بوليفيا، وهي دولة في جبال الأنديز عانت طويلًا من توترات اقتصادية واجتماعية وسياسية، دخلت مرحلة حاسمة بعد فوز رودريغو باز، مرشح الحزب الديمقراطي المسيحي، وهو فوز أنهى دورة سياسية امتدت قرابة عشرين عامًا بدأت مع إيفو موراليس ورسّخت هيمنة حزب الحركة نحو الاشتراكية؛ فقد ركّز الحزب خلال تلك الحقبة على نهج قومي يمنح الدولة دورًا واسعًا في القطاعات الاستراتيجية مثل المحروقات والموارد الطبيعية، وتبنّى في السياسة الخارجية خطابًا مناهضًا للهيمنة الأجنبية، فاقترب من حكومات يسارية في المنطقة مثل فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا وابتعد عن واشنطن، لكن الانقسامات الداخلية وصراعات النفوذ أضعفته مع مرور الوقت، وتزامن ذلك مع أزمة اقتصادية قاسية تمثلت في تراجع إنتاج الغاز وارتفاع التضخم وشحّ العملات الأجنبية، ما زاد غضب الشارع ودفع الناخبين في أكتوبر ٢٠٢٥ إلى خيار التغيير، فحصد باز نحو ٥٤٫٥٪ في الجولة الثانية متقدمًا على منافسه خورخي كيروغـا، في نتيجة تُوحي بتحوّل سياسي نحو اليمين وإعادة ترتيب للعلاقات الدولية ومراجعة للسياسة الخارجية في سياق أميركي متقلب. على الرغم من أن الاستطلاعات والمحللين اعتبروا رودريغو باز مرشحًا أقل حظًا، فإنه ينتمي إلى تقليد سياسي أكثر انضباطًا واعتدالًا، كما بدا خطابه ميّالًا إلى التهدئة ومصالحة الفئات الاجتماعية المختلفة. ووالده، خايمي باز زامورا، سبق أن تولّى رئاسة البلاد، أما باز نفسه فله مسيرة سياسية قوية تجعل مسؤوليات القيادة ليست جديدة عليه. وقد رفع في حملته شعارًا يمكن تلخيصه بمعنى «الرأسمالية للجميع»، وكان الهدف منه تشجيع قدر من الانفتاح الاقتصادي مع الاستمرار في مراعاة المطالب الاجتماعية التي اعتاد حزب الحركة نحو الاشتراكية التركيز عليها.
العلاقات مع الجيران: إعادة بناء ما جرى تفكيكه
خلال العقدين الماضيين اتّسمت السياسة الخارجية لبوليفيا بالاصطفاف مع حكومات يسارية وتكتلات إقليمية مثل «تحالف ألبا»، الذي ضمّ فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا وغيرها من الحكومات التي تتخذ موقفًا معاديًا للولايات المتحدة أو متشككًا في واشنطن، وفي عهد إيفو موراليس عززت بوليفيا كذلك علاقاتها مع الصين وإيران وروسيا لتوسيع تحالفاتها خارج المعسكر الغربي التقليدي. ومع فوز رودريغو باز بدا أن هذا الإطار يتفكك؛ إذ أعلن الرئيس المنتخب بوضوح أنه لن يدعو قادة كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا إلى حفل تنصيبه، مبررًا ذلك بخلافات تتعلق بالديمقراطية والحكم. وعلى الرغم من أن الخطوة رمزية، فإنها تشير إلى تغيير في نهج السياسة الخارجية: الابتعاد عن الاصطفافات الأيديولوجية الجاهزة وتقديم علاقات تُبنى على معايير ديمقراطية وعلى التعاون الاقتصادي. وفي السياق نفسه، جاء خروج بوليفيا من «تحالف ألبا» وما تبعه من إعلان تعليق الحكومة القادمة واتهامها بسلوك «مناهض» و«موالي للاستعمار» و«مؤيد للهيمنة الأجنبية» ليعكس حجم الأثر الدبلوماسي لهذا التحول. كما أن حضور قادة مثل خافيير ميلي رئيس الأرجنتين حفل تنصيب باز عزّز صورة تمثيل إقليمي يميل أكثر إلى سياسات السوق المفتوحة والتعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا. وإلى جانب ذلك تظل العلاقة مع الجيران التقليديين في أميركا الجنوبية، مثل البرازيل والأرجنتين وتشيلي، عاملًا حاسمًا؛ فمع اختلاف الاتجاهات السياسية، يوجد إدراك متزايد للحاجة إلى تقوية التجارة والتعاون في البنية التحتية والطاقة، خاصة في ظل تحديات بوليفيا الاقتصادية، وقد ظهر هذا الاتجاه في اللقاءات المبكرة بين باز وقادة إقليميين، ومنها قمة مع رئيس تشيلي غابرييل بوريك التي عُدّت بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين البلدين بعد سنوات طويلة من غياب القمم الثنائية.
