تعمل تركيا على تطوير إطار مفاهيمي ومبادرات عملية للحفاظ على انخراطها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك التعاون العسكري الثنائي، وبناء القدرات البحرية، وتطوير ممرات التجارة بين الأقاليم، إضافة إلى توسيع النشاط الدبلوماسي.
إن الاضطرابات في المشهد الجيوسياسي العالمي، التي أخذت تتصاعد منذ نحو عقد من الزمن، أصبحت واضحة على نطاق واسع في مختلف مستويات الحوكمة العالمية مع بداية عام 2026. فقد أسهمت تطورات مثل صدور استراتيجية الدفاع الوطنية الأمريكية لعام 2026، واعتقال ومحاكمة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل مسؤولين أمريكيين، وقمة دافوس التي وُصفت بأنها الأكثر إثارة في التاريخ، إضافة إلى انعقاد مؤتمر ميونيخ للأمن تحت عنوان «تحت الدمار»، في نقل النقاش حول انتقال القوة – الذي كان في السابق مجرد نقاش نظري في أدبيات العلاقات الدولية – إلى ساحة السياسة الواقعية.
وفي سياق هذا التحول المتسارع نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، تكتسب قراءة تقرير مؤتمر ميونيخ للأمن أهمية تحليلية خاصة، إذ يركز التقرير على دراسة مجالات نفوذ القوى الإقليمية بعمق وعلى الحاجة إلى تعاونها. وكما يشير التقرير، فإن «الإدارة الأمريكية تبدو عموماً مستعدة لقبول أن النظام الدولي الجديد سيكون متعدد الأقطاب، مع الاعتراف بأن القوى الأخرى لها الحق في امتلاك مجالات نفوذ إقليمية خاصة بها». وفي هذا الإطار تبدو تركيا مرشحة لأن تكون إحدى الدول التي ستزداد هيمنتها تدريجياً داخل مجالها الإقليمي.
وخلال العقدين الماضيين شهدت السياسة الخارجية التركية تحولاً هيكلياً ملحوظاً، حيث أصبحت ترتكز بصورة متزايدة على نهج يمكن وصفه بـ «الحياد الجيوسياسي الاستباقي». وقد منح هذا النهج أنقرة مرونة استراتيجية تسمح لها بالمناورة بمهارة بين القوى الكبرى والإقليمية المتنافسة، مع توسيع نطاق نفوذها إلى ما يتجاوز حدودها الجغرافية المباشرة.
وقد أدى هذا التحول إلى توسيع المدى الاستراتيجي لتركيا نحو جنوب شرق آسيا، الأمر الذي أدخل أنقرة في المشهد الجيوسياسي الناشئ لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. ويشير تزايد الحضور التركي عند تقاطع شرق البحر المتوسط والخليج والقرن الإفريقي وجنوب وجنوب شرق آسيا إلى تحول استراتيجي مهم نحو هذه المنطقة. وتمثل هذه التحركات محاولات مدروسة لتوسيع البصمة التركية على طول الممر البحري للمحيطين الهندي والهادئ، سعياً لتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية في نظام عالمي يتسم بعدم الاستقرار المتزايد.
ويمثل شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر البوابة الغربية التي تتصل عبرها طرق التجارة في المحيطين الهندي والهادئ بالأسواق الأوروبية. ومن هذا المنظور تحتل تركيا موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية. فهي لا تكتفي بكونها دولة تطل على شرق المتوسط أو تمارس نفوذاً عسكرياً ودبلوماسياً في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بل تؤدي عملياً دور دولة حدودية بالنسبة لغرب منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ويعني هذا القرب الجغرافي والاستراتيجي أن تركيا أقرب إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ من العديد من القوى الخارجية الأخرى المنخرطة فيها حالياً.
ومن أجل الاضطلاع بهذا الدور المتنامي، تعمل تركيا على تطوير إطار مفاهيمي ومبادرات عملية للحفاظ على انخراطها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتشمل هذه الجهود التعاون العسكري الثنائي، وبناء القدرات البحرية، وتطوير ممرات التجارة بين الأقاليم، والانفتاح الدبلوماسي، وهي جميعها تهدف إلى ربط الإرث التاريخي لأنقرة بطموحاتها كفاعل صاعد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وفي هذا السياق يمثل مفهوم “الوطن الأزرق” (مافي وطن) أكثر من مجرد مطالبة بحدود بحرية، إذ يعكس إعادة توجيه مفاهيمية للثقافة الاستراتيجية التركية نحو تحقيق استقلالية استراتيجية قائمة على القوة البحرية. ومن خلال تأكيد المصالح السيادية عبر شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر وبحر العرب والخليج العربي وما وراء ذلك، وضعت أنقرة أساساً نظرياً يسمح لها بإبراز حضورها البحري في المياه التي تقع في صميم الجغرافيا السياسية لغرب المحيطين الهندي والهادئ. ومن هذا المنطلق ينبغي فهم “الوطن الأزرق” ليس فقط كنهج دفاعي، بل كتعبير بحري عن طموح تركيا الأوسع للعمل كقوة قادرة على التحرك خارج نطاقها الإقليمي التقليدي.
