في ٣ يناير ٢٠٢٦، نفّذت قوات خاصة أمريكية عملية سريعة ودقيقة عند الفجر، بعد أيام قليلة من رأس السنة، وانتهت بالقبض على نيكولاس مادورو الذي بقي في الحكم لمدة ١٣ عامًا. وأظهرت الصور الأولى أنه كان على متن يو إس إس إيوو جيما، ثم نُقل إلى نيويورك ليُحاكم. مشهد كهذا، ومعه تفاصيل العملية، سيبقى حديث الناس طويلًا، وربما يصبح مادة لأفلام كثيرة. وما زال السؤال: كم ستكون مدة الحكم عليه؟
لكن الموضوع لا يقتصر على اعتقال شخص واحد. ما حدث يحمل رسالة أكبر للعالم.
يمكن تفسير الأمر بطرق مختلفة، وليس فقط بالحديث عن النفط أو الموارد أو “الخطر” على الولايات المتحدة. الواقع أعقد من ذلك. هذا الحدث يدفعنا للتفكير في فكرة مهمة جدًا: القوة.
كيف تُفهم اليوم؟ وكيف تُستخدم؟ هل القوة شيء نملكه؟ أم نُظهره؟ أم نطبّقه بالأفعال؟ ربما كل ذلك معًا.
نستطيع أيضًا أن نناقش هل ما جرى قانوني أم لا. لكن يبقى سؤال عملي: ما الخيارات الأخرى التي كانت ممكنة؟ هنا تظهر فكرة القوة بوضوح: ليس فقط في الاعتقال، بل في طريقة تنفيذ العملية نفسها.
وهذا يقودنا إلى نقطة حساسة: المؤسسات. هل تقوم بدورها فعلاً؟ هل هي قوية أم ضعيفة؟ وهل تستطيع أن تمنع مثل هذه الأحداث أو تنظمها؟
اليوم تبدو فنزويلا والولايات المتحدة جزءًا من لعبة دولية كبيرة. الولايات المتحدة تُظهر قوتها وتسأل العالم بشكل غير مباشر: “لماذا نفعل ذلك؟” بينما فنزويلا تواجه سؤالًا أصعب: “ماذا سيحدث الآن؟”
ثم يأتي السؤال الأوسع: ماذا عن بقية الدول؟ كيف تغيّرت خريطة السياسة العالمية بعد هذا الحدث؟ كيف سيؤثر ذلك على الآخرين؟ وكيف قد يؤثر علينا نحن؟
كل نقطة من هذه النقاط تحتاج دراسة طويلة، لكن هدف هذا النص هو فتح الباب للنقاش: أن نفكر، ونسأل، ولا نترك الإعلام وحده يحدد لنا كيف نفهم ما يحدث. لأن أهم شيء نملكه كبشر هو صوتنا.
ذيل ترامب: القوة والنهج الجديد… قرارات واشنطن و«لماذا؟»
منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وبشكل أوضح بعد الحرب العالمية الثانية، رسّخت الولايات المتحدة صورتها بوصفها قوة كبرى، وبوصفها أيضًا “حامية” لمبادئ ديمقراطية. وخلال الحرب الباردة نشرت قواتها لاحتواء الاتحاد السوفييتي، مع إبقاء فكرة قديمة حاضرة دائمًا: أن الأميركتين مجالٌ حيويٌّ للنفوذ الأميركي.
بعد تلك المرحلة الثنائية، تغيّر شكل العالم. لم تعد المنافسة مع قوة واحدة فقط، كما أن الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة لم تعد تبدو مطلقة كما كانت. هل نحن أمام واقع متعدد الأقطاب؟ وهل تمتلك الدول فعلًا حرية القرار؟ من الصعب الجزم، لكن اعتقال مادورو (كما يرد في نصك) يطرح هذه الأسئلة بقوة لأنه يكسر كثيرًا من التصورات السابقة.
