847 NEWWEB

الحرب الباردة عالية التقنية: التنافس الأميركي-الصيني والمعركة على الابتكار العالمي

منذ سبعينيات القرن الماضي، اتسمت العلاقة بين الولايات المتحدة والصين بمزيج من الأهداف التعاونية والتنافسية. إلا أن المصالح التنافسية هي التي غلبت، ما أدى إلى تصاعد المنافسة بين البلدين. (بيلزبري، 2015) وقد تعامل المرشحون في الانتخابات الرئاسية لعام 2016 مع الصين بوصفها خصمًا، حيث أصبح الهجوم على الصين سمة بارزة في حملة دونالد ترامب. وأصبحت المنافسة مع الصين الركيزة المنظمة للسياسة الخارجية الأميركية في عهد إدارة ترامب. وعلى الرغم من اختلاف الجمهوريين والديمقراطيين في معظم القضايا، فإنهم يتفقون على ضرورة تغيير النهج الأميركي تجاه الصين. وقد أثار ذلك تكهنات حول ما إذا كانت العلاقة بين الولايات المتحدة والصين قد انحدرت إلى صدام محتمل عنيف أو إلى حرب باردة جديدة.

أعلنت إدارة ترامب صراحةً عن تحول في سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين، حيث أكد مات بوتينغر أن الولايات المتحدة عدّلت سياستها تجاه الصين لتشديد التركيز على المنافسة. كما صرّح نائب الرئيس السابق مايك بنس بأن الولايات المتحدة ستواجه الصين بقوة على جميع الجبهات، بما في ذلك الجبهات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية والسياسية والأيديولوجية. وقد اعتُبر هذا التصريح بمثابة «إعلان حرب باردة جديدة». (بنس، 2018)

كما أعلن ستيفن ك. بانون، المستشار السابق لترامب، حربًا اقتصادية على الصين، محمّلًا صادراتها مسؤولية الإضرار بالطبقتين العاملة والوسطى في الولايات المتحدة. ويتفق كثيرون على أن الصين تهيمن اقتصاديًا على أميركا، وأن الحكومة الأميركية والصناعة لم تبذلا جهدًا كافيًا لمعالجة هذا الوضع. وقد عبّر مفكرون من أنصار العولمة مثل مادلين أولبرايت، وتوماس فريدمان، وفريد زكريا عن قلق متزايد إزاء غياب المعاملة بالمثل من جانب الصين في علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة. كما انتقد ديفيد لامبتون، وهو من دعاة الانخراط مع الصين، عضوية الصين في منظمة التجارة العالمية لما تسببت به من زيادة في الفوائض التجارية الثنائية. (ستاف، 2017)

بدأت المرحلة الثانية عندما قرر دونالد ترامب وقف التقدم التجاري والتكنولوجي الصيني، متخليًا عن الليبرالية الدولية لصالح استراتيجية كبرى جديدة لمواجهة الصين. (دريزنر، 2021) كما أسهمت النظرة المتزايدة إلى شي جين بينغ بوصفه قائدًا صارمًا يتبنى سياسة خارجية هجومية في تعزيز الإحساس بوجود صدام أيديولوجي. وقد دخلت الصين والولايات المتحدة في حرب مفتوحة وغير مقيدة على النفوذ الثنائي والإقليمي والعالمي، ما أدخل العالم في عصر جديد من الصراع الاستراتيجي لم تتضح معالمه بالكامل بعد. (رَد، 2020)

يبدو الصراع الأميركي-الصيني أشبه بحرب باردة، ولم يعد من الممكن سياسيًا العودة إلى بيئة ما قبل عام 2017 القائمة على «الانخراط الاستراتيجي» مع بكين. (رَد، 2020) ومع ذلك، يرى زكريا (2019) أن النظام الدولي الليبرالي لم يتدهور بالقدر الذي يُفترض على نطاق واسع، وأن الصين لا تمثل تهديدًا خطيرًا للنظام الدولي الليبرالي. وعلى الرغم من حسن نوايا الطرفين، فإن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين مرشحة بدرجة أكبر للتحول إلى منافسة اقتصادية وعسكرية. (لايك، 2018)

