Kharkiv, Ukrainian-Russian border, Ukraine - February 2022: The Ukrainian army conducts exercises near the Ukrainian-Russian border. War of Russia against Ukraine.

نهاية الأوهام الكبرى وانتقام الواقعية حالة الحرب في أوكرانيا – الجزء الثاني

الملخص
يُعدّ هذا الجزء الثاني من التحليل امتدادًا لدراسة التفسير الواقعي للحرب الجارية في أوكرانيا (يمكن الاطلاع على الجزء الأول هنا). يتناول هذا البحث الحرب المستمرة من منظور المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، متحديًا السرديات الغربية المتفائلة، ومسلّطًا الضوء على المكاسب الاستراتيجية التي حققتها روسيا رغم العقوبات الواسعة المفروضة عليها. فمنذ عام ٢٠٢٢، فرض الاتحاد الأوروبي ١٩ حزمة من العقوبات استهدفت الاقتصاد الروسي، إلا أن روسيا تمكنت من التكيّف معها وواصلت عملياتها العسكرية على عدة جبهات، محققة تقدمًا إقليميًا ملحوظًا، لا سيما في مقاطعة دونيتسك.

كما يبرز البحث الأهمية الاستراتيجية لمدينة أوديسا، أكبر ميناء أوكراني للمياه العميقة، نظرًا لقيمتها الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية، حيث يناقش خبراء روس بشكل علني احتمال السيطرة عليها. وقد أسهم الصراع كذلك في دفع عملية تحديث المجمع الصناعي–العسكري الروسي، مع إدخال أنظمة صاروخية متقدمة وأسلحة فرط صوتية تمثل تحديًا حقيقيًا لمنظومات دفاع حلف شمال الأطلسي.

أما التغيرات الإقليمية المحتملة بعد انتهاء الحرب، فما تزال غير واضحة، في ظل القيود التي تفرضها الدستور الأوكراني والقانون الدولي على الخيارات الدبلوماسية. وفي الوقت ذاته، يظهر انقسام واضح في الرأي العام الأوروبي بشأن الاستعداد للحرب، وهو ما يعكس ترددات مجتمعية أوسع تجاه استمرار الصراع وتبعاته.

الكلمات المفتاحية: الواقعية، الحرب، أوكرانيا

الواقع على الأرض – الخسائر الإقليمية والتطورات العسكرية

في ظل السردية المتفائلة للغاية وما رافقها من تفكير جماعي، كما جرى توضيحه في الجزء الأول من هذه الدراسة، فرض الاتحاد الأوروبي حتى الآن ما لا يقل عن ١٩ حزمة من العقوبات.[1] وتركّز أحدث هذه الحزم، التي تم اعتمادها في ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٥، على تشديد الضغط على اقتصاد الحرب الروسي من خلال استهداف قطاعات رئيسية تشمل الطاقة والتمويل والقدرات العسكرية والنقل والخدمات المهنية، إلى جانب تعزيز إجراءات مكافحة الالتفاف على العقوبات.[2]

Image 1

المصدر: العقوبات التي اعتُمِدت عقب العدوان العسكري الروسي على أوكرانيا. (٢٩ أكتوبر ٢٠٢٥). المفوضية الأوروبية.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن روسيا قد تقبّلت الآثار السلبية للعقوبات وتكيّفت معها، بل وتعلّمت كيفية الاستمرار في العمل في ظلها، من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير جوهري في مسارها العسكري أو الاستراتيجي.

Image 2 1

المصدر: Grok – موجّه الاستعلام: أحدث المؤشرات الاقتصادية الكلية لاقتصاد الاتحاد الروسي، متاحة على:
https://x.com/i/grok?conversation=1998598998345814522

وعلى الصعيد العسكري، يبدو أن روسيا — التي تخوض فعليًا حربًا ضد عدة دول من حلف شمال الأطلسي إلى جانب أوكرانيا — لا تكتفي بالصمود، بل تواصل تحقيق تقدم ميداني. فحتى ١٠ ديسمبر ٢٠٢٥، واصلت القوات الروسية عملياتها الهجومية على عدة جبهات في شرق وجنوب أوكرانيا. وتأتي هذه التحركات في إطار هجوم أوسع نطاقًا وسط قتال عنيف مستمر، حيث يؤكد مسؤولون روس وجود زخم عسكري على امتداد خط التماس بأكمله.