ليس سرًا أن فنزويلا كانت هدفًا قديمًا لدى دونالد ترامب. فمنذ ولايته الأولى حاول بوسائل متعددة إزاحة مادورو، لكنه الآن — وفق سردك — نجح بطريقة أكثر حسمًا وجرأة مما فعل سابقًا. وهنا يظهر سؤالان مباشران: لماذا الآن؟ ولماذا فنزويلا تحديدًا؟
سرعة العملية لافتة. ليس فقط من حيث الجرأة، بل من حيث الطريقة التي نُفّذت بها: استخدام أدوات القوة دون تردد، ومن دون مسار طويل من الضغوط التدريجية أو المناورات الدبلوماسية. تفسير “النفط” يبقى الأكثر وضوحًا، خصوصًا حين يقدَّم الأمر كغنيمة اقتصادية مباشرة. لكن الخلفية — كما يوحي النص — أعقد من ذلك: ترامب كان بحاجة إلى مشهد “استعادة هيبة” في لحظة تتداخل فيها الضغوط الداخلية مع صورة القيادة في الخارج.
في بدايات عودته للواجهة، كثّف ترامب التهديد بزيادة الرسوم الجمركية على دول عديدة، وصولًا إلى ما سُمّي بـ«يوم التحرير» حيث أُعلنت حزمة كبيرة من الضرائب التجارية. لكن هذه المقاربة لم تُنتج — وفق منطق النص — المكاسب التي كان يتوقعها: كثير من الإجراءات انتهى إلى إعادة تفاوض أو إلى نتائج قريبة من الوضع القائم، بينما خرجت الصين — بوصفها الخصم التجاري الأكبر — أكثر تماسُكًا مما أراد. الخلاصة هنا: تجاريًا، الصين ليست خصمًا سهل الكسر، وسياسيًا، تراجعت “هالة” الحسم التي أراد ترامب أن يثبتها.
إذا وضعنا ذلك في سياق الحديث عن “ذيل ترامب” المرتبط بعقيدة مونرو، فالفكرة الأساسية — كما تناقشها تحليلات عديدة — هي الانتقال من خطاب “حماية المجال” إلى خطاب أكثر صراحة في فرض خطوط النفوذ في نصف الكرة الغربي، وبصورة تُقدَّم كاستعادة للهيمنة الإقليمية.
اللازمة الترامبية: القوة والنموذج الجديد – قرارات الولايات المتحدة و«لماذا؟»
منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وبشكل أوضح بعد الحرب العالمية الثانية، بنت الولايات المتحدة صورتها العالمية ليس فقط كقوة كبرى، بل أيضًا كحامية لأفكار الديمقراطية. وخلال الحرب الباردة، نشرت قواتها لاحتواء الاتحاد السوفيتي، مع تركيز دائم على ما يُسمّى اليوم مجددًا: نطاق النفوذ في نصف الكرة الغربي.
لكن بعد انتهاء تلك المرحلة الثنائية، تغيّر شكل العالم. لم تعد هناك منافسة مباشرة مع قوة واحدة فقط، كما أن هيمنة الولايات المتحدة المنفردة لم تعد تبدو كما كانت. هل نحن أمام عالم متعدد الأقطاب؟ وهل تمتلك الدول حرية كاملة في قراراتها؟ من الصعب الجزم، لكن اعتقال مادورو يغيّر الكثير من هذه التصورات.
ليس سرًّا أن فنزويلا كانت هدفًا واضحًا لدونالد ترامب منذ ولايته الأولى. حاول عبر وسائل متعددة إزاحة مادورو، لكنه هذه المرة نجح بقوة وحسم لم يُظهرهما بالشكل نفسه سابقًا. وهنا تظهر أسئلة أساسية: لماذا الآن؟ ولماذا فنزويلا تحديدًا؟
سرعة العملية كانت لافتة. ليس فقط لأنها جريئة، بل لأنها نُفذت بسلطة كبيرة، ومن دون تردد، وباستخدام أدوات القوة الأمريكية بأقصى شكل. تفسير “النفط” يبدو الأكثر مباشرة، لأن ترامب نفسه لا يخفي أن كميات ضخمة من النفط ستذهب إلى الولايات المتحدة. لكن الخلفية أعمق من ذلك.