تهدف استراتيجية الصين إلى تحديث قدراتها الصناعية وتأمين موقعها كقوة عالمية رائدة في الصناعات عالية التقنية. وتسعى هذه الاستراتيجية إلى تقليل الاعتماد على واردات التكنولوجيا الأجنبية، وزيادة المحتوى المحلي الصيني في المواد الأساسية، وتعزيز موقعها المهيمن في الصناعات الاستراتيجية الكبرى، مثل الصناعات الدوائية، والسيارات، والطيران والفضاء، وأشباه الموصلات، والأهم من ذلك تكنولوجيا المعلومات والروبوتات.

تؤكد الخطة الخمسية الرابعة عشرة للصين (2021–2025) على تحقيق نمو عالي الجودة مدفوع بالصناعات الخضراء والعالية التقنية، وقطاعات الخدمات، وتعزيز الاستهلاك المحلي. وقد رأت الولايات المتحدة أن نموذج النمو الصيني القديم كان يُنتج علاقة متوازنة نسبيًا ذات منفعة متبادلة بين الاقتصادين، استنادًا إلى مبدأ «الميزة النسبية» وتقييمات «التكلفة والمنفعة». إلا أن نموذج النمو الصيني الجديد، ولا سيما طموح «صُنع في الصين 2025»، يُنظر إليه على أنه منافسة مباشرة لاقتصاد الخدمات والمعرفة في الولايات المتحدة، وهو ما أدى إلى اندلاع حرب تجارية وتكنولوجية عالية بين البلدين منذ عام 2018. (برنال-ميزا، التنافس الصيني-الأميركي: حرب باردة جديدة أم منافسة داخل نواة الرأسمالية؟، 2021)

وقد اشتكى مجتمع الأعمال الأميركي، الذي كان في السابق من أشد الداعمين لسياسة الانخراط مع الصين، من أن بكين قامت باختراق الأسرار الصناعية الأميركية، وفرضت عوائق أمام استثمارات الشركات الأميركية في الصين، وطبقت لوائح تمييزية ضد الأجانب، وأبقت على تعريفات جمركية مرتفعة كان ينبغي خفضها منذ عقود، إضافة إلى حظرها شركات الإنترنت الأميركية. وفي بيان مشترك نادر للحلفاء، اجتمع رؤساء أجهزة الاستخبارات في دول «العيون الخمس» واتهموا الصين بسرقة الملكية الفكرية واستخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات الاختراق والتجسس على هذه الدول. (بينغ، 2023)

وقد أشار مسؤولون من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا إلى أن شركة هواوي، على سبيل المثال، ترتبط بعلاقات وثيقة مع الحزب الحاكم، واتُّهمت بسرقة الملكية الفكرية والتجسس على الدول الغربية. وتشعر الولايات المتحدة بالقلق من تفوق هواوي في مجال شبكات الجيل الخامس، وهو ما يفسر اعتقال مديرتها المالية منغ وان تشو في كندا. وقد تجلت أهمية هذه المخاوف عندما فرضت الولايات المتحدة قيودًا، وصلت في بعض الحالات إلى الحظر، على عمليات شركات الاتصالات الصينية في السوق الأميركية، وأطلقت حملة عالمية لإقناع الحلفاء والشركاء باتباع النهج نفسه. وهكذا، ورغم أن الرئيس ترامب منح شركة واحدة (زد تي إي) مهلة مؤقتة من حظر كان سيقضي عليها، فإن القيود الأميركية اللاحقة على هواوي هددت بتقويض قدرة أكبر شركة تكنولوجية صينية دولية على البقاء عالميًا. (غولدشتاين، 2020)

أما في ما يتعلق بالتكنولوجيا الخضراء وأشباه الموصلات، فقد أصبحت هذه القضايا في صلب السياسة الأميركية. فقد تضمن قانون الرقائق الإلكترونية (CHIPS Act)، الذي أقره الكونغرس العام الماضي، حزمة بقيمة 52 مليار دولار من المنح والإعفاءات الضريبية والدعم الحكومي لتحفيز إنتاج الرقائق داخل الولايات المتحدة. وهو نوع من السياسات الصناعية التي كان من شأنها أن تدهش ألكسندر هاملتون وتدفعه للتصفيق.

