ukraine european defence cooperation flags in front of modern building image

هل يمكن لصندوق سايف أن يجعل أوروبا آمنة؟ دمج أوكرانيا في جهود التعاون الدفاعي الأوروبي: التحديات والفرص

ملخص

يتناول هذا التحليل اندماج أوكرانيا في التعاون الدفاعي الأوروبي من خلال صندوق SAFE، مسلطا الضوء على مكانتها الفريدة كشريك أمني شبه متكامل (SISP) على الرغم من عدم عضويتها في الاتحاد الأوروبي.

ينبع سعي أوكرانيا للانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي من مخاوف أمنية، وفوائد اقتصادية، وتوافق ثقافي مع أوروبا، لا سيما ردا على العدوان الروسي منذ عام 2014. وتعد عضوية الناتو بدفاع جماعي بموجب المادة 5، وقدرات عسكرية معززة، وإصلاحات سياسية، بينما يتيح الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تكاملا اقتصاديا، وتحسينات في الحوكمة، وقدرات دفاعية معززة.

تعارض روسيا تطلعات أوكرانيا للانضمام إلى حلف الناتو بسبب مخاوف أمنية واحتمالية انتشار عدوى الديمقراطية التي تهدد نظامها. ومع ذلك، فهي أكثر تقبلا لعضوية أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي، وتعتبرها تحالفا اقتصاديا وليس عسكريا. وقد غذت الضمانات التاريخية المقدمة للاتحاد السوفيتي ضد توسع الناتو شرقا اعتراضات روسيا. يرمز اندماج أوكرانيا في الهياكل الأوروبية إلى انفصالها عن النفوذ الروسي، ولكنه يطرح تحديات التصعيد والتوتر الجيوسياسي. ويعكس إدراج أوكرانيا في صندوق SAFE تطور حدود التعاون الدفاعي للاتحاد الأوروبي في ظل الصراع الدائر.

الكلمات المفتاحية: SAFE، الاتحاد الأوروبي، أوكرانيا، روسيا، الأمن

مقدمة

في المقال الأول عن SAFE[EE1]، المنشور مرة أخرى في World & New World Journal، خلص التحليل إلى نبرة متشككة نوعا ما: “يبدو أنه على الرغم من بعض النوايا الأولية لإنهاء الحرب الأوكرانية في وقت مبكر من أبريل/نيسان 2022، فإن النخب الأوروبية، وخاصة الفرنسية والألمانية والبولندية، هي التي تؤيد إطالة أمد الحرب الأوكرانية، إن لم يكن تصعيدها، مما قد يكون على حساب أمن القارة الأوروبية بأكملها، وبالتأكيد على حساب الأوكرانيين وبلادهم”.[1] علاوة على ذلك، طرح الكاتب، من منظور نقدي، بعض التساؤلات حول عواقب الحرب المستمرة. أولا، كلما طالت الحرب، ازداد دمار أوكرانيا وزاد عدد القتلى الأوكرانيين. ثانيا، كلما طال أمد الحرب، زاد احتمال التصعيد، مما يشكل تهديدا للقارة الأوروبية بأكملها. ثالثا، على الرغم من تقارير وسائل الإعلام الرئيسية، يبدو أن الاتحاد الروسي قد تكيف مع العقوبات بفعالية، مما قد يعزز اقتصاده على المدى القصير والمتوسط، والأهم من ذلك، يقربه من التعاون مع الصين وكوريا الشمالية. أخيرا، بما أن كل حرب تشكل حقل اختبار للتقنيات الجديدة، فإن الروس، وخاصة الكوريين الشماليين والصينيين، يكتسبون رؤى قيمة حول طبيعة الحرب الحديثة، والتي غالبا ما توصف بالثورة القادمة في الشؤون العسكرية (RMA).

يشير إدراج أوكرانيا في صندوق SAFE، على الرغم من كونها خارج الاتحاد الأوروبي، إلى وجود تحالف عسكري فعال. لذلك، سيستكشف هذا التحليل كيف يعيد هذا التحالف تعريف الخط الفاصل بين التعاون الدفاعي بين الاتحاد الأوروبي والدول غير الأعضاء فيه، وتحديدا في سياق أوكرانيا كشريك أمني شبه متكامل (SISP)، وكيف يحتمل أن يؤثر هذا التكامل شبه الكامل على تصور روسيا للتهديد.

