غير الغربية، فقد كانت “جوهرة التاج” لدى بريطانيا، وقد أنشأت بريطانيا مصانع سلاح عديدة للحفاظ على السيطرة. لكن بعد الاستقلال تغيّر كل شيء. تولّى جواهر لال نهرو رئاسة الحكومة، وقد كان اشتراكيًا متأثرًا بالمدرسة الفابية، فقام بمركزة الدولة بشكل كبير على النموذج السوفيتي. سمح للقطاع الخاص بالمشاركة، لكن في الصناعات الصغيرة فقط، بينما بقي قطاع الدفاع بالكامل حكوميًا.

توزّعت الأدوار على:

  • منظمة البحث والتطوير الدفاعي (كانت مسؤولة عن التصميمات)
  • مؤسسات القطاع العام الدفاعية (تُنتج الأنظمة المعقدة)
  • مصانع الذخائر (تصنع الذخائر والأسلحة الخفيفة والمدفعية وغيرها)

لكن هذا النموذج الاشتراكي المركزي، رغم حسن النوايا، حدَّ من قدرة الهند على تطوير القاعدة الصناعية التي ورثتها من الاستعمار البريطاني.

عام ١٩٩١، بدأت الهند إصلاحات “التحرير والخصخصة والعولمة”. وفي عام ٢٠٠١ سُمح للقطاع الخاص بدخول قطاع الدفاع، ولكن لم تظهر حركة حقيقية إلّا بعد عام ٢٠١٤ مع بدء حوافز وإصلاحات واسعة.

الإصلاحات الحالية

منذ عام ٢٠١٤، حاولت حكومة ناريندرا مودي تحويل الهند من أكبر مستورد للأسلحة إلى مُصدّر رئيسي. فأطلقت مبادرات “صنع في الهند” و”الهند المتمكّنة ذاتيًا”. شملت الإصلاحات:

  • إعادة هيكلة قطاع الدفاع
  • تحديث قوانين الشراء العسكري
  • تحفيز القطاع الخاص
  • بناء منظومة ابتكار دفاعي
  • إصلاح الميزانيات ونُظم الإنتاج

إنشاء منصب رئيس هيئة الدفاع (CDS)

بعد حرب كارغيل ١٩٩٩ وعمليات ٢٠٠١، أوصِيَ بإنشاء منصب موحَّد لكل أفرع الجيش. وفي عام ٢٠١٩ أُنشئ المنصب، وهو أهم إصلاح دفاعي منذ الاستقلال. من مهامه أيضًا:

  • تعزيز استخدام المعدات المحلية
  • إصدار قوائم تضم ٥٠٠ قطعة عسكرية يجب تصنيعها محليًا، تشمل صواريخ ومقاتلات وسفن حربية ورادارات وذخائر متنوعة.

تحويل مصانع الذخائر إلى شركات مستقلة

حُوّلت ٤١ مصنعًا إلى ٧ شركات دفاعية مستقلة، لتصبح أكثر مرونة وخاضعة للمحاسبة. لكن النتائج لا تزال متفاوتة.

إصلاح إجراءات الشراء العسكري

عام ٢٠١٦ صدر “إجراء شراء الدفاع” الجديد، الذي أعطى الأولوية للصناعة المحلية، وقلّل مدد الشراء، وفتح الباب لبرامج الشراكة الاستراتيجية.

إجراءات ٢٠٢٠

صدر “إجراء اقتناء الدفاع”، الذي ركّز على:

  • الابتكار المحلي
  • دعم الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة
  • إنشاء منصات مثل “آيديكس” و”منظمة الابتكار الدفاعي” لدعم التصنيع والبحث

تسهيل الاستثمار

من أبرز الإجراءات:

  • تبسيط التراخيص العسكرية للقطاع الخاص
  • رفع حد الاستثمار الأجنبي المباشر من ٢٦٪ إلى ٤٩٪ ثم ٧٤٪
  • إطلاق ممرّين صناعيين للدفاع
  • إنشاء منصة “سريجان” لعرض المنتجات المستوردة كي تُستبدل بمنتجات محلية

أثر السياسات

حققت صناعة الدفاع تقدمًا ملحوظًا، وأبرز مؤشر هو ارتفاع حجم الإنتاج:

  • بلغ الإنتاج الدفاعي ١,٢٧,٤٣٤ كرور روبية، بزيادة ١٧٤٪ عن إنتاج ٢٠١٤-٢٠١٥.
  • وقّعت وزارة الدفاع ١٩٣ عقدًا في ٢٠٢٤-٢٠٢٥ بقيمة ٢,٠٩,٠٥٠ كرور روبية، منها ١٧٧ عقدًا محليًا (٩٢٪).