وخلال السنوات والعقود المقبلة، ستضخ الصين مبالغ هائلة في برامج استراتيجيتها الصناعية الخاصة، والتي تمتد عبر طيف واسع من التقنيات المتقدمة. ووفقًا لأحد الباحثين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن الصين تنفق بالفعل أكثر من اثني عشر ضعف ما تنفقه الولايات المتحدة من ناتجها المحلي الإجمالي على البرامج الصناعية. (بروكس، 2023)

وتُحظر بعض منصات التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وغوغل، داخل الصين، بينما تفرض الولايات المتحدة قيودًا على تطبيقات مثل تيك توك وويتشات. ولمواجهة الصين، قامت الولايات المتحدة بتنفيذ عدد من القوانين والتشريعات، من بينها:

أولاً، قانون المنافسة الأميركي: قررت لجنة العلوم والفضاء والتكنولوجيا في مجلس النواب الأميركي المضي قدمًا في قانون «أميركا تتنافس» لعام 2022، والذي يهدف إلى تعزيز الجهود العلمية والتكنولوجية للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين من أجل المنافسة مع الصين في المجالات الحيوية. ويُعد هذا القانون ثنائي الحزب، ويتألف من أحد عشر قسمًا، من بينها القسم (ك) المعنون بـ«المسائل المتعلقة بالتجارة». ويشمل القانون سبعة محاور رئيسية، من بينها: المساعدة في التكيف التجاري، وقانون أمن الواردات والإنصاف، ومراجعة القدرات الوطنية الحرجة، وتعديل وتمديد نظام الأفضليات المعمم، وإعادة تفويض قانون التنافسية الصناعية الأميركية لعام 2016، إلى جانب مسائل أخرى، إضافة إلى تعليق الرسوم الجمركية مؤقتًا وتخفيضها. وقد أعرب الرئيس جو بايدن عن دعمه لهذا القانون، مؤكدًا أنه سيعزز سلاسل التوريد الأميركية ويعيد تنشيط محرك الابتكار في الاقتصاد، بما يمكّن الولايات المتحدة من المنافسة مع الصين وبقية العالم لعقود مقبلة.

ثانيًا، قانون الرقائق والعلوم لعام 2022: وقّع الرئيس جو بايدن قانون «الرقائق والعلوم» (CHIPS Act) ليصبح نافذًا، متعهدًا بتقديم أكثر من 50 مليار دولار لدعم منتجي أشباه الموصلات المحليين بهدف توسيع الإنتاج داخل الولايات المتحدة و«مواجهة الصين». ويُعد هذا القانون خطوة محورية في إعادة توطين الصناعات الاستراتيجية وتقليص الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية، لا سيما في قطاع الرقائق الإلكترونية الحيوي. (كوسغروف، 2023)

ثالثًا، قانون خفض التضخم لعام 2022: أقرّت الولايات المتحدة قانون خفض التضخم لعام 2022، والذي يتضمن أحكامًا تستهدف بالدرجة الأولى تعزيز سلسلة التوريد الأميركية في مجال الطاقة النظيفة، رغم أن الصين تهيمن حاليًا على تصنيع تقنيات الطاقة النظيفة. كما يعكس القانون إدراكًا بأن التحول العالمي نحو التقنيات النظيفة، مثل الألواح الشمسية والمركبات الكهربائية، بات أمرًا حتميًا ومستمرًا، في ظل انخفاض تكلفتها مقارنة بالبدائل المعتمدة على الوقود الأحفوري، وسعي الدول إلى الوفاء بالتزاماتها المناخية المنصوص عليها في اتفاق باريس. (نوتشيتيللي، 2023)