ومن بين أبرز محاور التقدم: محور بوكروفسك (مقاطعة دونيتسك)، ومحور كوبيانسك/خاركيف، ومحور ليمان (مقاطعة دونيتسك)، ومحور سيفيرسك (مقاطعة دونيتسك)، ومحور زابوريجيا/الجبهة الجنوبية. وإضافة إلى ذلك، أفادت تقارير إعلامية بتحقيق تقدم على عدة جبهات أخرى، بما في ذلك بوروفا ونوفوبافليفكا والمناطق الشرقية عمومًا، فضلاً عن السيطرة على روفنويه وبيتروبافلوفكا، وتطويق وتصفية قوات أوكرانية، وسقوط مدينة ديميتروف، إلى جانب تنفيذ ضربات واسعة النطاق استهدفت البنية التحتية الأوكرانية.[3]

Image 3 1

جيوسياسيًا، يضفي موقع أوديسا أهمية مضاعفة على النفوذ الإقليمي لروسيا.
أولًا، إن السيطرة على أوديسا من شأنها إنشاء ممر بري يصل إلى ترانسنيستريا، وهي منطقة انفصالية موالية لروسيا في مولدوفا لا تبعد سوى نحو ٣٥ ميلًا، ما يمنح موسكو القدرة على ترهيب مولدوفا وربما توسيع نطاق الصراع ليشملها.[11] ويتماشى ذلك مع الأهداف الأوسع لروسيا الرامية إلى السيطرة على كامل الساحل الأوكراني المطل على البحر الأسود، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا لدول الجوار مثل رومانيا.[12]
ثانيًا، إن فرض الهيمنة على الساحل الشمالي للبحر الأسود انطلاقًا من أوديسا من شأنه إضعاف الأمن الأوكراني، وعرقلة أي تعزيزات محتملة لحلف شمال الأطلسي، ومنح روسيا أوراق ضغط إضافية في أي مفاوضات مستقبلية. وتُعدّ أوديسا، في هذا السياق، أكثر أهمية للأهداف الروسية من مناطق أوكرانية أخرى مثل خاركيف. وقد أشار الرئيس فلاديمير بوتين بالفعل إلى أن المناطق الساحلية «تنتمي بحق إلى روسيا» باعتبارها غنائم حرب.[13]

وأخيرًا، تأسست أوديسا عام ١٧٩٤ على يد الإمبراطورة الروسية كاثرين الثانية فوق أراضٍ كانت خاضعة سابقًا للدولة العثمانية، وسرعان ما أصبحت إحدى أكبر مدن وموانئ الإمبراطورية الروسية.[14] ويمكن القول إن هذه المدينة الساحلية تضم نسبة كبيرة من السكان الناطقين بالروسية (إذ يُعدّ الروس ثاني أكبر مجموعة عرقية في مقاطعة أوديسا)، فيما يؤكد مسؤولون في الكرملين أنها «لا تربطها أي صلة بنظام كييف»، وينظرون إليها باعتبارها مدينة روسية بطبيعتها.[15]

والأكثر إثارة للاهتمام أن المجمع الصناعي–العسكري الروسي (MIC) يبدو أنه استغل الحرب—كما تفعل المجمعات العسكرية عادة—بوصفها فرصة مثالية لتحديث معداته العسكرية. ونتيجة لذلك، طورت روسيا أنظمة صاروخية متقدمة تشكل تحديًا حقيقيًا لدول حلف شمال الأطلسي. ومن أبرز هذه الأمثلة:

  • الصواريخ الباليستية العابرة للقارات (ICBMs)

RS-28 سارمات: أحدث صاروخ باليستي عابر للقارات ثقيل لدى روسيا، دخل الخدمة منذ عام ٢٠٢٣، ويبلغ مداه أكثر من ١٨ ألف كيلومتر (وقد يصل إلى ٣٥ ألف كيلومتر في مسار شبه مداري). ويستطيع حمل حمولة تتجاوز ١٠ أطنان، تشمل ما يصل إلى ١٦ رأسًا نوويًا أو مركبات انزلاقية فرط صوتية، فضلًا عن امتلاكه إجراءات مضادة متقدمة لاختراق أنظمة الدفاع الصاروخي.[16] ويُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أطول صاروخ باليستي عابر للقارات مدىً وأقواها من حيث القدرة التدميرية بين الصواريخ العاملة حاليًا في العالم.