التطلعات الأوروبية لأوكرانيا

202507291340531123831733

Source: https://www.freeworldmaps.net/europe/political.html

يعكس سعي أوكرانيا للانضمام إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي نهجا معقدا مدفوعا بمتطلبات أمنية واقتصادية وسياسية وثقافية، لا سيما في سياق صراعها المستمر مع روسيا وتطلعها إلى مستقبل مستقر ومزدهر.

بدأت مشاركة أوكرانيا مع حلف الناتو في أوائل التسعينيات، بخطوات رسمية نحو العضوية، اتسمت بقمة بوخارست عام 2008، التي قررت انضمام أوكرانيا.[2] وقد أعيد تأكيد هذا الالتزام في قمة واشنطن عام 2024، مؤكدة على “مسار أوكرانيا الحتمي” نحو الانضمام إلى حلف الناتو. أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فقد تقدمت أوكرانيا بطلب العضوية في 28 فبراير/شباط 2022، بعد وقت قصير من الغزو الروسي الشامل، مما يبرز مدى الإلحاح الناجم عن المخاوف الأمنية.[3]

منحت أوكرانيا صفة المرشح في يونيو/حزيران 2022، وبدأت مفاوضات الانضمام في ديسمبر/كانون الأول 2023، مما يعكس دعما سياسيا قويا.

يعزى السبب الرئيسي لعضوية الناتو إلى الأمن، لا سيما ردا على تصرفات روسيا منذ عام 2014، بما في ذلك ضم شبه جزيرة القرم وغزوها عام 2022. ترى أوكرانيا في آلية الدفاع الجماعي لحلف الناتو، وخاصة المادة 5، رادعا موثوقا به ضد أي عدوان إضافي. وقد قدم الناتو دعما كبيرا، بما في ذلك 50 مليار يورو في عام 2024، حيث يأتي ما يقرب من 60% من التمويل من الحلفاء الأوروبيين وكندا. كما أنشأ التحالف برنامج الناتو للمساعدة الأمنية والتدريب لأوكرانيا (NSATU) في قمة واشنطن عام 2024.[4]

ورغم أن عضوية الاتحاد الأوروبي ليست مسعى عسكريا بالأساس، إلا أنها تعزز الاستقرار السياسي من خلال الحد من التعرض للتهديدات الخارجية من خلال العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية. التطورات الأخيرة في يونيو/حزيران 2025، مثل اتفاق وزراء دفاع الناتو على أهداف جديدة للقدرات، وبيانات دول البلطيق الداعية إلى اتخاذ خطوات ملموسة في قمة الناتو المقبلة في لاهاي عام 2025، تؤكد الدعم الدولي المستمر.[5] ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات، مع بعض الغموض حول الإشارات الصريحة في بيانات الناتو، والمخاوف بشأن التحولات السياسية الأمريكية، كما أشار الرئيس الإستوني ألار كاريس في 9 يونيو/حزيران 2025.[6]

تعد عضوية الاتحاد الأوروبي محورية لتطلعات أوكرانيا الاقتصادية، حيث توفر الوصول إلى السوق الأوروبية الموحدة، والمساعدات المالية، والاستثمارات الضرورية لإعادة الإعمار بعد الحرب. وقد قدم الاتحاد الأوروبي أكثر من 108 مليارات يورو كمساعدات مالية وإنسانية وعسكرية منذ بدء الحرب، حيث يقدم مرفق أوكرانيا ما يصل إلى 50 مليار يورو من عام 2024 إلى عام 2027 للتعافي والإصلاحات.[7]

يتماشى هذا الدعم مع هدف أوكرانيا المتمثل في تحديث اقتصادها ومؤسساتها، بما في ذلك الحوكمة الديمقراطية وتدابير مكافحة الفساد، كما هو موضح في رأي الاتحاد الأوروبي لعام 2022 والتقارير اللاحقة.

ورغم تركيز عضوية الناتو في المقام الأول على الأمن، فإنها تعني أيضا توافقا سياسيا مع القيم الديمقراطية الغربية، مكملة بذلك تكامل الاتحاد الأوروبي. ويعكس تقدم أوكرانيا في التوافق مع معايير الناتو، كما يتضح من إزالة الحاجة إلى خطة عمل العضوية (MAP) في قمة فيلنيوس لعام 2023، التزامها بالإصلاحات التي تعزز الأمن والاستقرار السياسي.[8]

تؤطر أوكرانيا تطلعاتها الأوروبية كعودة إلى جذورها التاريخية والثقافية، مع التركيز على القيم الديمقراطية المشتركة وحقوق الإنسان ورفض النفوذ الروسي. وينعكس هذا التوجه في الدعم الشعبي القوي، حيث تظهر استطلاعات الرأي أن أكثر من 80% يفضلون عضوية الناتو و85-90% يؤيدون عضوية الاتحاد الأوروبي.[9] وقد عززت احتجاجات الميدان الأوروبي عام 2014، التي اندلعت بسبب رفض اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي والإجراءات الروسية اللاحقة، هذا الإجماع الوطني. أقرت التعديلات الدستورية عام 2019 عضوية الناتو والاتحاد الأوروبي كأهداف استراتيجية، مؤكدة بذلك على التوافق الثقافي مع أوروبا.

