865 NEWWEB

لماذا تراقب الصين حملة ترامب ضد فنزويلا عن كثب؟

 

تصاعدت حملة دونالد ترامب ضد فنزويلا مؤخرًا بعدما أعلن الرئيس الأمريكي أن مجالها الجوي يجب اعتباره “مغلقًا.
هذه الخطوة سبق أن اتخذتها الولايات المتحدة قبل تدخلات عسكرية سابقة، وأبرز مثال على ذلك العراق عام ٢٠٠٣.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان إعلان ترامب سيُتبع بعمل عسكري، أم أنه مجرد وسيلة لزيادة الضغط على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لإجباره على ترك المنصب. لكن بغضّ النظر عما سيحدث لاحقًا، فإن المثير للانتباه هو رد فعل الصين.

في مؤتمر صحفي بتاريخ ٣ ديسمبر، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان إن إغلاق المجال الجوي لفنزويلا سيُعدّ انتهاكًا للمعايير الدولية واعتداءً على السيادة الوطنية. وأضاف أن الصين ترفض أي تدخل في الشؤون الداخلية لفنزويلا “تحت أي ذريعة، ودعا جميع الأطراف إلى الحفاظ على أمريكا اللاتينية كـ”منطقة سلام”.

هذا الموقف لم يكن مفاجئًا. فقد بنت الصين علاقات قوية مع العديد من دول أمريكا اللاتينية، بما فيها فنزويلا، كجزء من استراتيجية أوسع لتوسيع نفوذها في مناطق تهيمن عليها الولايات المتحدة تاريخيًا. وتهديدات ترامب بالتدخل العسكري قد تهدد النفوذ الذي بنته الصين هناك.

1

رد لين جيان على تصريحات ترامب قائلا إن الصين ترفض التدخل في الشؤون الداخلية لفنزويلا ‘بأي ذريعة

 

الصين وأمريكا اللاتينية: تاريخ طويل وتوسع حديث

وجود الصين في أمريكا اللاتينية ليس جديدًا، لكنه ازداد بقوة خلال الـ25 سنة الماضية، لتصبح شريكًا أساسيًا لعدد كبير من دول المنطقة.

البرازيل مثال واضح على ذلك.

فمع انتخاب الحكومة اليمينية بزعامة جايير بولسونارو عام 2018، توقع كثيرون أن تميل البرازيل نحو واشنطن.
لكن هذه التوقعات تراجعت سريعًا نظرًا لدور الصين كـ مستورد رئيسي للمنتجات البرازيلية.

وبحلول عام 2020 أصبحت الصين أكبر شريك تجاري للبرازيل، حيث شكّلت أكثر من 30% من إجمالي صادرات البلاد.

وتعمقت العلاقات بين البلدين أكثر في عهد الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، خاصة مع تصاعد الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، ما جعل البرازيل مصدرًا بديلًا مهمًا لمنتجات زراعية مثل فول الصويا الذي كانت الصين تستورده سابقًا من الولايات المتحدة.

هذه العلاقة منحت الصين القدرة على ممارسة ضغط اقتصادي على الولايات المتحدة، إذ إن زيادة صادرات البرازيل للصين رفعت المعروض العالمي وخفضت الأسعار، بما في ذلك على المنتجين الأمريكيين.

الصين وفنزويلا: شراكة استراتيجية عميقة

كما كانت الصين شريكًا أساسيًا لفنزويلا منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز الذي تولى الحكم عام 1999، وكان من أشد داعمي فكرة النظام الدولي متعدد الأقطاب، وهي رؤية تزداد قوة مع صعود الصين سياسيًا واقتصاديًا.

على مدى السنوات الماضية أصبحت الصين الوجهة الرئيسية للنفط الفنزويلي. ففي عام 2024 اشترت الصين نحو 268 ألف برميل يوميًا من النفط الفنزويلي، والعدد الحقيقي ربما أكبر نظرًا لتغيير تصنيف النفط لتجاوز العقوبات الأمريكية.

النفط الفنزويلي مهم جدًا للصين، إذ تسعى بكين إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل اعتمادها على نفط الشرق الأوسط، لدعم استراتيجيتها في الحفاظ على ميزتها العالمية في التصنيع منخفض التكلفة.

ولهذا فإن تهديدات ترامب بالتدخل العسكري قد تكون موجهة جزئيًا لعرقلة المصالح الصينية.

