أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أكثر العوامل تأثيرًا في تشكيل النظام الدولي المعاصر، حيث تتنافس القوى الكبرى على قيادة الثورة التكنولوجية الجديدة التي تؤثر في الاقتصاد والأمن والسياسة الخارجية والدفاع والاتصالات والابتكار العلمي. ويعتمد تطور الذكاء الاصطناعي على توفر الكفاءات البشرية المتخصصة، والقدرة الحاسوبية وإتاحة كميات ضخمة من البيانات، إضافة إلى وجود منظومات ابتكار قوية تضم الشركات والجامعات والسياسات الصناعية المتوافقة. ومن المتوقع أن يتجاوز الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي ٥٢ مليار دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة، ما يرسّخ مكانته كمحور أساسي للثورة الصناعية الرابعة.
تشكل الكفاءات البشرية موردًا استراتيجيًا عالميًا في سباق الذكاء الاصطناعي، إذ يعمل أكثر من ٦٠٪ من كبار الباحثين في هذا المجال في الولايات المتحدة، ويشكّل المهاجرون نحو نصفهم، خصوصًا من الصين والهند وأوروبا وإيران. ولا تُعد هجرة العقول قضية أكاديمية فحسب، بل هي مسألة جيوسياسية بامتياز، حيث تتنافس الدول على جذب المواهب عبر تسهيلات التأشيرات والرواتب المرتفعة وإتاحة العمل في المختبرات المتقدمة. ويعتمد الابتكار في الذكاء الاصطناعي إلى حد كبير على الدولة القادرة على تركيز أكبر قدر من رأس المال البشري المتخصص. وفي هذا السياق، تتفوق الولايات المتحدة بقدرتها على جذب الباحثين الدوليين، في حين تعوض الصين ذلك عبر الاستثمار الضخم وإنتاج الكفاءات المحلية.
تتصدر الولايات المتحدة سباق الذكاء الاصطناعي لعدة أسباب هيكلية مترابطة. فهي تقود العالم في الأبحاث ذات التأثير العالي وفي عدد الشركات الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، حيث تستحوذ على أكثر من نصفها عالميًا، كما تجاوز حجم الاستثمار الخاص ٣٥٠ مليار دولار في عام ٢٠٢٣ وحده. وتحتضن البلاد شركات رائدة تقود الابتكار في هذا المجال. كذلك تسيطر الولايات المتحدة على أكثر البنى التحتية الحاسوبية تقدمًا وعلى الرقائق الإلكترونية المتطورة، وهي موارد لا تزال الصين عاجزة عن إنتاجها بالمستوى نفسه. إضافة إلى ذلك، تخصص الحكومة الأمريكية عشرات الوكالات الفيدرالية ومليارات الدولارات سنويًا لتطوير الذكاء الاصطناعي في مجالات الدفاع والأمن السيبراني والاستخبارات، ما يعزز الربط المباشر بين التفوق التكنولوجي والأمن القومي.
تحتل الصين المرتبة الثانية عالميًا في سباق الذكاء الاصطناعي، لكنها تتبع نهجًا أكثر مركزية وعدوانية وطموحًا. فقد التزمت باستثمار يتجاوز ١٥٠ مليار دولار بحلول عام ٢٠٣٠ في إطار خطتها الوطنية لتطوير الذكاء الاصطناعي. كما تُعد الصين الدولة الأولى عالميًا في تخريج مهندسي الذكاء الاصطناعي، إذ يبلغ عدد خريجي العلوم والهندسة سنويًا نحو ٤٫٧ ملايين مقارنة بنحو ٦٠٠ ألف في الولايات المتحدة، رغم أن جزءًا كبيرًا منهم يهاجر لاحقًا بسبب ظروف البحث الأفضل في الخارج. وتتصدر الصين مجالات مثل تقنيات التعرف على الوجوه، وتضم شركات رائدة في الذكاء الاصطناعي التوليدي، كما تنتج عددًا هائلًا من الأبحاث العلمية، وإن كان تأثيرها العلمي أقل من نظيراتها الأمريكية. ويُستخدم الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في الحوكمة والأمن والمدن الذكية داخل الصين. ومع ذلك، تواجه البلاد معضلة حقيقية في مجال الرقائق الإلكترونية المتقدمة، إذ تعتمد على موردين خارجيين، كما أن القيود المفروضة على الصادرات منذ عام ٢٠٢٢ حدّت من قدرتها على تدريب النماذج المتقدمة، رغم استثماراتها الجذرية لتحقيق السيادة التكنولوجية.