ففي ظل نقاط ضعف اقتصادية داخل إدارته، وتوترات مرتبطة بالمصرف المركزي، وفشل سياسة الرسوم الجمركية ضد الصين، كان ترامب بحاجة إلى استعراض قوة يعيد له صورة “الرئيس القادر على الفعل”.
في بدايات هذه المرحلة، بدأ ترامب يهدد دولًا كثيرة بزيادة الرسوم حتى تاريخ ٢ أبريل ٢٠٢٥، وهو اليوم الذي وصفه بـ«يوم التحرير»، حيث أعلن عشرات الضرائب الجديدة. لكن هذه السياسة انتهت بنتائج مخيبة: اضطر لإعادة التفاوض في أغلب الملفات دون مكاسب حقيقية، بينما خرجت الصين في نهاية العام أكثر قوة. والنتيجة كانت واضحة: الصين صعب كسرها تجاريًا، وترامب خسر جزءًا من هيبته التفاوضية.
كيف استعاد ترامب هذه “الهيبة” وما الذي يعنيه ذلك للعالم؟
هذه الهيبة — أو بالأدق القدرة على فرض شروط التفاوض والمصداقية — تراجعت خلال معارك الرسوم والاتفاقات. لكن ما فعله ترامب في فنزويلا أعاد إليه جزءًا كبيرًا منها، وأرسل رسالة للجميع بأن ما يقوله عبر وسائل التواصل ليس مجرد كلام.
هذا الفعل وضع الحلفاء والخصوم في حالة قلق:
-
من اعتقدوا أن ترامب “ضعف” بعد ملف الرسوم،
-
ومن كانوا يراهنون على ذلك،
كلاهما اكتشف أن ترامب قد يذهب إلى ما كان يُعتبر سابقًا “مبالغة” أو “غير معقول”.
وهذا يظهر في رسائل وتحركات مرتبطة بدول أخرى، مثل كولومبيا والمكسيك وكوبا، وفي ملف غرينلاند أيضًا، حيث يقدمه ترامب كقضية أمنية ضمن مجال نفوذ الولايات المتحدة. هذه ليست تفاصيل منفصلة، بل جزء من ديناميكية أوسع: تركيز ترامب على القارة الأمريكية باعتبارها مساحة يجب أن تُدار بقوة أمريكية مباشرة.
في هذا الإطار، يتحدث عن نسخة جديدة من «مبدأ مونرو» ويعيد تسويقه باسم جديد، وكأنه يقول: أنا أقرر شكل النفوذ، وأنا أفرض حدوده.
أما سبب هذا الإصرار على القوة، فقد يبقى غامضًا. قد يكون مرتبطًا بالمصلحة الأمريكية كما يراه هو، أو قد يكون مرتبطًا بشيء شخصي: رغبة في ترك “أثر تاريخي” قبل نهاية ولايته الأخيرة، بحيث يبقى اسمه حاضرًا حتى بعد خروجه من السلطة. وقد يكون الأمر ببساطة قرارًا فرديًا لا يعرف دوافعه الكاملة إلا هو.
ولا يمكن تجاهل أنه في ولايته الأخيرة يواجه أيضًا ضغطًا سياسيًا داخليًا. فحتى في الداخل الأمريكي توجد إشارات تحدٍ وانتقاد، مثل نتائج سياسية داخل مدن كبرى.
في النهاية، ما جرى في فنزويلا لا يقدَّم فقط كحدث أمني أو سياسي، بل كإشارة إلى نمط جديد: قائد يعيد تعريف القوة، ويستخدمها لصناعة سرديته، ويفرض منطق “القدرة على الفعل” بدل منطق “الالتزام بالقواعد”.
كما تبدو داخل الحزب ديناميكياتٌ تتشكّل بين جيه. دي. فانس وماركو روبيو — مهندس العملية — وهذا يدفع للتفكير في كيفية “تسويق” هذه الخطوة سياسيًا. يبرز روبيو بوصفه شخصيةً صاعدة، ويزداد حضوره، حتى إن بعض المقارنات تستحضر صورة كيسنجر في زمن الحرب الباردة. ووفق قراءة للواقعية الكلاسيكية، يتحرّك روبيو بالطريقة نفسها ولكن في عالم مختلف: يسعى إلى تركيز أدوات النفوذ لبناء مجال تأثيرٍ أوسع، وتنويع الوسائل التي تتحول إلى “توجيهات” أمريكية لدول القارة الأمريكية.