  • الأنظمة الفرط صوتية

مركبة الانزلاق الفرط صوتية «أفانغارد» (Avangard HGV)، والمحمولة على صواريخ باليستية عابرة للقارات مثل «سارمات»، قادرة على بلوغ سرعات تصل إلى ماخ ٢٧ (نحو ٢٠٬٧٠٠ ميل في الساعة)، مع إمكانية تنفيذ مناورات غير متوقعة على ارتفاعات عالية، وتوليد طاقة حركية هائلة تعادل أكثر من ميغاطنَين من مادة «تي إن تي». وقد صُممت خصيصًا لتجاوز جميع أنظمة الدفاع الصاروخي المعروفة.[17]

خا–٤٧ إم ٢ «كينجال» (Kh-47M2 Kinzhal)، وهو صاروخ فرط صوتي يُطلق من الجو، يبلغ مداه أكثر من ٢٬٠٠٠ كيلومتر، وتصل سرعته إلى ماخ ١٠. يتمتع بقدرة على المناورة أثناء الطيران، ويمكن تزويده برؤوس نووية أو تقليدية، وقد استُخدم فعليًا في نزاعات عسكرية، من بينها الحرب في أوكرانيا.[18]

٣ إم ٢٢ «زيركون» (3M22 Zircon)، وهو صاروخ كروز فرط صوتي يعمل بمحرك «سكرامجت»، تبلغ سرعته نحو ماخ ٩، ويصل مداه إلى قرابة ١٬٠٠٠ كيلومتر. ويُعد سلاحًا مضادًا للسفن في المقام الأول، ويُطلق من السفن أو الغواصات، وقد أظهر قدرة إصابة أهداف بحرية خلال مناورات مثل «زاباد ٢٠٢٥».[19]

  • أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي

إس-٥٠٠ «بروميثيوس» (S-500 Prometheus)، وهو نظام دفاع جوي متقدم قادر على اعتراض أهداف على مسافة تصل إلى ٦٠٠ كيلومتر، وتتبع ما يصل إلى ٣٠٠ هدف في آن واحد، والتعامل مع أسلحة فرط صوتية وصواريخ باليستية عابرة للقارات وطائرات شبحية. ويعتمد النظام على تكامل عدة رادارات لتعزيز قدرته على الصمود في مواجهة التشويش الإلكتروني.[20]

  • أنظمة ناشئة أو تجريبية

٩ إم ٣٧٠ «بوريفيستنيك» (Burevestnik / SSC-X-09 Skyfall)، وهو صاروخ كروز يعمل بالطاقة النووية، يُفترض نظريًا أن يمتلك مدى غير محدود بفضل مفاعل نووي مدمج. وقد أُجري له اختبار طيران ناجح في أكتوبر ٢٠٢٥، إلا أنه لا يزال في مرحلة التطوير، وسط مخاوف جدية تتعلق بالسلامة والموثوقية.[21]

«بوسيدون» (Status-6)، وهو مُسيّرة بحرية غير مأهولة تعمل بالطاقة النووية (أشبه بطوربيد)، قادرة على حمل رؤوس نووية بقدرات ميغاطنية وقطع مسافات عابرة للقارات. صُممت لاستهداف المناطق الساحلية، وقد خضعت لاختبارات إلى جانب «بوريفيستنيك» في عام ٢٠٢٥، غير أن وضعها التشغيلي الكامل ما يزال غير مؤكد.[22]

أوريشنيك، وهو صاروخ باليستي جديد متوسط المدى (IRBM) يتمتع بقدرات فرط صوتية، ينجح في الإفلات من منظومات الدفاع الغربية. وتخطط روسيا لنشر هذا الصاروخ في بيلاروسيا بحلول أواخر عام 2025، ما يعزز خياراتها الهجومية داخل أوروبا.[23]

وأخيرًا، تتحدث وسائل الإعلام عن تقنية جديدة يُحتمل أن تكون مُغيّرة لقواعد اللعبة، وهي منظومة TOS-1A سولنتسيبيوك، وهي راجمة صواريخ ثقيلة متعددة الإطلاق (MLRS) صُممت أساسًا لإطلاق ذخائر حرارية (تفجيرات الوقود–الهواء) وذخائر حارقة. تُركّب هذه المنظومة على هيكل دبابة T-72 معدّل، ما يوفر لها قدرة عالية على الحركة والحماية في مناطق القتال، وتُستخدم كسلاح قصير المدى لفرض منعٍ مناطقي، وغالبًا ما تستهدف المواقع المحصنة وقوات المشاة والمركبات المدرعة الخفيفة عبر إحداث موجات انفجار هائلة ودرجات حرارة مرتفعة للغاية.[24]