كما شكّل الاتفاق البحري الموقّع عام 2019 بين تركيا وحكومة ليبيا المعترف بها دولياً خطوة جيوسياسية محسوبة، إذ لم يقتصر أثره على توسيع نطاق الولاية البحرية التركية في شرق البحر المتوسط، بل ساهم أيضاً في ترسيخ موقع أنقرة كفاعل لا غنى عنه في توازنات المنطقة.
وفي منطقة الخليج يمثل الوجود العسكري التركي في قطر من خلال القيادة المشتركة للقوات التركية-القطرية موطئ قدم استراتيجياً مهماً يمنح أنقرة قدرة جوية وبحرية على الوصول إلى الخليج العربي، ويجعلها قوة موازنة محتملة في واحد من أكثر الممرات الاستراتيجية أهمية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
أما في القرن الإفريقي فقد عززت تركيا حضورها من خلال قاعدتها العسكرية في مقديشو – وهي أكبر منشأة عسكرية تركية خارج البلاد – إلى جانب اتفاقيات أمنية وشراكات اقتصادية ودوريات بحرية داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة للصومال. وقد أتاح ذلك لأنقرة موطئ قدم عملياتي نادراً بالقرب من مضيق باب المندب، مما يضع تركيا بين عدد محدود من القوى غير الإقليمية التي تمتلك وصولاً حقيقياً إلى خليج عدن والممر البحري الذي يربط البحر المتوسط بالمحيطين الهندي والهادئ.
وفي إطار سعيها لتعزيز الترابط الاقتصادي والاستراتيجي، تعمل تركيا أيضاً على مشروع “طريق التنمية الجديد” الذي يربط الخليج العربي بالأسواق الأوروبية عبر الأراضي العراقية والتركية. ويأتي هذا المشروع في وقت تتزايد فيه الشكوك بشأن موثوقية قناة السويس كطريق رئيسي للتجارة بين منطقة المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا. ومن خلال هذا المشروع تسعى أنقرة إلى تحويل موقعها الجغرافي المركزي إلى رافعة اقتصادية وسياسية، مقدمة لشركائها في المحيطين الهندي والهادئ بديلاً برياً-بحرياً موثوقاً في لحظة تتزايد فيها هشاشة المسار التقليدي.
كما تجسد مبادرة “آسيا من جديد” التي أُطلقت عام 2019 قرار تركيا بالانخراط مع منطقة المحيطين الهندي والهادئ وفق شروطها الخاصة، من خلال نهج غير منحاز وغير تدخلي يركز على الانفتاح الاقتصادي والدبلوماسي والثقافي. وفي منطقة تتسم بتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، تسعى أنقرة إلى ترسيخ هوية مميزة لنفسها كشريك يتجنب الانخراط في الصراعات الجيوسياسية ويعتمد بدلاً من ذلك على التعاون العملي متعدد الأبعاد.
إلى جانب مبادراتها الاستراتيجية طويلة المدى، يتضح بشكل متزايد أن تركيا تستفيد أيضاً من التطورات الإقليمية الأخيرة لتعزيز مكاسب استراتيجية ملموسة. فقد بدأت الأزمة السورية، التي شكلت لسنوات طويلة أحد أكثر الأعباء كلفة على أنقرة مع تأثيرات مباشرة على السياسة الداخلية والاقتصاد، تتحول تدريجياً لصالح تركيا. وفي الوقت نفسه، أدى تراجع نفوذ الإمارات في اليمن إلى تعزيز موقعي السعودية وتركيا، مما وضع هاتين القوتين فعلياً على منصة استراتيجية مشتركة قائمة على تقارب المصالح. ومن اللافت أن أولى نتائج هذا التقارب تمثلت في احتمال إقامة اتفاق أمني ثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان.
ومن بين العمليات التي تسارعت بفعل هذه التطورات، إضافة إلى التطورات في الصومال، احتمال إنشاء قاعدة عسكرية تركية في جزيرة سواكن السودانية. وإذا تحقق هذا المشروع، فسيمنح أنقرة حضوراً عسكرياً متصلاً يمتد من السودان مروراً بقطر وصولاً إلى الصومال، ليغطي عدداً من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
وفي وقت يتجه فيه النظام الدولي نحو إطار يقوم على مناطق نفوذ إقليمية تتيح للقوى الإقليمية دوراً أكبر في تشكيل بيئاتها الجغرافية الخاصة، تجد تركيا نفسها أمام فرصة استراتيجية نادرة للعب دور محوري بين بلاد الشام والخليج والقرن الإفريقي وغرب منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
كما أن تعميق تركيا لشراكاتها مع الحكومات الشرعية في أنحاء المنطقة يساهم بشكل متزايد في توسيع بصمتها العملياتية في غرب المحيطين الهندي والهادئ. وفي ظل تسارع حالة عدم الاستقرار العالمي، تبدو أنقرة مرشحة لأن تصبح فاعلاً استراتيجياً يتعين على كل من القوى الكبرى واللاعبين الإقليميين أخذه في الحسبان عند صياغة حساباتهم الاستراتيجية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