وبتجاهُلٍ شبه كامل للمؤسسات أو “الشرعية الديمقراطية” — وهو موضوع سأعود إليه لاحقًا — يقدّم دونالد ترامب مثالًا على أن اللعبة القديمة للقوة ما تزال تُدار بالأدوات نفسها حتى داخل نظام دولي جديد أكثر تعددًا. وكأنه يسير على خطى مكيافيلي: ما يفعله هو، وسيبقى، ممارسةً للقوة.
“ماذا بعد مادورو؟” وانجراف المجهول: ماذا يبقى لبقية نصف الكرة؟
كون مادورو حاكمًا استبداديًا ثبّت بقاءه عبر ممارسات مزوّرة هو أمرٌ واقع. وسيختلف الناس حول تقييم حكمه: هل كان “جيدًا” لشعبه أم لا؟ فحتى مع وجود الفساد والتضييق السياسي، فإن إصدار حكمٍ نهائي يجرّ عادةً إلى صدام بين من تبنّوا خطه الأيديولوجي ومن عارضوه.
ما حدث خلق فراغًا داخل جهاز “التشافيزية” الذي كان يدور حول الزعيم المُطاح به. ورغم تدني مستوى المعيشة الذي عاشه الفنزويليون، فإن “اليقين” الذي مثّله مادورو — حتى لو كان يقينًا سلبيًا — كان يقينًا. ديلسي رودريغيز التي تسلّمت دور الرئاسة تُعد شخصية قوية داخل التيار، وشغلت مواقع مفصلية في بنية الحكم، وكان يُفترض أن تكون محورًا صلبًا في مواجهة ترامب. لكن على عكس التوقعات، بات خطابها يتجه نحو التعامل مع الولايات المتحدة كشريك في ما يُسمّى “مرحلة الاستقرار” أو “المرحلة الأولى”.
وهنا تتكوّن معادلةٌ تحقق منفعة للطرفين: ترامب لا يبدو وكأنه يفرض رجلًا من رجاله لإدارة فنزويلا مباشرة، وفي الوقت نفسه يصبح واضحًا أن كاراكاس تميل إلى تكييف خياراتها مع المصالح الأمريكية. وعلى الرغم من إزالة مادورو، تبقى الأسماء نفسها في مواقعها؛ الذي يتبدّل هو توزيع الأدوار واتجاه الولاءات. أما رودريغيز، فهي — وإن من موقع أدنى — تسعى إلى الشيء ذاته الذي يسعى إليه ترامب: القوة.
وتُظهر هذه الترتيبة الجديدة، أو الصورة التي تُعرَض للعالم، فكرةً قاسية: من أجل البقاء، قد يصبح أي شيء ممكنًا، حتى تبديل المواقف التاريخية داخل الحزب أو إعادة تفسير “الخيانة” بما يخدم اللحظة. وفي حالة القيادة الفنزويلية، تبدو الخيارات محدودة أصلًا لأن تهديدات ترامب تجعل الكلفة أعلى. ومع ذلك، يبدو أن الجهاز الذي كان يدين بالولاء لمادورو يتكيّف ويتعاون بلا مقاومة تُذكر على أرض الواقع، بهدف الحفاظ على مواقعه. وهذه الصورة تغذي انطباعًا واحدًا: لا قيم ثابتة تُصان بقدر ما توجد قوة تُمارَس.