التغيرات الإقليمية المحتملة بعد الحرب؟

اعتبارًا من مطلع عام 2026، تواصل روسيا تحقيق مكاسب إقليمية، حيث سيطرت على أكثر من 5,600 كيلومتر مربع، معظمها في إقليم دونيتسك. ووفقًا لمعهد دراسة الحرب (ISW)، وهو مركز أبحاث أمريكي غير حزبي وغير ربحي، تشير مصادر استخباراتية ألمانية إلى أن «ألمانيا تتوقع أن تستهدف روسيا البنية التحتية للطاقة والدفاع الألمانية في مرحلة مبكرة، نظرًا لدور ألمانيا كمحور أساسي لحلف شمال الأطلسي في نقل القوات ودعمها، وتتوقع أن ترى روسيا في ألمانيا هدفًا ذا أولوية للضربات الصاروخية بعيدة المدى والطائرات المسيّرة والقوات الخاصة بعد أي هجوم مسلح مفتوح على الجناح الشرقي للناتو».[25]

وبناءً على ذلك، يرى معهد دراسة الحرب أن روسيا قد تصبح قادرة على تشكيل تهديد كبير لحلف شمال الأطلسي في وقت أبكر مما تشير إليه العديد من التقديرات الغربية، لا سيما في حال التوصل إلى وقف إطلاق نار مستقبلي في أوكرانيا، وهو ما قد يتيح لموسكو تحرير قواتها وإعادة تسليحها وإعادة بناء قدراتها العسكرية.

Image 4 1

في هذا السياق، فإن أي خيارات إقليمية محتملة لما بعد الحرب تنطوي عمومًا على تسويات تفرضها الوقائع العسكرية، في حين يُنظر إلى الاستعادة الكاملة لحدود أوكرانيا لعام 2014 على أنها غير مرجحة ما لم تحدث تحولات كبرى. وتتحدد هذه الخيارات ضمن إطار الدستور الأوكراني (الذي يحظر التنازل عن الأراضي دون استفتاء وطني أو تعديلات دستورية)، ومبادئ القانون الدولي التي ترفض تغيير الحدود بالقوة، فضلًا عن مطالب روسيا بالاعتراف بالمناطق التي ضمتها مثل شبه جزيرة القرم، ودونباس (دونيتسك ولوهانسك)، وخيرسون، وزابوريجيا.[26]
وتقلل المزايا التي تتمتع بها روسيا في ساحة المعركة وثقتها المتزايدة من حوافز تقديم التنازلات، في حين تسعى أوكرانيا إلى الحصول على ضمانات أمنية (مثل الاندماج في الاتحاد الأوروبي أو وجود عسكري أوروبي) مقابل أي اتفاقات محتملة.[27]

وفيما يلي، سيجد القارئ ملخصًا لبعض الخيارات التي يناقشها الدبلوماسيون:

Image 5 1

المصدر: Grok –
https://x.com/i/grok?conversation=2008833222403387754

إضافةً إلى خيارات التغييرات الإقليمية، من المرجّح أن يتضمن أي اتفاق عناصر غير إقليمية، مثل حياد أوكرانيا (عدم الانضمام إلى حلف الناتو)، وفرض سقوف على التسليح، وإعادة الأطفال المختطفين، وإعادة إدماج روسيا اقتصاديًا (مثل تخفيف العقوبات). ويحذّر الخبراء من أن الاتفاقات المتسرعة قد تؤدي إلى تجدد الصراع، مؤكدين على ضرورة تحقيق أمن مستدام لأوكرانيا (على سبيل المثال، من خلال وجود قوات أوروبية أو تعزيز القدرات العسكرية).[28]
وتعتمد النتائج في عام 2026 على تطورات ساحة المعركة، والضغوط الأميركية، ووحدة الموقف الأوروبي، حيث تتكثف الجهود الدبلوماسية، ولكن من دون تحقيق اختراقات حاسمة حتى الآن.