باختصار، تمثل عضوية كل من الناتو والاتحاد الأوروبي، وفقا للمجتمع الأوكراني، قطيعة حاسمة مع نطاق نفوذ روسيا، مما يضمن استقلالا طويل الأمد، ويواجه محاولات روسيا للسيطرة على دول ما بعد الاتحاد السوفيتي. تتجلى هذه الاستراتيجية الجيوسياسية في التزامات أوكرانيا التشريعية، مثل القرار البرلماني الصادر عام 2017 بجعل عضوية الناتو هدفا استراتيجيا، وإعادة تأكيد طلبات العضوية عام 2022 في أعقاب عمليات الضم الروسية غير القانونية.

يعزز التعاون الأخير بين الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، والذي سلط الضوء عليه في اجتماع عقد في 28 مايو/أيار 2025، وركز على أوكرانيا، هذا التوافق، ويبرز التضامن الدولي.[10]

وجهات نظر روسيا بشأن عضوية أوكرانيا في الناتو والاتحاد الأوروبي

تنبع اعتراضات روسيا على انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو من مخاوف أمنية وجيوسياسية وأيديولوجية، مع التركيز بشكل خاص على التحالفات العسكرية وانتشار العدوى الديمقراطية. في المقابل، تقبل روسيا عضوية أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي، معتبرة إياها اتحادا اقتصاديا ذا آثار أمنية أقل.

تنظر روسيا إلى توسع الناتو شرقا على أنه تهديد مباشر لأمنها القومي. ومن شأن الانضمام المحتمل لأوكرانيا أن يقرب البنية التحتية العسكرية للناتو، بما في ذلك القوات وأنظمة الدفاع الصاروخي، من الحدود الروسية. وينظر إلى هذا على أنه انتهاك للمصالح الأمنية المتصورة لروسيا، لا سيما بالنظر إلى تاريخ الناتو في الدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة. على سبيل المثال، أدى رد الناتو على ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 وغزوها الشامل عام 2022 إلى تكثيف التعاون مع أوكرانيا، مما زاد من حدة التوترات. [11]

إن الروابط التاريخية لأوكرانيا مع روسيا، المتجذرة في الماضي السوفيتي والإمبريالي المشترك، تجعل عضويتها المحتملة في الناتو خسارة كبيرة لمجال نفوذ روسيا. ينظر إلى التحول نحو التحالف الغربي على أنه هزيمة استراتيجية، إذ يقلل من قدرة روسيا على ممارسة نفوذها في أوروبا الشرقية. ويتجلى ذلك في تصرفات روسيا، مثل ضم شبه جزيرة القرم ودعم الانفصاليين في دونباس، والتي تعتبر ردودا على تطلعات أوكرانيا للانضمام إلى حلف الناتو.[12]

تعترض روسيا تحديدا على الجوانب العسكرية لعضوية حلف الناتو، متخوفة من نشر قوات أجنبية أو أنظمة عسكرية متطورة بالقرب من حدودها. ويتجلى هذا القلق بوضوح في تصريحات مسؤولي الكرملين، مثل دميتري بيسكوف، السكرتير الصحفي لرئيس الاتحاد الروسي، الذي أكد أن التحالفات العسكرية تشكل تهديدا مختلفا عن الاتحادات الاقتصادية.[13]

كثيرا ما يدعي الخبراء الغربيون أن اعتراض روسيا الحقيقي يكمن في التداعيات الديمقراطية لانضمام أوكرانيا إلى الغرب. ويمكن لأوكرانيا الناجحة والديمقراطية أن تشكل نموذجا للحركات الديمقراطية داخل روسيا، مما يتحدى الاستقرار السلطوي لنظام بوتين. يتجلى هذا الخوف في ردود فعل روسيا على الاختراقات الديمقراطية، مثل الثورة البرتقالية (2004) وحركة الميدان الأوروبي (2013-2014)، والتي قوبلت بأعمال عسكرية مثل ضم شبه جزيرة القرم ودعم الصراعات الانفصالية في دونباس، مما أسفر عن مقتل أكثر من 1,400 شخص على مدى ثماني سنوات.[14]