بالنسبة للناس، يبقى الجزء الأسوأ قائمًا. فمن منظور مادورو، الذين عانوا تحت حكمه—حتى وهم واثقون أنه سيواجه نوعًا من العقاب—يعلمون أنه لن يُحاسَب على الجرائم التي ارتُكبت داخل بلاده، أو على الأقل لن يُحاكم بسببها، بل سيُحاكم أساسًا بسبب ما فعله ضد الولايات المتحدة. وهذا يترك لدى الشعب الفنزويلي، ولو بشكل رمزي، إحساسًا بعقوبة لا تخصهم ولا تنصفهم—حتى إن لم تكن عقوبة قانونية. أمّا الوضع الداخلي فهو غير واضح أيضًا: فالجهاز الحاكم بدأ بالفعل بإطلاق سراح بعض السجناء السياسيين، لكن لا أحد يعرف كيف ستستمر هذه العملية. والولايات المتحدة لم تُصدر توجيهات واضحة للسكان، بل ركّزت فقط على ما يجب أن تقدمه فنزويلا من تنازلات، وعلى كيفية تعامل واشنطن معها ومع الدول التي تعتبرها “معادية”. وما يزال من غير الواضح هل ستكون هناك انتخابات، وهل سيعود إدموندو غونزاليس أوروتيا أو ماريا كورينا ماتشادو إلى الواجهة بوصفهما “فائزَين” كما تعترف بهما بعض الجهات، رغم أن ترامب تجاهلهما. عودة نظام واضح ومستقر ما تزال بعيدة، ومع كون القرار النهائي بيد الولايات المتحدة، يبقى السؤال: هل تهتم واشنطن فعلًا بفنزويلا وشعبها من زاوية إنسانية ومؤسساتية؟ أم أن الأمر مجرد مصالح مادية بغضّ النظر عمّن يمسك بالسلطة؟
وهناك أيضًا مسار غير مكتمل على مستوى نصف الكرة الغربي. فـ«عقيدة دونرو» لم تعد تضمن حرية الدول واستقلالها الكامل داخل النظام؛ بل أصبحت هذه الدول رهينة مدى خضوعها للولايات المتحدة، أو على الأقل لما تراه واشنطن “ضروريًا”. أحداث مثل ما جرى في الأرجنتين—حيث قال ترامب إن فوز ميلي التشريعي كان بفضله—أو ما حدث في هندوراس مع نصري أسفورا خلال الانتخابات الرئاسية، تُظهر أن رئيس الولايات المتحدة بدأ، ولو تدريجيًا، بتحريك الخيوط في أنحاء الأميركتين.
هذا التحوّل نحو اليمين في الأميركتين قد لا يكون تغيّرًا في القناعات بقدر ما هو نتيجة الاعتماد والارتباط بالولايات المتحدة. وتبقى دول مثل البرازيل استثناءً رئيسيًا: فمن خلال علاقاتها مع قوى أخرى في عالم متعدد الأقطاب (مثل الصين وروسيا والهند ضمن مجموعة بريكس)، تستطيع أن تحافظ على قدر من الاستقلال والمناورة في هذا المسار المتغير.
وحتى مع وجود ملفات غير محسومة مثل كوبا أو نظام نيكاراغوا، تبقى هناك أسئلة “نظرية” حول «عقيدة دونرو» تحتاج إلى توضيح: على من تنطبق؟ وفي أي حالات؟ وما الذي يميزها عن نسختها القديمة؟ ما يمكن قوله بثقة هو أن هذه العقيدة تتغير وتتحرك وفق قرارات ترامب نفسها، وربما تُصاغ لتجهيز الأرضية لمواجهة مع قوى عالمية أخرى، عبر تبرير سبب عدم اقتراب دول الأميركتين من الصين وبقائها ضمن محور الولايات المتحدة، أي خلق “وحدة” تحت قيادة واحدة وتوظيف القوة بهذه الطريقة.
وما يزال علينا أيضًا مراقبة نتائج ملف غرينلاند عند ترامب، والذي يبدو أنه سيحوّله عاجلًا أم آجلًا إلى “انتصار” جديد في السياسة الخارجية. فالتوتر مع الدنمارك بات صعبًا، وأوروبا على الأرجح لن تقف بقوة ضد قرارات واشنطن. ورغم أن ترامب قال إنه لن يفكك حلف الناتو، فإنه يعتبر عدم السيطرة على الجزيرة خطرًا على الأمن القومي. وفي ظل كون العائد الاقتصادي أو الموارد ليس هو الأساس هنا، يصبح الموضوع أقرب إلى الرمزية التي سبق الحديث عنها: «عقيدة دونرو»، والأمن القومي، وطموحات ترامب، إلى جانب الحسابات الجيوسياسية والموقع الاستراتيجي الذي قد يوفره ذلك في أي مواجهة مع الصين أو روسيا.
