في 19 يناير/كانون الثاني 2026، شهدت بلغاريا حدثًا غير مسبوق في تاريخها السياسي خلال مرحلة ما بعد الاشتراكية: أعلن رئيس الجمهورية رومين راديف استقالته المبكرة من منصبه. وتندرج هذه الاستقالة ضمن منطق الأزمة المزمنة التي تعيشها البلاد، حيث لم تعد عملية الاندماج الأوروبي تُعدّ عاملًا للتحديث الاقتصادي فحسب، بل تحولت أيضًا إلى محفّز لعدم الاستقرار السياسي وتزايد اغتراب المجتمع عن المؤسسات التقليدية.
شغل راديف منصب الرئيس لمدة تسع سنوات، من يناير/كانون الثاني 2017 إلى يناير/كانون الثاني 2026. وخلال هذه الفترة، شهدت البلاد تحولات دراماتيكية: انهيار النظام الحزبي الثنائي التقليدي (GERB–BSP)، وصعود قوى سياسية جديدة (لا سيما الحزب القومي «فازراجدانه»)، وتفتت الأغلبية البرلمانية، وموجة غير مسبوقة من تغييرات الحكومات.
فبين عامي 2021 و2025، عرفت بلغاريا عشرة تغييرات حكومية، من بينها أربع حكومات تكنوقراطية عيّنها الرئيس راديف نفسه. وقد شكّلت استقالته التغيير الحادي عشر. ولا يعكس هذا الوضع مجرد أزمة ظرفية، بل يكشف عن أزمة بنيوية عميقة وعجز النظام السياسي عن العمل بكفاءة وضمان الاستقرار والحكم الفعّال.
وضعت انتخابات يوليو/تموز 2021 حدًا لعقود من الثنائية الحزبية بين «غيرب» (GERB) و«الحزب الاشتراكي البلغاري» (BSP). ورغم بقائهما من القوى الكبرى، فإن حصتهما المشتركة في البرلمان تراجعت من نحو 70% تاريخيًا إلى 45%. وأدى ظهور عدد كبير من الفاعلين السياسيين الجدد في الانتخابات اللاحقة (مثل ITN، وتحالف PP-DB، وفازراجدانه، و«السيف»، وAPS، وغيرهم) إلى مزيد من تفتيت المشهد السياسي وتعقيد تشكيل ائتلافات مستقرة.
وفي انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2024، بلغ هذا التشرذم مستوى غير مسبوق، إذ حصلت تسعة أحزاب على تمثيل برلماني. وتصدر حزب «غيرب» الوسطي النتائج بنسبة 26.4% من الأصوات (66 مقعدًا)، في حين حصل تحالف PP-DB على 14.2% فقط (36 مقعدًا). وبلغت نسبة المشاركة 39%، ما يعكس بدوره أزمة ثقة متزايدة في العملية السياسية.
الاندماج الأوروبي كمحفّز لعدم الاستقرار السياسي
تكتسب استقالة راديف أهمية خاصة في سياق مسار الاندماج في منطقة اليورو. فقد رسّخ انضمام بلغاريا إلى الاتحاد الأوروبي عام 2007 خيار الاندماج الأوروبي كاتجاه مركزي في السياسة الخارجية ومحرك رئيسي للإصلاح الداخلي. غير أن هذه العملية لم تقتصر على التكيّف المؤسسي البنيوي، بل رافقها أيضًا تصاعد في الاستقطاب الاجتماعي والسياسي. وعلى الرغم من أن أكثر من نصف السكان عارضوا إدخال اليورو في فبراير من العام الماضي، فقد أُطلق رسميًا اعتماد العملة الأوروبية الموحدة في 1 يناير/كانون الثاني 2026.
وفي خطابه الأخير بصفته رئيسًا، أشار راديف إلى أن البلاد انضمت خلال ولايته إلى اتفاقية شنغن واعتمدت اليورو، لكنه عبّر عن شكوكه في أن هذه الخطوات جلبت الاستقرار أو الرضا الشعبي. وتوحي هذه اللهجة بأن استقالته قد تكون خطوة محسوبة تهدف إلى تموضعه كمركز بديل للقوة السياسية قادر على تجاوز الأزمة القائمة.