الخاتمة

في 11 ديسمبر، حذّر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته، في خطاب ألقاه في ألمانيا، من أن روسيا تُصعّد حملتها الحربية ضد أوروبا، وليس ضد أوكرانيا وحدها. وقال: «يجب أن نكون مستعدين لحجم حرب شبيهة بتلك التي عانى منها أجدادنا أو أجداد أجدادنا».[29]

وفي اليوم نفسه، اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوة جريئة تمثلت في تجميد الأصول الروسية المجمدة بشكل غير محدد، والتي تُقدَّر قيمتها بنحو 210 مليارات يورو؛ منها 185 مليار يورو محتجزة لدى مؤسسة “يوروكلير” في بلجيكا، و25 مليار يورو مودعة في بنوك داخل دول أعضاء أخرى. وأشادت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بهذه الخطوة في ذلك اليوم، معتبرةً أنها تبعث برسالة قوية إلى روسيا مفادها أن «تكلفة هذه الحرب العدوانية الوحشية ستستمر في الارتفاع طالما استمرت». وأضافت: «إنها رسالة قوية إلى أوكرانيا مفادها أننا نريد أن نضمن أن يصبح جارُنا الشجاع أقوى، سواء في ساحة المعركة أو على طاولة المفاوضات».

غير أن هناك مشكلة أساسية يتجاهلها معظم قادة الاتحاد الأوروبي، وهي أن المجتمعات الأوروبية منقسمة بعمق، وأن قطاعات واسعة منها غير مستعدة لخوض حرب مع روسيا. وتُظهر العديد من استطلاعات الرأي هذا الانقسام بوضوح. فقد أُجري استطلاع حديث للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFP) في يونيو، بواسطة مؤسسات YouGov وDatapraxis وNorstat، وشمل 12 دولة (الدنمارك، إستونيا، فرنسا، ألمانيا، المجر، إيطاليا، بولندا، البرتغال، رومانيا، إسبانيا، سويسرا، والمملكة المتحدة). وركّز الاستطلاع على الجاهزية لاحتمال اندلاع حرب، في ظل الغزو الروسي لأوكرانيا وتغيّر السياسات الأميركية. وتشير نتائجه الرئيسية إلى أن 50% من المشاركين يؤيدون زيادة الإنفاق الدفاعي (مع أعلى نسب التأييد في بولندا والدنمارك بنسبة 70%)؛ وأن أغلبيات في فرنسا (62%) وألمانيا (53%) وبولندا (51%) تؤيد إعادة العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية؛ وأن 59% يدعمون مواصلة المساعدات العسكرية لأوكرانيا حتى في حال غياب المشاركة الأميركية؛ وأن 54% يؤيدون إنشاء ردع نووي أوروبي مستقل عن الولايات المتحدة. ويبدو أن هذه النتائج تعكس قبولًا بفكرة الاستعداد للصراع، لكنها لا تعبّر بالضرورة عن استعداد شخصي مباشر للقتال.[30]

وبحسب جون ميرشايمر، أحد أبرز منظّري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، فإن قرار روسيا غزو أوكرانيا كان في الأساس استجابة عقلانية للتغيرات المادية في بنية النظام الدولي، ولا سيما التوسع شرقًا لحلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وهو ما اعتبرته موسكو تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاستراتيجية الجوهرية ولمكانتها كقوة عظمى. ويرى ميرشايمر أن النظام الدولي الفوضوي يدفع الدول، وخصوصًا القوى الكبرى، إلى تعظيم قوتها لضمان بقائها. ومن هذا المنطلق، تحركت روسيا لمنع تحوّل أوكرانيا إلى قاعدة غربية على حدودها، معتبرةً سياسات الغرب استفزازية ومهدِّدة لأمنها. ويؤكد هذا الطرح على الضغوط البنيوية والحوافز التي تفرضها الفوضى الدولية وتنافس القوى، بما يوحي بأن دافع البقاء والحفاظ على الهيمنة الإقليمية هو ما وجّه السلوك الروسي في مواجهة التمدد الغربي.[31]

ومع أن آراء ميرشايمر تتعرض لانتقادات واسعة من قِبل باحثين ووسائل إعلام غربية، فإن التطورات الأخيرة—ولا سيما الإجراءات الأميركية ضد فنزويلا (بما في ذلك الهجوم العسكري المباشر على الدولة واختطاف رئيسها وزوجته، في انتهاك صارخ لأقدس مبادئ القانون الدولي)—تثير تساؤلًا مشروعًا حول سبب التخلي عن التحليل البارد والموضوعي لصالح التفكير الرغبوي.