حرب الرقائق

بعد فشلها في التوصل إلى اتفاق مع الجهات التنظيمية الصينية، ألغت شركة إنتل صفقة الاستحواذ على شركة «تاور سيميكونداكتور» الإسرائيلية بقيمة 5.4 مليارات دولار. وتُعد الصين أحد أهم أسواق إنتل، وفي 3 يوليو أعلنت بكين فرض متطلبات ترخيص على مصدّري الغاليوم والجرمانيوم، وهما من المعادن النادرة المستخدمة في تصنيع أشباه الموصلات. وتعود دوافع حرب الرقائق في الأساس إلى مخاوف الولايات المتحدة من استغلال الصين للتكنولوجيا شبه الموصلة لأغراض عسكرية. غير أن القطاع العسكري الصيني يعاني من نقطة ضعف أساسية، إذ تعتمد معظم تطبيقاته المتقدمة على مدخلات تكنولوجية أجنبية، ولا سيما صادرات المعالجات الدقيقة. وفي عام 2021 أصبحت الصين أكبر مشترٍ في العالم لمعدات تصنيع أشباه الموصلات، مستحوذة على 26٪ من الطلب العالمي.

في أكتوبر 2022، أقرّ الرئيس جو بايدن متطلبات ترخيص للتصدير حدّت من وصول الصين إلى ابتكارات أشباه الموصلات التي تنتجها الشركات الأميركية. وفي يوليو 2023، حظرت اليابان رسميًا بيع 23 نوعًا من معدات أشباه الموصلات إلى الصين، وهي قيود أوسع نطاقًا من القيود الأميركية، ما أعاق تطوير الصين للرقائق المتقدمة وكذلك الرقائق الأساسية المستخدمة في تقنيات مثل السيارات والهواتف الذكية.

وفي سبتمبر، أعلنت اللجنة الدائمة للتجارة الخارجية والتنمية في هولندا أنها ستبدأ بتقييد صادرات تكنولوجيا أشباه الموصلات إلى الصين. ووفقًا لموقع «نيكاي آسيا»، فإن هذا التشريع الجديد سيمنع شركة ASML الهولندية من تصدير تقنيات تصنيع الرقائق المتقدمة دون الحصول مسبقًا على تراخيص معتمدة من الحكومة. (تشنغ تينغ-فانغ، 2023)

وقد دفعت هذه القيود التصديرية بكين إلى الرد، حيث جاء أحدث تنظيم صيني بشأن شحنات الغاليوم والجرمانيوم كإجراء انتقامي مباشر ضد الحلفاء العالميين للولايات المتحدة. ووفقًا لمجلة «نيويورك تايمز»، تُنتج تايوان أكثر من 90٪ من أكثر الرقائق الدقيقة تقدمًا في العالم، وقد تواجه خطر مواجهة مسلحة إذا أقدمت الصين على عمل عسكري في المستقبل. (بالمر، 2023) وفي المقابل، يرى مستشار الأمن القومي الأميركي السابق روبرت أوبراين أنه في حال وقوع غزو وشيك، فإن الولايات المتحدة ستدمّر مصانع أشباه الموصلات في تايوان بدلًا من السماح بسقوطها في أيدي الصين. وقد أدت معركة الرقائق إلى دفع تايوان نحو موقع بالغ الحساسية في المشهد الجيوسياسي المتغير. (كار، 2023)

وتعتزم إدارة بايدن تقييد شحنات رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي تصممها شركة إنفيديا إلى الصين، في إطار مجموعة أوسع من الإجراءات الرامية إلى منع بكين من الحصول على تقنيات أميركية متقدمة يمكن أن تعزز قدراتها العسكرية. وتهدف هذه الخطوة إلى سد الثغرات التنظيمية والحد من وصول الصين إلى أشباه الموصلات المتقدمة التي قد تغذي تطور الذكاء الاصطناعي والحواسيب فائقة الأداء ذات الأهمية للأغراض العسكرية الصينية. وأكدت وزيرة التجارة جينا ريموندو أن هدف الإدارة ليس الإضرار بالاقتصاد الصيني. (ألكسندرا ألبر، 2023)