وبالتوازي مع عدم الاستقرار السياسي، شهدت بلغاريا موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات الجماهيرية. فقد اندلعت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 احتجاجًا على مشروع موازنة تضمن زيادات في الضرائب ومساهمات الضمان الاجتماعي، وسرعان ما تحولت إلى تعبير عام عن السخط إزاء الفساد وسوء الإدارة. ووفقًا لوكالة الأنباء «ميارا» (MYARA)، بلغ تأييد الاحتجاجات 71.3% من السكان، ما يعكس درجة واسعة من الاغتراب عن المؤسسات السياسية التقليدية.
في الوقت ذاته، تراجعت شعبية حكومة روزن جيليازكوف إلى 19.2% فقط، بينما بلغت نسبة عدم الرضا 66% بعد مرور 100 يوم فقط على تشكيلها. وكانت الثقة في الجمعية الوطنية (البرلمان) أدنى من ذلك، إذ لم تتجاوز 15.2%، مقابل 75.1% من المواطنين الذين أعربوا عن عدم رضاهم عن أدائها.
وفي ظل هذا السخط الواسع تجاه المؤسسات السياسية، بقي راديف الشخصية الوحيدة التي حافظت على قدر ملحوظ من ثقة الناخبين. فبحسب وكالة «ميارا»، أبدى 44.6% موافقتهم على أدائه في سبتمبر/أيلول 2025، مقابل 37.9% غير راضين — وهي نسبة تفوق بشكل واضح مستوى الثقة الذي حظي به أي سياسي آخر.
وهكذا تتشكل مفارقة لافتة: رئيس يحظى بشعبية واسعة لكنه عاجز عن حل أزمة نظام برلماني لا يملك فيه سوى صلاحيات محدودة. وقد تُفهم استقالته بوصفها رفضًا للاستمرار في دور «الحَكَم» داخل اللعبة البرلمانية، وانتقالًا إلى موقع قائد بديل قادر على طرح مشروع سياسي جديد.
الطابع الاستراتيجي لاستقالة راديف
في النظام البرلماني البلغاري، يتمتع الرئيس بصلاحيات محدودة. وتقتصر مهامه الأساسية على تعيين الحكومات التكنوقراطية في حالات الانسداد البرلماني، وإعادة القوانين إلى البرلمان لمراجعتها، وتمثيل الدولة في الشؤون الدولية. وعمليًا، يتمثل دوره في أداء وظيفة «المُحكِّم» بين السلطات والمؤسسات المختلفة.
أما السلطة التنفيذية الفعلية فتبقى بيد رئيس الوزراء وحكومته. وخلال تسع سنوات من رئاسته، استثمر راديف هذه الصلاحيات المحدودة إلى أقصى حد، إذ عيّن سبع حكومات تكنوقراطية — وهو رقم قياسي. وتتيح له استقالته الانتقال إلى مرحلة جديدة في مسيرته السياسية. وتتكاثر التكهنات الإعلامية حول احتمال تأسيسه حزبًا سياسيًا خاصًا به وخوضه الانتخابات البرلمانية المقبلة. وفي حال تحقق ذلك، قد يسعى لتولي منصب رئيس الوزراء — وهو منصب يتمتع بسلطات تنفيذية أوسع بكثير.
إن انتقال رئيس الدولة من دور الحكم المؤسسي إلى دور قائد حزبي فاعل أوجد واقعًا سياسيًا جديدًا، وأجبر جميع القوى السياسية على إعادة تقييم استراتيجياتها بشكل عاجل. وقد تلقت الائتلاف الحاكم المؤيد للأطلسية (GERB-SDS وPP-DB) الضربة الأكبر. فبالنسبة لهم، يشكل المشروع السياسي لراديف «بجعة سوداء» تقلب النموذج الثنائي المعتاد للمواجهة السياسية. ففي السابق، كان من الممكن استخدام الرئيس كهدف مريح لتحميله مسؤولية الإخفاقات، واتهامه بتجاوز صلاحياته أو عرقلة الإصلاحات، أما الآن فقد أصبح منافسًا مباشرًا يهاجم نقاط ضعف الحكومة، خصوصًا في المجالين الاجتماعي والاقتصادي. وقد نجح في جذب ليس فقط الناخبين الاحتجاجيين، بل أيضًا شريحة من الناخبين المعتدلين المحبطين من التسويات الحكومية المتكررة وغياب النتائج الملموسة.
