الملخص
يُعدّ هذا الجزء الثاني من التحليل امتدادًا لدراسة التفسير الواقعي للحرب الجارية في أوكرانيا (يمكن الاطلاع على الجزء الأول هنا). يتناول هذا البحث الحرب المستمرة من منظور المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، متحديًا السرديات الغربية المتفائلة، ومسلّطًا الضوء على المكاسب الاستراتيجية التي حققتها روسيا رغم العقوبات الواسعة المفروضة عليها. فمنذ عام ٢٠٢٢، فرض الاتحاد الأوروبي ١٩ حزمة من العقوبات استهدفت الاقتصاد الروسي، إلا أن روسيا تمكنت من التكيّف معها وواصلت عملياتها العسكرية على عدة جبهات، محققة تقدمًا إقليميًا ملحوظًا، لا سيما في مقاطعة دونيتسك.
كما يبرز البحث الأهمية الاستراتيجية لمدينة أوديسا، أكبر ميناء أوكراني للمياه العميقة، نظرًا لقيمتها الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية، حيث يناقش خبراء روس بشكل علني احتمال السيطرة عليها. وقد أسهم الصراع كذلك في دفع عملية تحديث المجمع الصناعي–العسكري الروسي، مع إدخال أنظمة صاروخية متقدمة وأسلحة فرط صوتية تمثل تحديًا حقيقيًا لمنظومات دفاع حلف شمال الأطلسي.
أما التغيرات الإقليمية المحتملة بعد انتهاء الحرب، فما تزال غير واضحة، في ظل القيود التي تفرضها الدستور الأوكراني والقانون الدولي على الخيارات الدبلوماسية. وفي الوقت ذاته، يظهر انقسام واضح في الرأي العام الأوروبي بشأن الاستعداد للحرب، وهو ما يعكس ترددات مجتمعية أوسع تجاه استمرار الصراع وتبعاته.
الكلمات المفتاحية: الواقعية، الحرب، أوكرانيا
الواقع على الأرض – الخسائر الإقليمية والتطورات العسكرية
في ظل السردية المتفائلة للغاية وما رافقها من تفكير جماعي، كما جرى توضيحه في الجزء الأول من هذه الدراسة، فرض الاتحاد الأوروبي حتى الآن ما لا يقل عن ١٩ حزمة من العقوبات.[1] وتركّز أحدث هذه الحزم، التي تم اعتمادها في ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٥، على تشديد الضغط على اقتصاد الحرب الروسي من خلال استهداف قطاعات رئيسية تشمل الطاقة والتمويل والقدرات العسكرية والنقل والخدمات المهنية، إلى جانب تعزيز إجراءات مكافحة الالتفاف على العقوبات.[2]

المصدر: العقوبات التي اعتُمِدت عقب العدوان العسكري الروسي على أوكرانيا. (٢٩ أكتوبر ٢٠٢٥). المفوضية الأوروبية.
وفي الوقت نفسه، يبدو أن روسيا قد تقبّلت الآثار السلبية للعقوبات وتكيّفت معها، بل وتعلّمت كيفية الاستمرار في العمل في ظلها، من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير جوهري في مسارها العسكري أو الاستراتيجي.

جيوسياسيًا، يضفي موقع أوديسا أهمية مضاعفة على النفوذ الإقليمي لروسيا.
أولًا، إن السيطرة على أوديسا من شأنها إنشاء ممر بري يصل إلى ترانسنيستريا، وهي منطقة انفصالية موالية لروسيا في مولدوفا لا تبعد سوى نحو ٣٥ ميلًا، ما يمنح موسكو القدرة على ترهيب مولدوفا وربما توسيع نطاق الصراع ليشملها.[11] ويتماشى ذلك مع الأهداف الأوسع لروسيا الرامية إلى السيطرة على كامل الساحل الأوكراني المطل على البحر الأسود، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا لدول الجوار مثل رومانيا.[12]
ثانيًا، إن فرض الهيمنة على الساحل الشمالي للبحر الأسود انطلاقًا من أوديسا من شأنه إضعاف الأمن الأوكراني، وعرقلة أي تعزيزات محتملة لحلف شمال الأطلسي، ومنح روسيا أوراق ضغط إضافية في أي مفاوضات مستقبلية. وتُعدّ أوديسا، في هذا السياق، أكثر أهمية للأهداف الروسية من مناطق أوكرانية أخرى مثل خاركيف. وقد أشار الرئيس فلاديمير بوتين بالفعل إلى أن المناطق الساحلية «تنتمي بحق إلى روسيا» باعتبارها غنائم حرب.[13]