وبحسب لامبتون، فقد «سادت قناعة عامة بأن ساحة المنافسة الاقتصادية الصينية-الأميركية كانت غير عادلة للأميركيين، مع الادعاء بأن الاقتصاد الأميركي قد أُفرغ من محتواه جزئيًا بسبب نقل التكنولوجيا العلني والسري إلى الصين». (لامبتون، 2015) إن استراتيجية النمو الجديدة للصين تقود إلى مزيد من التنافس بدلًا من التكامل في الشراكة الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة. كما أن «نجاح الصين في الصعود ضمن سلاسل التوريد والقيمة العالمية أدى إلى زيادة حصتها من الفائض العالمي وتقليص هوامش الربح للدول الأساسية التقليدية»، وهو ما أثار قلق الولايات المتحدة. (لي شينغ، 2020)

وكما كان لينين سيجادل، فإن ديناميات التنافس الأميركي-الصيني تمثل صراعًا بين إمبراطوريات تحركه المنافسة بين الرأسماليات. وقد يؤدي التنافس على السوق العالمية بسرعة إلى تصاعد المواجهات في مناطق النفوذ، إن لم يصل الأمر إلى الحرب.

الخاتمة

يتّسم التنافس بين الولايات المتحدة والصين بتداخل معقّد بين القضايا الاقتصادية والتكنولوجية والأيديولوجية. وعلى الرغم من أن العلاقة بين البلدين تشبه إلى حدّ كبير حربًا باردة جديدة، فإن بعض التحليلات ترى أنها تُفهم على نحو أدق بوصفها منافسة رأسمالية داخل المركز، مدفوعة بصراع بين قوى إمبريالية. وكما تنبّأ لينين، فإن التنافس على الأسواق العالمية قد يتصاعد إلى صراعات حول مناطق النفوذ والسيطرة. ومن المرجّح أن يستمر هذا التنافس وأن يترك أثرًا عميقًا في النظام العالمي لسنوات طويلة مقبلة، لا سيما أن كلا البلدين استثمر بكثافة في الاستراتيجيات الصناعية والتكنولوجية. وتُعد أشباه الموصلات المتقدمة ورقائق الذكاء الاصطناعي ضرورية لسباق التفوق التكنولوجي القادم، إلى جانب تقنيات الاتصالات من الجيل السادس والحوسبة الكمية. وقد دفعت هذه المنافسة التكنولوجية العالية العالم إلى السعي لحماية سلاسل توريد المواد الأرضية النادرة.

وبما أن الولايات المتحدة والصين تمثلان حاليًا مركز الثقل العسكري والاقتصادي العالمي، فإن تأثير هذا الصراع سيشكّل السياسة الدولية والنزاعات التجارية والتطورات التكنولوجية لسنوات عديدة. ومن المتوقّع أن يشهد القرن الحادي والعشرون صراعًا عالميًا على هذه المعادن، على غرار الحروب التي دارت حول النفط والغاز في القرن العشرين. وستكون المعادن الأرضية النادرة محور هذا القرن، كما ستكتسب الدول الغنية بالمعادن مثل البرازيل والهند وأستراليا وفيتنام أهمية استراتيجية متزايدة. ومع اشتداد المنافسة على هذه الموارد، ستتغير العلاقات الدولية وستنشأ اصطفافات جيوسياسية جديدة. ولم يعد الجيل الخامس من الاتصالات هو محور هذه الحرب التكنولوجية الباردة الجديدة، بل بات التركيز ينصبّ على التحكم في المواد الأساسية التي تُمكّن التكنولوجيا.

ولهذا السبب، يضيف جي دي فانس قائلًا: «أعطونا مواردكم المالية، وسنتكفل نحن بحمايتكم». وفي ظل الصراع التجاري والتكنولوجي الذي تصاعد منذ أن شددت إدارة بايدن القيود على بيع التقنيات الأميركية المتقدمة إلى الصين، صنّف البنتاغون المعادن الأرضية النادرة باعتبارها معادن استراتيجية أساسية للدفاع الأميركي. وردًا على العقوبات التكنولوجية الأميركية، قيّدت الصين صادرات هذه المعادن. فالأمر لا يتعلق بالاقتصاد فحسب، بل بالتفوق العسكري على نطاق عالمي. هكذا تنظر الولايات المتحدة إلى مسألة اكتشاف والسيطرة على هذه المعادن الأرضية النادرة.