توسع الناتو: ما سمعه غورباتشوف

كثيرا ما تستشهد روسيا بالوعد المزعوم الذي قطع إبان سقوط الاتحاد السوفيتي بأن الناتو لن يتوسع شرقا. ويعد هذا التذمر جزءا من الرواية الأوسع لروسيا حول حصارها من قبل المؤسسات الغربية، مما يغذي معارضتها لتطلعات أوكرانيا للانضمام إلى الناتو. ووفقا لوثائق نشرت مؤخرا، قدم القادة الغربيون لميخائيل غورباتشوف ضمانات متعددة طوال عامي 1990 و1991 بأن الناتو لن يتوسع شرقا، لا سيما في سياق توحيد ألمانيا والهيكل الأمني الأوروبي الأوسع.[15]

أكد وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر، في فبراير/شباط 1990، لغورباتشوف مرارا وتكرارا أنه في حال توحدت ألمانيا وبقائها عضوا في حلف الناتو، فإن نطاق نفوذ الناتو لن يمتد “شبرا واحدا شرقا” إلى ما بعد موقعه الحالي. وطرح بيكر على غورباتشوف خيارا بين ألمانيا موحدة خارج الناتو أو ألمانيا موحدة داخله مع ضمانات ضد التوسع شرقا. وصرح غورباتشوف بأن أي توسع للناتو سيكون غير مقبول.

صرح وزير خارجية ألمانيا الغربية، هانز ديتريش غينشر، علنا في يناير/كانون الثاني 1990 بأن على الناتو استبعاد التوسع شرقا، واقترح منح وضع خاص لأراضي ألمانيا الشرقية السابقة داخل الناتو. وأصبحت “صيغة توتزينغ” هذه أساسا للمناقشات الدبلوماسية مع غورباتشوف، حيث انطبقت فكرة عدم التوسع شرقا ليس فقط على ألمانيا الشرقية، بل أيضا على دول أوروبا الشرقية الأخرى.

كما أبلغ وزير الخارجية البريطاني دوغلاس هيرد ورئيس الوزراء جون ميجور غورباتشوف ومسؤولين سوفييت آخرين أن توسع الناتو غير مطروح، وأنه لا توجد خطة لضم دول أوروبا الشرقية إليه في ذلك الوقت. وأكد ميجور شخصيا لغورباتشوف في مارس/آذار 1991 أن تعزيز الناتو أو توسيعه غير مخطط له.

أعرب الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران عن دعمه لتفكيك التكتلات العسكرية تدريجيا، وشدد على ضرورة تهيئة ظروف أمنية مواتية للاتحاد السوفيتي. ووعد بتقديم ضمانات مفصلة لغورباتشوف بشأن أمن بلاده.

أكدت مارغريت تاتشر على تحويل الناتو إلى تحالف أقل تهديدا عسكريا، وعلى دور مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا (CSCE) كمنتدى شامل من شأنه أن يشرك الاتحاد السوفيتي في المناقشات حول أمن أوروبا المستقبلي. وشددت على أهمية منح الاتحاد السوفيتي الثقة في ضمان أمنه.

في عام 1991، صرح الأمين العام لحلف الناتو، مانفريد فورنر، لوفد روسي بأن مجلس الناتو ومعظم الدول الأعضاء يعارضون توسع الناتو، وأنه ينبغي تجنب عزل الاتحاد السوفيتي عن المجتمع الأوروبي.

وأكد الرئيس جورج بوش الأب لغورباتشوف في عدة مناسبات، بما في ذلك في قمة مالطا عام 1989 وقمة واشنطن عام 1990، أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى أي ميزة أحادية الجانب، وأن توحيد ألمانيا داخل الناتو لن يكون موجها ضد الاتحاد السوفيتي. كما أكد على أهمية عملية مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا (CSCE)، وتحول الناتو استجابة للمخاوف الأمنية السوفيتية.