وفي 2 ديسمبر، أصدر البيت الأبيض بيانًا رسميًا يؤكد التزام إدارة ترامب بـ مبدأ مونرو الذي وُقِّع عام 1823 وينص على رفض أي نفوذ أجنبي في أمريكا اللاتينية.
وأضافت الإدارة ما يُعرف الآن بـ عقيدة ترامب والتي تنص على أن “الشعب الأمريكي – وليس الدول الأجنبية أو المؤسسات العالمية – هو من سيحدد مصير نصف الكرة الغربي”.

2

رد لين جيان على تصريحات ترامب قائلا إن الصين ترفض التدخل في الشؤون الداخلية لفنزويلا بأي ذريعة

تحدي النفوذ الصيني

أي عمل عسكري أمريكي ضد فنزويلا سيزيد من المخاوف في عموم المنطقة.
فقد صرّح ترامب مؤخرًا أن أي دولة يعتقد أنها تُنتج مخدرات متجهة إلى الولايات المتحدة قد تتعرض لهجوم عسكري، وذكر كولومبيا بالاسم. وفي 2 ديسمبر، قال ترامب للصحفيين في البيت الأبيض إنه “سمع” أن كولومبيا “تصنع الكوكايين”، وأضاف: “لديهم مصانع كوكايين”. وردّ الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو فورًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي:تهديد سيادتنا هو إعلان حرب.” لكن من غير المحتمل أن تتدخل الصين عسكريًا للدفاع عن دول أمريكا اللاتينية ضد الولايات المتحدة.
فعلى الرغم من أن للصين نفوذًا تنمويًا في المنطقة، فإن علاقاتها هناك غالبًا معاملاتية وليست تحالفات رسمية.

واستُخدم هذا النفوذ لتحقيق أهداف سياسية محدودة، مثل إقناع السلفادور وجمهورية الدومينيكان وهندوراس بالتخلي عن الاعتراف الدبلوماسي بتايوان. ومع ذلك، فإن تردد الصين في الدخول في تحالفات دفاعية قد يسبب توترًا مع بعض دول المنطقة التي قد تتوقع دعمًا صينيًا في الأزمات.

فرص جديدة للصين

رغم المخاطر، فإن حملة ترامب قد تفتح فرصًا للصين. كما أن مخاوف أوروبا من التوسع الروسي جعلتها سوقًا للأسلحة الأمريكية، فقد تصبح أمريكا اللاتينية سوقًا مهمًا للأسلحة الصينية. وفنزويلا بالفعل تشتري معدات عسكرية صينية، من معدات مكافحة الشغب إلى الصواريخ، وربما مستقبلًا الطائرات المقاتلة. كذلك باعت الصين معدات عسكرية للأرجنتين وبوليفيا والإكوادور. وبحسب استراتيجية الأمن القومي الأمريكية المنشورة مؤخرًا، فإن الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة ضبط انتشارها العسكري عالميًا للتعامل مع “التهديدات العاجلة” في نصف الكرة الغربي. وبعد سنوات من بناء نفوذها في أمريكا اللاتينية، ستراقب الصين عن كثب كيف ستتطور الأحداث في الأشهر المقبلة.

First published in: The Conversation Original Source
Tom Harper

Tom Harper

"توم هاربر محاضر في العلاقات الدولية بجامعة شرق لندن. قبل عام ٢٠١٤، تخرج من جامعة كنت عام ٢٠١٢ وجامعة ساسكس عام ٢٠١٣. حصل على درجة الدكتوراه من جامعة سري عن أطروحته حول العلاقات الدولية الصينية في أفريقيا، وكتب عن السياسة الخارجية الصينية في العالم النامي لعدة منصات إلكترونية. قبل انضمامه إلى جامعة شرق لندن، درّس في جامعة نيجيانغ للمعلمين في الصين، وهو يدرس حاليًا لاجتياز اختبار الكفاءة في اللغة الصينية HSK ٥. تناولت أعماله الأخرى السياسة الخارجية الصينية في أمريكا اللاتينية وآسيا الوسطى، بالإضافة إلى صعود السينما الوطنية في الصين، حيث أعادت صحيفة الإندبندنت نشر بحثه عن فيلم ""وولف واريور ٢""، وكان آخر أعماله حول تأثير جيل زد الصيني على المستهلكين. إضافةً إلى ذلك، يجيد هاربر التحدث باللغات الإنجليزية والصينية الماندرينية واليابانية."

Leave a Reply