ومن هذا المنطلق، يهدد دونالد ترامب كندا وغرينلاند وأوكرانيا، نظرًا لما تمتلكه من مخزونات كبيرة من المعادن الأرضية النادرة، ما يمكّن من حماية سلاسل التوريد العالمية. غير أن المفارقة اللافتة هي أن الصين تنتج 63٪ من هذه المعادن وتكرّر 83٪ منها، وتملك احتياطيات تُقدّر بنحو 44 مليون طن متري. وحتى لو سيطرت الولايات المتحدة على رواسب غرينلاند وكندا وأوكرانيا، فلن تمتلك سوى ما بين 4 و5 ملايين طن متري، وهو رقم ضئيل مقارنة بالاحتياطيات الصينية البالغة 44 مليون طن متري.

وإذا أحسنت الصين إدارة استراتيجية تصدير المعادن الأرضية النادرة، فستكون قادرة على تذكير العالم بقوتها دون اللجوء إلى تشدد مفرط، مظهرة أنها لا تقل براعة عن واشنطن في استخدام الموارد، كما تستخدم الأخيرة الدولار أو العقوبات. أما إذا تمكن العالم من تجاوز هذا النفوذ أو إذا ما تراجعت قبضة الصين، فقد تبدأ أهم مزاياها في التلاشي. وتُعد الأشهر القليلة المقبلة حاسمة، لأن الصراع الأعظم بين القوى الكبرى هذه المرة لا يُخاض بالدبابات والصواريخ، بل بالمعادن والمغناطيسات.

المراجع
Alexandra Alper, K. F. (2023, October 18). Biden cuts China off from more Nvidia chips, expands curbs to other countries. Retrieved from Reuters: https://www.reuters.com/technology/biden-cut-china-off-more-nvidia-chips-expand-curbs-more-countries-2023-10-17/ Bernal-Meza, L. X. (2021, May 1). China-US rivalry: a new Cold War or capitalism’s intra-core competition? Revista Brasileira de Política Internacional, vol. 64, no. 1. Retrieved from https://www.redalyc.org/journal/358/35866229009/html/#B39 Bing, Z. S. (2023, May 23). Chinese hackers spying on US critical infrastructure, Western intelligence says. Retrieved from Reuters: https://www.reuters.com/technology/microsoft-says-china-backed-hacker-targeted-critical-us-infrastructure-2023-05-24/ BROOKS, D. (2023, March 23). The Cold War With China Is Changing Everything. Retrieved from The NewYork Times: https://www.nytimes.com/2023/03/23/opinion/cold-war-china-chips.html Carr, E. (2023, August 22). The 2023 US–China Chip War: The Nexus Of High Tech And Geopolitics. Retrieved from Forbes: https://www.forbes.com/sites/earlcarr/2023/08/22/uschina-chip-war-the-nexus-of-high-tech-and-international-relations/?sh=618bc5ed1bd3 CHENG TING-FANG, L. L.-B. (2023, June 30). Netherlands unveils chip tool export curbs in fresh blow to China. Retrieved from Nikkei Asia: https://asia.nikkei.com/Business/Tech/Semiconductors/Netherlands-unveils-chip-tool-export-curbs-in-fresh-blow-to-China Cosgrove, L. (2023, May 5). Lawmakers Tout Effect of CHIPs Act in US Competition with China. Retrieved from THE EPOCH TIMES: https://www.theepochtimes.com/us/lawmakers-tout-effect-of-chips-act-in-us-competition-with-china-5243151 Drezner, D. R. (2021, May/June 13). The end of grand strategy. Retrieved from Foreign Affairs,: https://www.foreignaffairs.com/articles/world/2020-04-13/end-grand-strategy Goldstein, A. (2020). US–China Rivalry in the twenty-first century: Déjà vu and Cold War II. China International Strategy Review volume 2,, 48-62. Kautsky, K. (1914, September 11). Ultra-imperialism. Der Imperialismus," Die Neue Zeit, 32 (1914), Vol. 2, 908-922. Retrieved from https://www.marxists.org/archive/kautsky/1914/09/ultra-imp.htm Lake, D. A. (2018). Economic openness and great power competition: lessons for China and the United States. The Chinese Journal of International Politics 11, no. 3, 237-70. Lake, D. A. (2018). Economic openness and great power competition: lessons for China and the United States. The Chinese Journal of International Politics 11, no. 3, 237-270. Lampton, D. (2015, June 2). David Lampton on “A Tipping Point in U.S.-China Relations”. Retrieved from COUNCIL PACIFIC AFFAIRS: https://www.councilpacificaffairs.org/news-media/security-defense/dr-david-lampton-on-a-tipping-point-in-u-s-china-relations/ Li, X. (2020). The rise of China and its impact on world economic stratification and re-stratification. Cambridge Review of International Affairs 34, no. 4 , 530-50. NUCCITELLI, D. (2023, September 20). The Inflation Reduction Act is reducing U.S. reliance on China. Retrieved from The YALE Climate Connection: https://yaleclimateconnections.org/2023/09/the-inflation-reduction-act-is-reducing-u-s-reliance-on-china/ Palmer, A. W. (2023, August 11). An Act of War’: Inside America’s Silicon Blockade Against China. Retrieved from The NewYork Times Magazine : https://www.nytimes.com/2023/07/12/magazine/semiconductor-chips-us-china.html Pence’s, P. J. (2018, October 5). China Speech Seen as Portent of ‘New Cold War’. Retrieved from New York Times. : https://www.nytimes.com/2018/10/05/world/asia/pence-china-speech-cold-war.html Pillsbury, M. (2015). The Hundred-Year Marathon: China's Secret Strategy to Replace America as the Global Superpower . Henry Holt and Co. Rudd, K. (2020, May 6). The coming post-COVID anarchy. Retrieved from Foreign Affairs: https://www.foreignaffairs.com/articles/united-states/2020-05-06/coming-post-covid-anarchy Staff, R. (2017, August 17). Trump adviser Bannon says U.S. in economic war with China: media. Retrieved from Reuters: https://www.reuters.com/article/us-usa-china-bannon-idUSKCN1AX0DE Zakaria, F. (2019, December 6). The new China Scare: why America shouldn’t panic about its latest challenger. Retrieved from Foreign Affairs: https://www.foreignaffairs.com/articles/china/2019-12-06/new-china-scare
First published in: World & New World Journal
Eraj Farooqui