كما دخل الصراع مع جناح دليان بيفسكي داخل حركة الحقوق والحريات (DPS) مرحلة أكثر حدة. فما كان يُنظر إليه سابقًا كصراع مؤسسي بين السلطات تحول الآن إلى مواجهة انتخابية مباشرة. وبات بإمكان الرئيس السابق توجيه انتقادات صريحة لأنماط الفساد، مما يشكل تهديدًا وجوديًا لمشروع «البداية الجديدة»، ويحرم قيادته من إمكانية تقديم نفسها كحامية وحيدة للبرلمانية في مواجهة «الاستبداد الرئاسي».
ومن المفارقات أن الاصطفاف الجديد يحمل أكبر المخاطر الانتخابية للقوى الأيديولوجية الأقرب إلى راديف، مثل حزب «فازراجدانه» والحزب الاشتراكي البلغاري (BSP). فظهور زعيم شعبي يدافع عن السيادة الوطنية قد يؤدي إلى تقاسم قاعدتهم الانتخابية. وبالنسبة للحزب الاشتراكي، قد يكون ذلك ضربة قاصمة، إذ يمكن لمرشحه السابق أن يستوعب ما تبقى من الناخبين اليساريين، مما يدفع الحزب نحو هامش الحياة السياسية. أما «فازراجدانه»، فيواجه خطر فقدان احتكاره للخطاب المتشكك في الاتحاد الأوروبي، والدخول في منافسة مع شخصية سياسية تحظى بمعدلات ثقة شخصية تفوق بكثير قادة الحزب.
أما أحزاب الأقليات القومية (مثل DPS وAPS)، فقد لعبت تقليديًا دورًا محوريًا في تشكيل الأغلبية البرلمانية، وغالبًا ما كانت تحدد تركيبة واستمرارية الحكومات. ولا تبدو استقالة راديف مؤثرة في استراتيجيتها الأساسية، والمتمثلة في ضمان الوصول إلى موارد الدولة لمجتمعاتها وتمثيل مصالحها سياسيًا. غير أن هذه الاستقالة قد تنهي فترة كانت تتمتع فيها هذه الأحزاب بنفوذ غير متناسب مع حجمها. وإذا أسفرت الانتخابات المقبلة عن أغلبية أكثر استقرارًا من دون الحاجة إلى دعمها، فقد يتراجع تأثيرها. ومع ذلك، وبالنظر إلى الطابع المجزأ للبرلمان البلغاري، فمن غير المرجح أن تتمكن أي ائتلافات من تجنب التفاوض مع أحزاب الأقليات.
الانتخابات البرلمانية في ربيع 2026: أمل ومخاطر
قد تشكل الانتخابات البرلمانية المقررة في ربيع 2026 فرصة إما لإنهاء الأزمة أو لتعميقها. فمن جهة، تتيح الانتخابات الجديدة للناخبين التعبير عن إرادتهم بشكل أوضح وخلق أساس لائتلاف أكثر استقرارًا. ومن جهة أخرى، إذا استمر الناخبون في التصويت بشكل متقلب كما حدث في أعوام 2021 و2023 و2025، فإن الانتخابات الجديدة قد تعيد إنتاج برلمان مجزأ، ما يعني استمرار الأزمة.
وعلاوة على ذلك، إذا أسس راديف حزبًا سياسيًا جديدًا وحقق نجاحًا انتخابيًا، فقد يؤدي ذلك إلى مزيد من تفتيت البرلمان، إذ سيسعى حزبه إلى استقطاب ناخبين يدعمون حاليًا أحزابًا قائمة، مما يعيد توزيع موازين القوى داخل المشهد السياسي.
وخلال تسع سنوات في الرئاسة، استنفد راديف جميع الأدوات الدستورية المتاحة له لإدارة الأزمة السياسية. وقد تفتح استقالته الباب أمام إصلاحات مؤسسية طال انتظارها من شأنها تعزيز متانة النظام السياسي البلغاري. فإذا أسفرت الانتخابات المقبلة عن أغلبية سياسية أوضح، فقد يتمكن الرئيس السابق من تأسيس حزب يتموضع كبديل إصلاحي عن حزبي GERB وPP-DB.
أما إذا أُدخلت تعديلات دستورية تعزز من صلاحيات السلطة التنفيذية، فقد تمثل هذه الخطوة بداية مرحلة جديدة في تطور الديمقراطية البلغارية، تعيد تعريف توازن السلطات وآليات الحكم في البلاد.
Related
First published in:
Russian International Affairs Council (RIAC)
Vladislava Verzunova
طالب في جامعة HSE