وإجمالا، أوجدت هذه الضمانات سلسلة من الوعود التي تؤكد على أن الناتو لن يتوسع شرقا، وأن المصالح الأمنية السوفيتية ستحترم كجزء من هيكل أمني أوروبي جديد. وافق غورباتشوف على توحيد ألمانيا داخل الناتو بناء على هذه الضمانات وإيمانه بإمكانية وجود “بيت أوروبي مشترك” يضم الاتحاد السوفيتي. ومع ذلك، قدمت هذه الضمانات في الغالب شفهيا أو بمذكرات، بدلا من معاهدات رسمية، وأدى توسع الناتو اللاحق في أواخر التسعينيات إلى شكاوى سوفيتية وروسية لاحقا بشأن تعرضها للتضليل.

باختصار، تكمن أهمية هذه الوعود في دورها في تمكين توحيد ألمانيا داخل الناتو، وتشكيل التوقعات السوفيتية بشأن أمن ما بعد الحرب الباردة، والتأثير على هيكل الأمن الأوروبي، والمساهمة لاحقا في الخلافات حول توسع الناتو وتصور روسيا بأنها مضللة من قبل الغرب.

عضوية الاتحاد الأوروبي: موقف أكثر قبولا

في المقابل، يختلف موقف روسيا من عضوية أوكرانيا المحتملة في الاتحاد الأوروبي اختلافا ملحوظا. تشير التصريحات الرسمية، مثل تصريحات فلاديمير بوتين، إلى أن روسيا “لا تعارض” انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وتعتبره اتحادا اقتصاديا وليس تحالفا عسكريا.

يرجح أن هذا القبول يعود إلى تركيز الاتحاد الأوروبي على التكامل الاقتصادي، الذي لا يشكل نفس التهديد الأمني الذي يشكله الإطار العسكري لحلف الناتو.[16]

تعزز تعليقات دميتري بيسكوف هذا التمييز، مشيرا إلى أن روسيا “لن تملي” نهجها تجاه عضوية الاتحاد الأوروبي، لكن لديها نهجا مختلفا تجاه التحالفات العسكرية.

يعكس هذا استعداد روسيا للدخول في شراكات اقتصادية مع معارضة التحالفات العسكرية. ورغم قبول روسيا عضوية الاتحاد الأوروبي، إلا أنها لا تزال حذرة من التداعيات الأوسع نطاقا، مثل تزايد النفوذ الغربي والإصلاحات الديمقراطية المحتملة في أوكرانيا. ومع ذلك، تعد هذه المخاوف ثانوية مقارنة باعتراضاتها على حلف الناتو، إذ لا ينطوي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي على التزامات عسكرية.

يظهر الرأي العام في أوكرانيا، كما هو مبين في استطلاعات الرأي الاجتماعية، دعما قويا لعضوية الناتو، حيث أيدها 64% في يناير/كانون الثاني 2022، لا سيما في غرب أوكرانيا وكييف.

يتناقض هذا مع موقف روسيا، مسلطا الضوء على الانقسام الجيوسياسي. إضافة إلى ذلك، حذر جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية السابق، من انضمام أوكرانيا إلى الناتو، مشيرا إلى أن النقاشات الداخلية في الغرب قد تتوافق مع الرواية الروسية القائلة بأن توسع الناتو سابق لأوانه.

أوكرانيا – عضو فعلي في الناتو والاتحاد الأوروبي؟ – الفرص والتحديات

– الناتو

يشير الخبراء إلى أن عضوية أوكرانيا في الناتو ستوفر على الأرجح ضمانة أمنية قوية بموجب المادة الخامسة، مما يثبط العدوان الروسي من خلال ضمان الدفاع الجماعي. هذا يعني أن أي هجوم على أوكرانيا سيعامل كهجوم على جميع أعضاء الناتو، بما في ذلك القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. هذا من شأنه أن يسهم في استقرار المنطقة، ويقلل من خطر نشوب صراعات أخرى.[17]

إن الجيش الأوكراني الكبير ذو الخبرة القتالية الواسعة سيعزز أيضا القدرات الدفاعية الشاملة لحلف الناتو، لا سيما في الحروب الحديثة، مثل عمليات الطائرات بدون طيار والهجمات السيبرانية. ومن المرجح أن تعزز عضوية الناتو القدرات العسكرية لأوكرانيا من خلال برامج التدريب والمناورات التي يقدمها الحلف، مما يحسن التوافق التشغيلي مع القوات المتحالفة. وتعمل برامج مثل برنامج الناتو للمساعدة الأمنية والتدريب لأوكرانيا (NSATU)، الذي أنشئ عام 2024، على تنسيق المعدات والتدريب مع مراكز في أوروبا الشرقية. ومن شأن ذلك أن يوازن القوات الأوكرانية مع معايير الناتو، مما يعزز الفعالية العملياتية، كما يتضح من المساهمات السابقة في البعثات التي يقودها الناتو في البوسنة وكوسوفو.[18]