ارتفاع الصادرات

ارتفعت صادرات الدفاع من ٦٨٦ كرور روبية عام ٢٠١٣-٢٠١٤ إلى ٢٣,٦٢٢ كرور روبية عام ٢٠٢٤-٢٠٢٥ — أي زيادة بمقدار ٣٤ ضعفًا.

تُصدّر الهند الآن معدات عسكرية إلى أكثر من ٨٥ دولة عبر ١٠٠ شركة هندية.

التحديات

رغم الإنجازات، ما زالت الهند ثاني أكبر مستورد للسلاح عالميًا بعد أوكرانيا. انخفضت نسبة وارداتها من ١٤٪ عام ٢٠١١ إلى ٨٫٣٪ عام ٢٠٢٤، لكن القيمة المطلقة ما زالت كبيرة بسبب توسع ميزانية الدفاع.

أبرز المشكلات:

  • شركات القطاع العام الدفاعي تنمو ببطء
  • فشل بعض صفقات التصدير
  • المنافسة الشرسة من تركيا (٧٫٢ مليار دولار)، كوريا الجنوبية (٢٠ مليارًا)، وإسرائيل (١٤٫٨ مليارًا)
  • نقص العمق التكنولوجي المحلي
  • تأخر تنفيذ الإصلاحات بسبب البيروقراطية

مقارنات عالمية

كوريا الجنوبية

  • بدأت في السبعينيات
  • تستثمر أكثر من ٤٪ من الناتج المحلي في البحث والتطوير
  • تعتمد على مجموعات صناعية ضخمة
  • بلغت صادراتها الدفاعية ٢٠ مليار دولار في ٢٠٢٤

تركيا

  • فرضت محتوى محليًا يصل إلى ٧٠٪
  • دعمت الشركات الصغيرة والمتوسطة
  • بلغت صادراتها ٧٫٢ مليار دولار عام ٢٠٢٤

إسرائيل

  • منظومة ابتكار عالية التقنية
  • خدمة عسكرية إلزامية تغذي شركات مثل “رافائيل”
  • صادرات دفاعية ١٤٫٨ مليار دولار عام ٢٠٢٤

النماذج الثلاثة تتميز بسرعة الإصلاح، وتركيز على التصدير، ودعم الشركات الناشئة — وهي عناصر تحتاج الهند لتعزيزها.

الخلاصة

تحاول حكومة كسر الجمود الذي استمر لعقود في إصلاحات الدفاع. بدأ الإنتاج المحلي ينمو، وازدادت الصادرات، ودخلت الشركات الخاصة والناشئة القطاع بعد أن كان محتكرًا من الدولة. تتشكّل بيئة أكثر تنافسية، لكن الطريق نحو الاكتفاء الذاتي الكامل لا يزال طويلًا.

إذا تمكنت الهند من دمج الابتكار الخاص مع قدرات الإنتاج العام، وتقليل البيروقراطية، فقد تتحول من أكبر مستورد للسلاح إلى مُصدّر رئيسي في عالم متعدد الأقطاب.

1
First published in: World & New World Journal
Darshit Thakar

Darshit Thakar

يواصل الدكتور دارشيت ثاكار حاليًا دراساته العليا في مجال الطب. لا تقتصر اهتماماته الأكاديمية والفكرية على مجال الرعاية الصحية، بل تمتد إلى العلاقات الدولية والاقتصاد والفلسفة والأساطير والسياسة والتاريخ. يكتب في الصحف المحلية، حيث يقدم مقالات تحليلية حول الشؤون العالمية وسياسات الرعاية الصحية والتنمية الاجتماعية. يعكس عمله نهجًا متعدد التخصصات يجمع بين المعرفة بمختلف التخصصات.

Leave a Reply