ومادام هذا الهدف هو الأقرب إلى قمة جدول أعماله، فالأيام ستكشف كيف ستتطور الأحداث. الشيء المؤكد هو أن كل زاوية يمكن تحليلها هنا تظل محكومة بترامب—بمنطقه ورؤيته ورغباته—وهذا بحد ذاته يعكس طريقة ممارسته للقوة.
التصور الدولي: من الهامش إلى القوة
من منظور دولي، وبالنظر من موقع “الأطراف”، فإن ما ينسجم أكثر مع العالم القادم هو ما وصفه عالم السياسة الأرجنتيني كارلوس إسكوديه بمفهوم «الواقعية الطرفية». فالتشابهات مع هذا التصور واضحة: هناك دول تضع القواعد — في حالتنا الولايات المتحدة داخل نصف كرتنا، وكذلك الصين داخل مجالها — ودول تتبع القواعد، أي الدول التي تصطف بسبب نفوذ ترامب وتميل نحو واشنطن، ودول “متمرّدة” مثل فنزويلا، التي دفعت الثمن.
أمام المنطق الجديد الذي أدخله الرئيس الأميركي، يوفر إسكوديه إطارًا لفهم سلوك الدول. فهو يبيّن كيف يمكننا — حتى من دون حرية كاملة — أن نستخدم ما لدينا من هامش حركة وأن نستفيد مما تستطيع قوة كبرى تقديمه. فتجنب الصدامات والحفاظ على علاقات “قريبة” يسمحان لنا، حتى تحت رقابة كوننا ضمن نصف كرتها، بأن نحقق تقدمًا داخليًا. إن قبول موقعنا كفاعل طرفي يصبح نقطة انطلاق للبناء في الداخل أكثر من محاولة تغيير قواعد اللعبة في الخارج، مع إدراك أن قدرتنا على فرض قواعد جديدة محدودة.
كما يقدم الباحث الأميركي جون ميرشايمر زاوية تفسّر موقف ترامب بصورة أوضح. فـ«الواقعية الهجومية» عند ميرشايمر تقول إن الدول لا تكتفي بطلب الأمن، بل ترى أن الطريق الأكثر ضمانًا إليه هو امتلاك قوة أكبر من الآخرين. ضمن هذا المنطق، تصبح أفكار ترامب عن الأمن القومي و“دفاع نصف الكرة” منسجمة مع تصور عالم متعدد الأقطاب حيث عدم اليقين بشأن نوايا وقدرات الآخرين يُعد خطرًا دائمًا، وبالتالي تصبح “الأمن عبر القوة” قاعدة أساسية: كلما زادت القوة كان ذلك أفضل.
والهدف الذي تسعى إليه الولايات المتحدة هنا ينسجم مع ما يكرره هذا المنظور: أن تكون “المهيمن الإقليمي”. فالقلق مما قد يفعله الآخرون يحفّز السعي إلى مزيد من النفوذ، لأن القوة — في هذا الفهم — ليست مجرد خيار، بل ضمانة.
هذه المقاربات، ضمن عدسة واقعية، تساعد على تفسير ملامح النظام الدولي الراهن وربما ما سيأتي ما دام القرار الأميركي يميل إلى استخدام “القوة الصلبة” أكثر من غيرها. ورغم أن التحليل ممكن من زوايا أخرى، فإن محور القوة يظل حاضرًا بقوة: طريقة إدارة ترامب لها تصنع واقعًا يدفع الفاعلين إلى التفكير بلغة المصالح والقدرة، أكثر من التفكير بلغة المثالية، ويؤكد أن النظام — كما هو — يتحرك بمنطق علاقات القوة.