Eraj Farooqui

أنا إراج فاروقي، أعمل حاليًا كأستاذ زائر في جامعة كي آي إي تي (كراتشي). تخرجت من جامعة كراتشي بدرجة الماجستير في العلاقات الدولية، وأتابع حاليًا دراسة الماجستير البحثي في ​​نفس المجال. لدي اهتمام كبير بالسياسة العالمية والشؤون الجارية. وقد منحتني دراستي لمجموعة واسعة من المواضيع على مدار أربع سنوات كطالب في العلاقات الدولية فهمًا عميقًا للنظريات والمفاهيم والأطر التي تمكنني من تحليل الديناميكيات السياسية المعقدة. كما ساعدني ذلك على توفير فهم سياقي للأحداث التاريخية والعوامل الجيوسياسية والسياقات الثقافية. دفعني اهتمامي بالسياسة الدولية إلى الالتحاق بالعديد من الدورات في جامعات دولية، بما في ذلك دورة "الدبلوماسية العالمية" من جامعة لندن، ودورة "التطلعات الديمقراطية وفشل الدولة بعد الربيع العربي" من جامعة كوبنهاغن، ودورة "القانون الإنساني الدولي: النظرية والتطبيق" من جامعة ليدن، وذلك بهدف توسيع معارفي. أنا باحث متحمس ومتفانٍ، ولدي شغف كبير بالبحث العلمي. كتبتُ في رسالة الماجستير بحثًا بعنوان "التنافس الأمريكي الصيني الذي يُقوّض مساعي السلام الدائم بين الهند وباكستان". ونُشرت مؤخرًا مقالات بحثية لي في صحيفة "ذا سباين تايمز" بعنوان "صعود الصين وانتقال السلطة: تداعيات النظام العالمي والعلاقة الصينية الأمريكية"، و"ديناميكية الرأسمالية العالمية: دراسة لنظرية النظام العالمي والتنافس الأمريكي الصيني".

Leave a Reply