ويبدو أن عضوية الناتو ستجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، لا سيما في مجال الدفاع، حيث تشارك الشركات الغربية بالفعل في إنتاج الذخائر في أوكرانيا. ومن شأن الدعم المالي، مثل مبلغ الـ 40 مليار يورو الذي تم التعهد به عام 2024، أن يسهم في إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، كما هو موضح في تعهد الناتو بالمساعدة الأمنية طويلة الأمد. سياسيا، قد يدفع ذلك بإصلاحات في الحوكمة ومكافحة الفساد، بدعم شعبي قوي (75% مؤيد) يضمن الالتزام.[19]

وأخيرا، يأمل صانعو السياسات في الغرب أيضا أن تكبح عضوية أوكرانيا في حلف الناتو، أو حتى تنهي، الطموحات الإمبريالية الروسية، مرسلة رسالة واضحة مفادها أن إخضاع أوكرانيا أمر لا طائل منه. ومع ذلك، قد يفاقم ذلك أيضا التوترات مع روسيا. “في حين أن هناك اعترافا واسع النطاق بأن نتيجة حرب روسيا في أوكرانيا ستشكل مستقبل العلاقات الدولية، […] يبدو أن التحالف منقسم بشدة بشأن هذه القضية.

وتتمحور الاعتراضات حول احتمال تصعيد خطير آخر في المواجهة الحالية مع الكرملين. ويجادل المعارضون بأنه بدعوة أوكرانيا للانضمام، قد يجد الناتو نفسه قريبا في حالة حرب مع روسيا. في غضون ذلك، يعتقد العديد من مؤيدي عضوية أوكرانيا في حلف الناتو أن إبقاء البلاد في حالة من الجمود الجيوسياسي هو خطأ لا يؤدي إلا إلى تشجيع موسكو وإطالة أمد الحرب”.[20]

– الاتحاد الأوروبي

تتعدد الفرص المزعومة الناتجة عن عضوية أوكرانيا الفعلية في الاتحاد الأوروبي. وفقا للخبراء، من المرجح أن تعزز عضوية أوكرانيا المحتملة في الاتحاد الأوروبي التكامل الاقتصادي من خلال منحها إمكانية الوصول إلى السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، مما يسهل حرية حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال والأشخاص. وهذا من شأنه أن يزيد تجارة أوكرانيا بنسبة تتراوح بين 40% و140% بين عامي 2030 و2040، مقارنة بمتوسطات الفترة 2010-2019، مدفوعا بالاستثمار الأجنبي المباشر وإصلاحات الحوكمة.[21]

سيتم تعزيز منطقة التجارة الحرة العميقة والشاملة (DCFTA)، التي دخلت حيز التنفيذ منذ عام 2017، بشكل أكبر، مما يعزز العلاقات الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي.[22] تعمل اتفاقية الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا على تحسين القدرة التنافسية للشركات الأوروبية في السوق الأوكرانية والعكس صحيح. بشكل عام، بالنسبة لتجارة السلع، ألغت الاتفاقية غالبية التعريفات الجمركية – 98.1% للاتحاد الأوروبي و99.1% لأوكرانيا. على سبيل المثال، تم تخفيض رسوم الاستيراد على معظم السلع الزراعية المستوردة إلى الاتحاد الأوروبي إلى الصفر في عام 2016. تنطبق حصص معدل التعريفة الجمركية على السلع الزراعية المتبقية غير المحررة. تتم إدارة هذه الحصص إما على أساس أسبقية الحضور أو من خلال تراخيص الاستيراد.

يبدو من المرجح أن يؤدي انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي إلى إصلاحات في الحوكمة وسيادة القانون وتدابير مكافحة الفساد. حاليا، تحتل أوكرانيا مرتبة ضعيفة في مقاييس الحوكمة، حيث يكون أداؤها أسوأ من روسيا وبيلاروسيا؛ ومع ذلك، يمكن أن تساعد شروط الاتحاد الأوروبي في ترقيتها إلى دولة ذات حكم جيد.