1
المراجع
[1] Sanctions adopted following Russia’s military aggression against Ukraine. (2025, October 29). European Commission. https://finance.ec.europa.eu/eu-and-world/sanctions-restrictive-measures/sanctions-adopted-following-russias-military-aggression-against-ukraine_en [2] Fisch, E. J., Junck, R. D., Sève, M., Albrecht vom Kolke, M., Benson, J., Lainé, W., Mueller, P., Seidner, G., & Vianesi, G. (2025, November 12). EU Adopts 19th Russia Sanctions Package Alongside New Sanctions Being Imposed by US and UK. Skadden. https://www.skadden.com/insights/publications/2025/11/eu-adopts-19th-sanctions-package [3] Grok: What are the latest advances of Russian troops in Ukraine? [4] Каминский, А. (2025, October 2). «СВО закончится взятием Одессы». НАТО готовит румын и французов. Что в планах у Минобороны России? RuNews24. https://runews24.ru/articles/02/10/2025/svo-zakonchitsya-vzyatiem-odessyi-nato-gotovit-rumyin-i-franczuzov-chto-v-planax-u-minoboronyi-rossii also Крылова, А. (2025, December 3). Названы сроки, в которые Российская армия сможет дойти до Одессы. Абзац. https://absatz.media/news/143321-nazvany-sroki-v-kotorye-rossijskaya-armiya-smozhet-dojti-do-odessy or Елистратов, А. (2025, November 20). Эксперт: русским нет смысла соглашаться на план Трампа, они и так дойдут до Одессы. Репортёр. https://topcor.ru/66186-jekspert-russkim-net-smysla-soglashatsja-na-plan-trampa-oni-i-tak-dojdut-do-odessy.html [5] Costea, C. A. (2022, March 25). The strategic importance of the port of Odessa. Romanian Centre for Russian Studies. https://russianstudiesromania.eu/2022/03/25/the-strategic-importance-of-the-port-of-odessa/ [6] Black, E., & Kaushal, S. (2025, April 14). Black Sea Significance to European Security. Romanian Centre for Russian Studies. https://www.rusi.org/explore-our-research/publications/commentary/black-sea-significance-european-security [7] Ozberk, T. (2022, April 5). Why is Odessa important for Russia? Defence Procurement International. https://www.defenceprocurementinternational.com/features/sea/why-is-odessa-important-for-russia [8] Ibidem. [9] Black, E., & Kaushal, S. (2025, April 14). Black Sea Significance to European Security. Romanian Centre for Russian Studies. https://www.rusi.org/explore-our-research/publications/commentary/black-sea-significance-european-security [10] Mathers, J. (2025, September 8). Russia has provided fresh evidence of its territorial ambitions in Ukraine. The Conversation. https://theconversation.com/russia-has-provided-fresh-evidence-of-its-territorial-ambitions-in-ukraine-264592 [11] Akage, A. (2022, May 20). Is Odessa Next? Putin Sees A Gateway To Moldova — And Chance For Revenge. Worldcrunch. https://worldcrunch.com/world-affairs/why-odessa-is-important/ [12] Boyse, M. (2024, March 21). Operation Odesa: Russia Wants the Entire Ukrainian Black Sea Coast. Hudson Institute. https://www.hudson.org/defense-strategy/operation-odesa-russia-wants-entire-ukrainian-black-sea-coast-matthew-boyse [13] Mathers, J. (2025, September 8). Russia has provided fresh evidence of its territorial ambitions in Ukraine. The Conversation. https://theconversation.com/russia-has-provided-fresh-evidence-of-its-territorial-ambitions-in-ukraine-264592 [14] Santora, M. (2023, July 19). Why Odesa Is So Important to Ukraine in the War With Russia. The New York Times. https://www.nytimes.com/2023/07/19/world/europe/odesa-ukraine-war-russia.html [15] Ozberk, T. (2022, April 5). Why is Odessa important for Russia? Defence Procurement International. https://www.defenceprocurementinternational.com/features/sea/why-is-odessa-important-for-russia [16] Ali, I. A. (2025, December 2). From Sarmat to Avangard: 10 most technologically advanced Russian weapon systems. WION. https://www.wionews.com/photos/from-sarmat-to-avangard-10-most-technologically-advanced-russian-weapon-systems-1764678135158/1764678135159 [17] Ibidem. [18] See more at: https://missilethreat.csis.org/country_tax/russia/ [19] Charpentreau, C. (2025, September 15). Russia uses Zapad 2025 for ‘hypersonic posturing’ with Zircon, Kinzhal drills. AeroTime. https://www.aerotime.aero/articles/zapad-2025-russia-hypersonic-posture-zircon-kinzhal [20] Ali, I. A. (2025, December 2). From Sarmat to Avangard: 10 most technologically advanced Russian weapon systems. WION. https://www.wionews.com/photos/from-sarmat-to-avangard-10-most-technologically-advanced-russian-weapon-systems-1764678135158/1764678135159 [21] Gwadera, Z. (2025, November 20). Russia’s Burevestnik and Poseidon tests. IISS. https://www.iiss.org/online-analysis/missile-dialogue-initiative/2025/11/russias-burevestnik-and-poseidon-tests/ [22] Ibidem. [23] See more at: https://youtu.be/D22JNoLzj9E?si=BtZ3NMCs7KoUk7ue [24] See more at: https://www.globalsecurity.org/military/world/russia/tos-1a.htm [25] Young, J., Harward, C., Simanovskyy, M., Mappes, G., Nasreddine, D., & Barros, G. (2026, January 6). Russian Offensive Campaign Assessment, January 6, 2026. Institute for the Study of War. https://understandingwar.org/research/russia-ukraine/russian-offensive-campaign-assessment-january-6-2026/ [26] Yurchuk, V. (2025, August 12). Ceding land to Russia not only unpopular in Ukraine, but also illegal. PBS NEWS. https://www.pbs.org/newshour/world/ceding-land-to-russia-not-only-unpopular-in-ukraine-but-also-illegal [27] Harding, E. (2025, November 24). What Is the Strategy in the Ukraine-Russia Peace Negotiations? Centre for Strategic & International Studies. https://www.csis.org/analysis/what-strategy-ukraine-russia-peace-negotiations [28] Wright, T. (2025, August 18). The Only Plausible Path to End the War in Ukraine. The Atlantic. https://www.theatlantic.com/ideas/archive/2025/08/trump-ukraine-russia-peace/683907/ [29] Kiorri, E., & Cabanas, L. B. (2025, December 30). Would you fight for the EU’s borders? Take our poll. Euronews. https://www.euronews.com/my-europe/2025/12/30/would-you-fight-for-the-eus-borders-take-our-poll?fbclid=IwT01FWAPFTrZleHRuA2FlbQIxMABzcnRjBmFwcF9pZAwzNTA2ODU1MzE3MjgAAR4KLt3FfIaCbSxjUO8ldmbDys6WPnLeZaNIpZuhAApKVUs073MB4vZj8DKbOA_aem_lLTRWqCcGPL3F9z5-SX65g [30] https://www.eureporter.co/world/2025/06/26/most-eu-citizens-are-ready-for-war-new-poll/ [31] Smith, N. R., & Dawson, G. (2022). Mearsheimer, realism, and the Ukraine war. Analyse & Kritik, 44(2), 175–200. https://doi.org/10.1515/auk-2022-2023
First published in: World & New World Journal
Krzysztof Śliwiński

Krzysztof Śliwiński

"الدكتور كريستوف فيليكس سليفينسكي أستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية والدراسات الدولية بجامعة هونغ كونغ المعمدانية (بروفيسور كريستوف سليفينسكي)، ويشغل كرسي جان مونيه. حصل على درجة الدكتوراه من معهد العلاقات الدولية بجامعة وارسو عام ٢٠٠٥. ومنذ عام ٢٠٠٨، يعمل في جامعة هونغ كونغ المعمدانية. وقد حاضر بانتظام في مجالات التكامل الأوروبي، والأمن الدولي، والعلاقات الدولية، والدراسات العالمية. تشمل اهتماماته البحثية الرئيسية السياسة الخارجية البريطانية واستراتيجية الأمن، والسياسة الخارجية البولندية واستراتيجية الأمن، والدراسات الأمنية والاستراتيجية، وقضايا الأمن التقليدية وغير التقليدية، والذكاء الاصطناعي والعلاقات الدولية، والسياسة الأوروبية والاتحاد الأوروبي، ونظريات التكامل الأوروبي، والجغرافيا السياسية، والتعليم والتعلم. ..."

Leave a Reply