وأخيرًا، تأسست أوديسا عام ١٧٩٤ على يد الإمبراطورة الروسية كاثرين الثانية فوق أراضٍ كانت خاضعة سابقًا للدولة العثمانية، وسرعان ما أصبحت إحدى أكبر مدن وموانئ الإمبراطورية الروسية.[14] ويمكن القول إن هذه المدينة الساحلية تضم نسبة كبيرة من السكان الناطقين بالروسية (إذ يُعدّ الروس ثاني أكبر مجموعة عرقية في مقاطعة أوديسا)، فيما يؤكد مسؤولون في الكرملين أنها «لا تربطها أي صلة بنظام كييف»، وينظرون إليها باعتبارها مدينة روسية بطبيعتها.[15]
والأكثر إثارة للاهتمام أن المجمع الصناعي–العسكري الروسي (MIC) يبدو أنه استغل الحرب—كما تفعل المجمعات العسكرية عادة—بوصفها فرصة مثالية لتحديث معداته العسكرية. ونتيجة لذلك، طورت روسيا أنظمة صاروخية متقدمة تشكل تحديًا حقيقيًا لدول حلف شمال الأطلسي. ومن أبرز هذه الأمثلة:
-
الصواريخ الباليستية العابرة للقارات (ICBMs)
RS-28 سارمات: أحدث صاروخ باليستي عابر للقارات ثقيل لدى روسيا، دخل الخدمة منذ عام ٢٠٢٣، ويبلغ مداه أكثر من ١٨ ألف كيلومتر (وقد يصل إلى ٣٥ ألف كيلومتر في مسار شبه مداري). ويستطيع حمل حمولة تتجاوز ١٠ أطنان، تشمل ما يصل إلى ١٦ رأسًا نوويًا أو مركبات انزلاقية فرط صوتية، فضلًا عن امتلاكه إجراءات مضادة متقدمة لاختراق أنظمة الدفاع الصاروخي.[16] ويُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أطول صاروخ باليستي عابر للقارات مدىً وأقواها من حيث القدرة التدميرية بين الصواريخ العاملة حاليًا في العالم.
-
الأنظمة الفرط صوتية
مركبة الانزلاق الفرط صوتية «أفانغارد» (Avangard HGV)، والمحمولة على صواريخ باليستية عابرة للقارات مثل «سارمات»، قادرة على بلوغ سرعات تصل إلى ماخ ٢٧ (نحو ٢٠٬٧٠٠ ميل في الساعة)، مع إمكانية تنفيذ مناورات غير متوقعة على ارتفاعات عالية، وتوليد طاقة حركية هائلة تعادل أكثر من ميغاطنَين من مادة «تي إن تي». وقد صُممت خصيصًا لتجاوز جميع أنظمة الدفاع الصاروخي المعروفة.[17]
خا–٤٧ إم ٢ «كينجال» (Kh-47M2 Kinzhal)، وهو صاروخ فرط صوتي يُطلق من الجو، يبلغ مداه أكثر من ٢٬٠٠٠ كيلومتر، وتصل سرعته إلى ماخ ١٠. يتمتع بقدرة على المناورة أثناء الطيران، ويمكن تزويده برؤوس نووية أو تقليدية، وقد استُخدم فعليًا في نزاعات عسكرية، من بينها الحرب في أوكرانيا.[18]
٣ إم ٢٢ «زيركون» (3M22 Zircon)، وهو صاروخ كروز فرط صوتي يعمل بمحرك «سكرامجت»، تبلغ سرعته نحو ماخ ٩، ويصل مداه إلى قرابة ١٬٠٠٠ كيلومتر. ويُعد سلاحًا مضادًا للسفن في المقام الأول، ويُطلق من السفن أو الغواصات، وقد أظهر قدرة إصابة أهداف بحرية خلال مناورات مثل «زاباد ٢٠٢٥».[19]
-
أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي
إس-٥٠٠ «بروميثيوس» (S-500 Prometheus)، وهو نظام دفاع جوي متقدم قادر على اعتراض أهداف على مسافة تصل إلى ٦٠٠ كيلومتر، وتتبع ما يصل إلى ٣٠٠ هدف في آن واحد، والتعامل مع أسلحة فرط صوتية وصواريخ باليستية عابرة للقارات وطائرات شبحية. ويعتمد النظام على تكامل عدة رادارات لتعزيز قدرته على الصمود في مواجهة التشويش الإلكتروني.[20]
-
أنظمة ناشئة أو تجريبية
٩ إم ٣٧٠ «بوريفيستنيك» (Burevestnik / SSC-X-09 Skyfall)، وهو صاروخ كروز يعمل بالطاقة النووية، يُفترض نظريًا أن يمتلك مدى غير محدود بفضل مفاعل نووي مدمج. وقد أُجري له اختبار طيران ناجح في أكتوبر ٢٠٢٥، إلا أنه لا يزال في مرحلة التطوير، وسط مخاوف جدية تتعلق بالسلامة والموثوقية.[21]
«بوسيدون» (Status-6)، وهو مُسيّرة بحرية غير مأهولة تعمل بالطاقة النووية (أشبه بطوربيد)، قادرة على حمل رؤوس نووية بقدرات ميغاطنية وقطع مسافات عابرة للقارات. صُممت لاستهداف المناطق الساحلية، وقد خضعت لاختبارات إلى جانب «بوريفيستنيك» في عام ٢٠٢٥، غير أن وضعها التشغيلي الكامل ما يزال غير مؤكد.[22]