مع تأييد 78% من الأوكرانيين لانضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي، هناك دعم شعبي قوي لهذه الإصلاحات.[23]

من المرجح أيضا أن تعزز عضوية أوكرانيا قدرات الاتحاد الأوروبي الأمنية والدفاعية. ومن شأن صناعة الدفاع الأوكرانية المتنامية بسرعة، بما في ذلك استثمارات مثل شركة بايكار بقيمة 100 مليون دولار أمريكي لإنتاج الطائرات بدون طيار، ومشروع مشترك مع شركة راينميتال لإنتاج قذائف المدفعية، أن تعزز منظومة الدفاع في الاتحاد الأوروبي.[24]

بامتلاك أوكرانيا أحد أكبر الجيوش النظامية في أوروبا (حوالي مليون جندي) ذي خبرة في الحروب الحديثة، يمكنها أن تقدم خبرات قيمة.

إن إنشاء مكتب الاتحاد الأوروبي للابتكار الدفاعي في كييف يعزز اندماج أوكرانيا في برامج الدفاع الأوروبية.

قد تكون هناك فوائد إضافية في مجال أمن الطاقة، حيث تصدر أوكرانيا الكهرباء والهيدروجين منخفضي الكربون إلى الاتحاد الأوروبي، كما أن التقدم التكنولوجي، لا سيما في مجال الطائرات بدون طيار والقدرات السيبرانية، يضع أوكرانيا في موقع الريادة في البحث والتطوير التكنولوجي. ويمكن لهجرة العمالة أن تساعد في تخفيف نقص العمالة في الاتحاد الأوروبي، مع توقعات بوصول عدد المهاجرين الأوكرانيين إلى 3-6 ملايين بحلول عام 2029-2050.

الخلاصة

في الختام، يمثل اندماج أوكرانيا في التعاون الدفاعي الأوروبي، وخاصة من خلال حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، تحولا استراتيجيا قد يعزز الأمن الأوروبي ويواجه النفوذ الروسي. توفر عضوية الناتو لأوكرانيا ضمانات دفاعية جماعية حيوية، وتعزز قدراتها العسكرية، وقد تردع أي عدوان روسي مقبل، مع أنها تخاطر بتصعيد التوترات.

تبشر عضوية الاتحاد الأوروبي بفوائد اقتصادية كبيرة، وإصلاحات حوكمة، وتوافق سياسي أعمق مع أوروبا. تركز المعارضة الروسية بشكل رئيسي على التهديد العسكري لحلف الناتو، بينما تظهر قبولا أكبر للعلاقات الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي. بشكل عام، يجسد وضع أوكرانيا شبه المتكامل في أطر الدفاع الأوروبية تطورات ديناميكية أمنية ذات آثار عميقة على مجتمع الأمن الإقليمي في أوروبا.