إعادة إطلاق العلاقات مع الولايات المتحدة
ربما يكون العنصر الأكثر رمزية والأشد أهمية على مستوى الجغرافيا السياسية في الاتجاه الجديد لبوليفيا هو استئناف العلاقات مع الولايات المتحدة. فقد كانت العلاقات الثنائية قد تضررت بشدة منذ طرد السفير الأميركي عام ٢٠٠٨ في عهد إيفو موراليس، بعد سنوات من التوتر بسبب اتهامات متبادلة بالتدخل والتآمر. ويعكس إعلان رودريغو باز عزمه على استعادة العلاقات الدبلوماسية وإعادة فتح السفارة الأميركية في لاباز تحولًا حادًا في النهج؛ إذ لا يقتصر الأمر على إعادة الحوار السياسي الرسمي، بل يفتح أيضًا باب التعاون في التجارة والاستثمار والأمن، خصوصًا في وقت تعاني فيه بوليفيا من مشكلات في العملة وعجز مالي وأزمة وقود. وإلى جانب ذلك، أصدرت الولايات المتحدة وعدة دول في أميركا اللاتينية بيانًا مشتركًا لدعم باز بعد الانتخابات، مع التأكيد على الرغبة في التعاون من أجل استقرار الاقتصاد وتعزيز المؤسسات الديمقراطية ودفع الاستثمار الدولي. لكن هذا المسار الجديد قد يرتبط بشروط سياسية؛ إذ يمكن أن يتركز التعاون على مكافحة تهريب المخدرات والفساد وتحديات عابرة للحدود، وهي مجالات توليها واشنطن اهتمامًا كبيرًا، وقد يؤدي ذلك إلى عودة حضور أجهزة أمنية أميركية بشكل أقوى. وتبقى مسألة إدارة مكافحة المخدرات حساسة ومثيرة للجدل؛ فقد عبّر كل من موراليس ولويس آرس عن مخاوفهما منها ومن بعض هيئات التعاون الأميركية، واعتبراها أدوات للتآمر، وهو ما نفته واشنطن دائمًا. وفي المقابل، قد تحمل هذه الانفتاحة جانبًا اقتصاديًا ملموسًا عبر جذب الاستثمارات، وتسهيل الوصول إلى التمويل الدولي، ودعم الاستقرار الاقتصادي العام، وهو ما قد يشكل متنفسًا مهمًا في ظل أزمة شحّ العملات الأجنبية التي تخنق بوليفيا.
الموقف من فنزويلا والسياق الإقليمي الجديد
من أبرز التحولات في سياسة بوليفيا الخارجية مع صعود رودريغو باز موقفه من فنزويلا وأزمتها السياسية. ففي عهد حزب الحركة نحو الاشتراكية حافظت لاباز على روابط وثيقة مع حكومة نيكولاس مادورو، وانسجمت مع خطاب مناهض للنفوذ الأميركي ومع حكومات تُعد “حليفة” أيديولوجيًا. لكن باز تبنّى نبرة أكثر انتقادًا لحكومة فنزويلا، خصوصًا بعد التطورات الأخيرة التي شملت إلقاء قوات أميركية القبض على مادورو في كراكاس في الثالث من يناير ٢٠٢٦ ونقله إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات. وفي تصريحاته العلنية شدّد باز على أن مخرج فنزويلا يجب أن يمر عبر “احترام التصويت والديمقراطية”، واضعًا بوليفيا أقرب إلى خطاب يركز على المؤسسات والشرعية الانتخابية بدل الاصطفاف السابق مع التيار التشافي. هذا التوجه يضع بوليفيا في موقع مختلف عن بعض حكومات اليسار في المنطقة التي دانت التدخل العسكري الأميركي ودعت إلى حلول سلمية تستند إلى القانون الدولي، وهو ما يعمّق إعادة رسم الاصطفافات الإقليمية. كما أن توجيه باز دعوة لزعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو لحضور حفل تنصيبه عزّز رسالة التركيز على الديمقراطية وحقوق الإنسان، وظهر كإشارة واضحة إلى قطيعة مع العلاقة السياسية السابقة بين لاباز وكراكاس.
الآثار الاقتصادية وآفاق المستقبل
تواجه المرحلة الجديدة في بوليفيا تحديات اقتصادية هائلة. فالانتقال نحو نموذج أكثر ميلًا إلى السوق، وما يفتحه من فرص لجذب الاستثمار الأجنبي، قد يساعد على التعافي، لكنه يحمل أيضًا مخاطر واضحة. فالبلاد تعاني من تضخم مرتفع، ونقص في الوقود، وأزمة مالية في ميزانية الدولة، وحاجة ملحّة إلى عملات أجنبية. وفي هذا السياق، قد يمنح الانفتاح على الولايات المتحدة والأسواق الدولية دفعة لقطاعات محورية مثل الليثيوم، إذ تمتلك بوليفيا من أكبر الاحتياطات عالميًا، كما قد يستفيد قطاع التعدين عمومًا من هذا الانفتاح. ويمكن للتعاون مع مستثمرين خارجيين، بمن فيهم مستثمرون من الولايات المتحدة وحلفاء أوروبيون، أن يرفع القدرة الإنتاجية للبلاد ويجعلها لاعبًا مهمًا في سلسلة الإمداد العالمية للمعادن الحيوية. وقد أشار باز إلى هذا الاتجاه عندما أعلن، عقب زيارة بنك التنمية للبلدان الأميركية لبوليفيا، عن تخصيص «سبعة مليارات دولار» لأعمال البنية التحتية وفرص العمل، مؤكدًا حاجة البلاد الشديدة إلى ذلك. وفي الوقت نفسه، سيحتاج باز إلى إدارة التوترات الداخلية بحذر؛ فشرائح اجتماعية كانت قريبة من حزب الحركة نحو الاشتراكية قد تشعر بالتهميش أو تخشى تراجع برامج الدعم الاجتماعي، ما يهدد التماسك الداخلي، وتبرز هنا قضية حساسة مثل إلغاء دعم الوقود. ومن جهة أخرى، حتى لو لم يكن الوضع التشريعي معقدًا جدًا، فإن بناء تحالفات داخل البرلمان وفتح حوار سياسي سيكونان ضروريين لتجنّب صدامات مؤسسية قد تُضعف قدرة الحكومة على تمرير الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة.