تلعب قوى أخرى أدوارًا مهمة في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية. ففي أوروبا، تسهم دول مثل المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وهولندا في بناء منظومة متقدمة تركز على أخلاقيات الخوارزميات والتنظيم الرقمي والبحث التطبيقي. وتُعد الهند مركزًا عالميًا رئيسيًا للمواهب الهندسية ومصدرًا أساسيًا للخدمات التكنولوجية. أما إسرائيل فتُعتبر قوة بارزة في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي العسكري، مع معدلات ابتكار للفرد تضاهي المراكز التكنولوجية العالمية الكبرى. وتبرز كندا كمركز أساسي للأبحاث الأساسية في التعلم العميق، مستندة إلى إرث علمي رائد في هذا المجال.
رغم أن إفريقيا لا تقود سباق الذكاء الاصطناعي، فإن دورها الجيوسياسي يتنامى بسرعة لعدة أسباب استراتيجية. إذ تُعد القارة منتجًا رئيسيًا للمعادن الحيوية التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي، مثل الليثيوم والكوبالت والغرافيت والعناصر الأرضية النادرة، حيث تمتلك نحو ٧٠٪ من الاحتياطي العالمي من الكوبالت، إضافة إلى موارد استراتيجية أخرى. كما تشهد إفريقيا توسعًا متسارعًا في البنية التحتية الرقمية، حيث ساهمت شركات صينية في بناء نسبة كبيرة من شبكات الاتصالات ومراكز البيانات ومناطق الابتكار التكنولوجي. وتدخل القارة مجال الذكاء الاصطناعي من خلال التقنيات المالية والصحة الرقمية والزراعة الذكية والأنظمة البيومترية، في حين اعتمدت بعض الدول استراتيجيات وطنية رسمية للذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تواجه القارة تحديات كبيرة تشمل ضعف القدرة الحاسوبية، واتساع الفجوة الرقمية، وخطر الاعتماد على الحلول الخارجية، واستخدام التقنيات لأغراض المراقبة السياسية، ونقص الكفاءات المتخصصة.
يتقاطع الدور الصيني في الذكاء الاصطناعي مع نفوذه المتزايد في إفريقيا من خلال الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية، وبيع أنظمة المراقبة، وبناء مراكز البيانات، وبرامج التدريب التقني. ويخلق هذا الوضع علاقة اعتماد متبادل، لكنه يثير مخاوف من تحول القارة إلى بيئة معتمدة على أنظمة يصعب استبدالها، إضافة إلى احتمالات تركّز البيانات على منصات خارجية وظهور ما يمكن وصفه بفخ الديون التكنولوجية.
إن التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي يستدعي تطوير أطر تنظيمية دولية تشمل استخدام البيانات، ومعايير الأمن، والحد من أتمتة الأنظمة العسكرية، والضوابط الأخلاقية لحماية المجتمعات. وقد أصبح تنظيم الذكاء الاصطناعي مجالًا جديدًا للتنافس الجيوسياسي، حيث تتبنى أوروبا نهجًا تنظيميًا قائمًا على حقوق الإنسان والوقاية من المخاطر، بينما تفضل الولايات المتحدة التنظيم الذاتي المدفوع بالسوق والابتكار، في حين تروج الصين لنموذج يقوم على سيطرة الدولة والسيادة التكنولوجية. وعلى الرغم من بدء مناقشات دولية حول مبادئ مشتركة، لا يزال غياب إطار ملزم يزيد من مخاطر سباق تسلح خوارزمي وتعميق الفجوات العالمية في الوصول إلى التكنولوجيا والسيطرة عليها.
في الختام، تتصدر الولايات المتحدة سباق الذكاء الاصطناعي بفضل الابتكار وجذب المواهب العالمية والقدرة الحاسوبية المتقدمة، بينما تقترب الصين من المنافسة عبر استراتيجية شاملة تقودها الدولة وهيمنة متزايدة على البنية التحتية الرقمية العالمية. وتساهم أوروبا والهند وإسرائيل وكندا بعناصر محورية في هذا النظام، في حين تحتل إفريقيا موقعًا استراتيجيًا متناميًا بفعل مواردها وبياناتها وأسواقها وتحالفاتها. وسيحدد سباق الذكاء الاصطناعي ليس فقط مستقبل الاقتصاد العالمي، بل أيضًا ميزان القوى في النظام الدولي خلال القرن الحادي والعشرين.