المراجع
[1] Sliwinski, K. (2025, July 7). Can SAFE make Europe safe? From civilian to military power Europe. World & New World Journal. https://worldandnewworld.com/safe-europe-military-power-3/ [2] Relations with Ukraine. (2025, March 11). North Atlantic Treaty Organization. https://www.nato.int/cps/en/natohq/topics_37750.htm [3] Ukraine. European Commission. https://enlargement.ec.europa.eu/european-neighbourhood-policy/countries-region/ukraine_en [4] Relations with Ukraine. (2025, March 11). North Atlantic Treaty Organization. https://www.nato.int/cps/en/natohq/topics_37750.htm [5] NATO Defence Ministers agree new capability targets to strengthen the Alliance. (2025, June 5). North Atlantic Treaty Organization. https://www.nato.int/cps/en/natohq/news_235900.htm [6] Estonian president: Ukraine’s NATO membership still possible despite Trump. (2025, June 9). European Pravda. https://www.eurointegration.com.ua/eng/news/2025/06/9/7213345/ [7] Ukraine. European Commission. https://enlargement.ec.europa.eu/european-neighbourhood-policy/countries-region/ukraine_en [8] Vilnius Summit Communiqué. (2023, July 11). North Atlantic Treaty Organization. https://www.nato.int/cps/en/natohq/official_texts_217320.htm [9] Imagine that a referendum on Ukraine’s accession to the European Union (EU) is currently taking place. How would you vote? (2024, October 8). Statista. Https://Www.Statista.Com/Statistics/1284801/Ukraine-Opinion-on-Eu-Accession/. https://www.nato.int/cps/en/natohq/official_texts_217320.htm Also: Are you for or against Ukraine joining the North Atlantic Treaty Organization (NATO)? (2025, January 6). Statista. https://www.statista.com/statistics/1294468/public-opinion-on-ukraine-joining-nato/ [10] NATO and the European Union unite for Ukraine at a NAC - PSC meeting. (2025, May 28). North Atlantic Treaty Organization. https://www.nato.int/cps/en/natohq/news_235693.htm [11] NATO’s response to Russia’s invasion of Ukraine. (2025, February 17). North Atlantic Treaty Organization. https://www.nato.int/cps/en/natohq/topics_192648.htm [12] Person, R., & McFaul, M. (2022). What Putin Fears Most. Journal of Democracy, 33(2), 18–27. https://www.journalofdemocracy.org/articles/what-putin-fears-most/ [13] Körömi, C. (2025, February 18). Russia: Ukraine has a ‘sovereign right’ to join EU — but not NATO. POLITICO. https://www.politico.eu/article/dmitrt-peskov-kremlin-ukraine-sovereign-right-join-eu-not-nato/ [14] Person, R., & McFaul, M. (2022). What Putin Fears Most. Journal of Democracy, 33(2), 18–27. https://www.journalofdemocracy.org/articles/what-putin-fears-most/ [15] National Security Archive. (2017, December 12). NATO expansion: What Gorbachev heard. The George Washington University. https://nsarchive.gwu.edu/briefing-book/russia-programs/2017-12-12/nato-expansion-what-gorbachev-heard-western-leaders-early [16] Putin says Russia has “nothing against” Ukraine joining EU. (2022, June 17). REUTERS. https://www.reuters.com/article/world/putin-says-russia-has-nothing-against-ukraine-joining-eu-idUSKBN2NY0NK/ [17] Relations with Ukraine. (2025, March 11). North Atlantic Treaty Organization. https://www.nato.int/cps/en/natohq/topics_37750.htm [18] Sendak, C., & Timtchenko, I. (2025, January 16). Between Now and NATO: A Security Strategy for Ukraine. Center for European Policy Analysis (CEPA). https://cepa.org/comprehensive-reports/between-now-and-nato-a-security-strategy-for-ukraine/ [19] Relations with Ukraine. (2025, March 11). North Atlantic Treaty Organization. https://www.nato.int/cps/en/natohq/topics_37750.htm [20] Grod, P. (2024, July 11). Five reasons why Ukraine should be invited to join NATO. North Atlantic Treaty Organization. https://www.atlanticcouncil.org/blogs/ukrainealert/five-reasons-why-ukraine-should-be-invited-to-join-nato/ [21] Darvas, Z., Dabrowski, M., Grabbe, H., Léry, L., Moffat, A., Sapir, G., & Zachmann, G. (2024, March 7). Ukraine’s path to European Union membership and its long-term implications. Bruegel. https://www.bruegel.org/policy-brief/ukraines-path-european-union-membership-and-its-long-term-implications [22] EU-Ukraine Deep and Comprehensive Free Trade Area. (2024, March 7). European Commission. https://trade.ec.europa.eu/access-to-markets/en/content/eu-ukraine-deep-and-comprehensive-free-trade-area [23] Darvas, Z., Dabrowski, M., Grabbe, H., Léry, L., Moffat, A., Sapir, G., & Zachmann, G. (2024, March 7). Ukraine’s path to European Union membership and its long-term implications. Bruegel. https://www.bruegel.org/policy-brief/ukraines-path-european-union-membership-and-its-long-term-implications [24] Khachatryan, A. et.al. (2024, June 19). The Benefits and Opportunities of Ukraine’s EU Accession. Tony Blair Institute for Global Change. https://institute.global/insights/geopolitics-and-security/the-benefits-and-opportunities-of-ukraines-eu-accession
First published in: World & New World Journal
 كريستوف سليوينسكي

كريستوف سليوينسكي

هونغ كونغ المعمدانية (https://gis.hkbu.edu.hk/people/prof-krzysztof-sliwinski.html) وJean Monnet Chair. حصل على درجة الدكتوراه من معهد العلاقات الدولية بجامعة وارسو عام 2005. ومنذ عام 2008، يعمل في جامعة هونغ كونغ المعمدانية. يُلقي محاضرات بشكل منتظم حول التكامل الأوروبي، والأمن الدولي، والعلاقات الدولية، والدراسات العالمية. تشمل اهتماماته البحثية الرئيسية السياسة الخارجية البريطانية واستراتيجية الأمن، والسياسة الخارجية البولندية واستراتيجية الأمن، والدراسات الأمنية والاستراتيجية، وقضايا الأمن التقليدية وغير التقليدية، والذكاء الاصطناعي والعلاقات الدولية، والسياسة الأوروبية والاتحاد الأوروبي، ونظريات التكامل الأوروبي، والجيوسياسية، والتدريس والتعليم.

Leave a Reply